أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    27-Oct-2026

تعدين النحاس.. فرصة اقتصادية استثنائية في باطن الأرض

 الغد- رهام زيدان

 بينما أكد خبراء أهمية توقيع اتفاقية ثانية لتعدين النحاس في منطقة ضانا جنوبي الأردن، في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، شددوا على ضرورة حماية التنوع الحيوي والحفاظ على القيمة البيئية للمناطق الطبيعية، وفي مقدمتها محمية ضانا.
وفي الوقت الذي يناهز فيه سعر طن النحاس المتري عالميا 14,470 دولارا، استنادا إلى سعر العقود الآجلة البالغ 6.56 دولارا للرطل الواحد، يرى الخبراء أن استغلال الثروات الطبيعية يكتسب أهمية متزايدة، ولا سيما في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، وما يشهده العالم من شح في الواردات واضطرابات في سلاسل التوريد والشحن.
ووفقا لوزارة الطاقة والثروة المعدنية، أظهرت المؤشرات الفنية الأولية لنتائج بعض العينات أن تركيز النحاس بلغ نحو 1.36 % في التكوين الجيولوجي الجنوبي، فيما تجاوز 3.5 % في عينات محددة. ويُقدّر خام النحاس بنحو 45 مليون طن، بما يعادل نحو 500 إلى 600 ألف طن من النحاس النقي.
ووقّع وزير الطاقة والثروة المعدنية، الدكتور صالح الخرابشة، ورئيس هيئة المديرين في مجموعة المناصير للطاقة، المهندس زياد المناصير، الأسبوع الماضي، الاتفاقية التنفيذية لتعدين النحاس في مناطق وادي خالد ووادي النحاس ووادي الجارية ووادي المحاش جنوبي المملكة، على مساحة تبلغ نحو 78 كيلومترا مربعا، لتكون الاتفاقية الثانية من نوعها في المملكة.
وبموجب الاتفاقية الجديدة، تشمل الأعمال التحقق من تقديرات الموارد والاحتياطيات المعدنية، وتحديد نسب تركيز النحاس والكميات القابلة للاستخراج اقتصاديا، وتقدير الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة، وفقا لأسلوب التعدين تحت السطحي المعتمد.
ويُشار إلى أن الاتفاقية الأولى وُقّعت في حزيران (يونيو) 2025، لاستغلال النحاس والمعادن المصاحبة في منطقة أبو خشيبة بوادي عربة، على مساحة تبلغ 48 كيلومترا مربعا، مع شركة وادي عربة للمعادن.
وفي هذا الشأن، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أحمد عوض، إن استثمار الأردن لموارده الطبيعية أصبح حاجة ملحّة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها البطالة والفقر وضعف القاعدة الإنتاجية وارتفاع المديونية.
وأضاف عوض أن هذه الحاجة تزداد في ظل المؤشرات التي تنذر بتراجع المساعدات الدولية خلال السنوات المقبلة واشتداد التنافس عليها، ما يستدعي تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على توليد الدخل وفرص العمل وتمويل التنمية من موارده الذاتية.
وفي هذا السياق، قال إن التوسع في استكشاف النحاس واستثماره في ضانا يمثل فرصة ينبغي التعامل معها بجدية، ضمن توجه وطني أشمل لاستثمار مختلف الثروات الطبيعية الأردنية؛ إذ يمكن لتنمية هذه الموارد أن تفتح مجالات جديدة للإنتاج والتصدير، وتزيد الإيرادات العامة، وتحرك النشاط الاقتصادي في المحافظات، شريطة إثبات جدواها الاقتصادية وإدارتها بكفاءة وشفافية.
وبيّن عوض أن الطموح ينبغي ألا يقتصر على استخراج الخامات وتصديرها، بل يجب أن يمتد إلى بناء صناعات تحويلية محلية، وتطوير سلاسل توريد تشارك فيها الشركات الأردنية، وتأهيل الشباب للعمل في هذه القطاعات. وأكد أن القيمة التنموية الحقيقية تتحقق عندما تتحول الموارد الطبيعية إلى فرص عمل لائقة، ومعرفة وتكنولوجيا، وإيرادات تدعم الخدمات العامة والحماية الاجتماعية.
وقال إن ذلك يتطلب اتفاقيات واضحة تضمن حصة عادلة للدولة، وتحدد التزامات المستثمرين، وتتيح الرقابة على التنفيذ والعوائد. كما يتطلب تسريع الدراسات والإجراءات المؤسسية وتجاوز التأخير غير المبرر، مع التمييز بين مرحلة الاستكشاف وقرار الاستخراج التجاري.
وفيما يتعلق بضانا، بيّن عوض أن هذا التوجه يجب أن يقترن بتقييم بيئي مستقل ومعلن، يحمي التنوع الحيوي والمياه، ويأخذ في الحسبان السياحة ومصادر رزق السكان، ويحدد المناطق والشروط الملائمة للاستثمار.
وأشار إلى أن الأردن بحاجة إلى التحرك الآن لبناء اقتصاد أكثر اعتمادا على قدراته الذاتية، مؤكدا أن حسن استثمار موارده الطبيعية، ضمن رؤية إنتاجية ومسؤولة، يشكل ركيزة أساسية لتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات وتحسين مستوى معيشة مواطنيه.
من جهته، قال المختص في إدارة الثروات الطبيعية، الدكتور صخر النسور، إن استغلال الثروات الطبيعية يكتسب أهمية متزايدة، ولا سيما في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، وما يشهده العالم من شح في الواردات واضطرابات في سلاسل التوريد والشحن، الأمر الذي انعكس على الصناعات وأثر في معظم القطاعات الحيوية نتيجة الحروب التي تشهدها المنطقة.
وبيّن النسور أن قطاع التعدين يُعد أحد المحاور الأساسية لتحقيق هذه التوجهات، من خلال تحويل الثروات الطبيعية إلى صناعات تحويلية والتوسع فيها.
وأضاف أن ملف النحاس يشهد تحركا إيجابيا، مع زيادة عدد الشركات الحاصلة على حقوق الامتياز للاستكشاف وإجراء دراسات الجدوى الاقتصادية، تمهيدا للوصول إلى مرحلة إقامة صناعات تحويلية تتيح استغلال الثروات الطبيعية بصورة أفضل وأكثر كفاءة.
وأشار إلى أن المنطقة تضم مساحات واعدة يمكن استغلال خامات النحاس فيها، معتبرا أن تنويع الشركات الحاصلة على حقوق الامتياز لاستثمار هذه الخامات، بدلا من حصرها في شركة واحدة، يُعد خطوة إيجابية من شأنها تعزيز المنافسة وتسريع الوصول إلى النتائج المرجوة.
ودعا النسور إلى التوسع في استكشاف ثروات طبيعية أخرى واستغلالها، ولا سيما رمال السيليكا، إلى جانب التوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بالفوسفات والبوتاس، وتوسيع قاعدة الاستفادة من مختلف المنتجات الناتجة عن عمليات التعدين.
وأوضح أن المنتجات الثانوية الناتجة عن عمليات التعدين تكتسب أهمية كبيرة، وأن اتساع قاعدة استغلال الثروات الطبيعية يعزز الجدوى الاقتصادية، وقد يحقق عوائد تتجاوز التوقعات، إلى جانب الإسهام في بناء بنية تحتية متينة تخدم أكثر من صناعة.
وقال النسور إن النحاس مادة أساسية تدخل في صناعات متعددة وحيوية ذات قيمة مضافة، ما يستدعي مواكبة أحدث التطورات التكنولوجية في هذا المجال، واستكمال أعمال الاستكشاف والدراسات وتحليل العينات ودراسات الجدوى الاقتصادية، وصولا إلى مرحلة بدء التصنيع.
وبحسب النسور، يشكل عامل الوقت فرصة ينبغي استثمارها في ظل الظروف الراهنة. وأعرب عن اعتقاده بأن استثمار خامات النحاس سيحقق عوائد جيدة لخزينة الدولة، إلى جانب مردود مجتمعي يتمثل في الحد من البطالة، وتدريب المجتمعات المحلية المحيطة بمناطق وجود هذه الثروات الطبيعية وتأهيلها، ولا سيما في مناطق الجنوب.
وأكد أن هذه الجهود تحتاج إلى مظلة تشريعية واضحة وتشريعات وإجراءات سريعة، مع التزام الشركات المتقدمة بشروط الامتياز، سواء فيما يتعلق بالجداول الزمنية أو المتطلبات الفنية أو الكفاءة المالية. كما شدد على ضرورة التحقق من امتلاك هذه الشركات القدرة المالية والمعرفة الفنية اللازمتين لإنجاز المشروعات بسرعة وضمن مدد زمنية قياسية.
من جهته، قال رئيس اتحاد الجمعيات البيئية الأردنية، عمر شوشان، إن الأردن أمام اختبار حقيقي لقدرته على تحقيق التوازن بين الأولويات الاقتصادية ومتطلبات حماية البيئة، مؤكدا أن هذا التوازن يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية، وهي أن الحفاظ على رأس المال الطبيعي ليس عائقا أمام التنمية، بل أحد مرتكزاتها وأسس استدامتها.
وبيّن شوشان أن محمية ضانا للمحيط الحيوي تُعد من أهم المواقع الطبيعية في الأردن والعالم، لما تتمتع به من تنوع حيوي استثنائي وقيمة بيئية وعلمية عالمية. وأشار إلى أنها ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مستودع وطني للتنوع الحيوي ورصيد طبيعي لا يُقدّر بثمن، وواجهة تعكس مكانة الأردن وجهوده في حماية الطبيعة والمحميات.
ولذلك، فإن أي توجه نحو التوسع في أنشطة استكشاف النحاس أو استثماره في المنطقة يجب أن يسبقه، بحسب شوشان، تقييم شامل ومستقل للأثر البيئي، ودراسة متخصصة لحساسية التنوع الحيوي والأنظمة البيئية، تأخذ في الحسبان الآثار المباشرة وغير المباشرة والتراكمية المحتملة، إلى جانب تقييم البدائل والآثار طويلة الأمد على المياه والتربة والموائل الطبيعية والأنواع المهددة.
وشدد على أن هذه الدراسات يجب ألا تكون إجراء شكليا لاستكمال متطلبات الترخيص، بل أن تشكل الأساس العلمي لاتخاذ القرار، مع إتاحة نتائجها بشفافية وإشراك الخبراء ومؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية في مناقشتها.
وفي الوقت ذاته، قال شوشان إنه لا ينبغي التقليل من أهمية الاستثمار في الموارد الطبيعية ودوره المحتمل في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل، لكن المطلوب هو البحث عن فرص تنموية تتكامل مع حماية الطبيعة، لا تلك التي قد تؤدي إلى خسارة بيئية يصعب تعويضها.
وأضاف أن ليست كل فرصة استثمارية بالضرورة فرصة تنموية مستدامة، خصوصا عندما ترتبط كلفتها المحتملة بمكونات فريدة من رأس المال الطبيعي الوطني.
وأكد ضرورة أن يكون الإطار القانوني الناظم واضحا وحاسما، وأن تُحترم أحكام التشريعات البيئية المتعلقة بالمحميات الطبيعية، بما فيها القيود المفروضة على الأنشطة التعدينية داخلها، دون تجاوزها تحت ضغط الاعتبارات الاقتصادية.
وقال شوشان إن حماية ضانا ليست قضية محلية فحسب، بل مسؤولية وطنية واختبار لمصداقية التزام الأردن بحماية التنوع الحيوي واستدامة موارده الطبيعية. وشدد على أن أي قرار في هذا الملف يجب أن يستند إلى العلم والقانون والمصلحة الوطنية طويلة الأمد، لا إلى حسابات العائد الاقتصادي المباشر وحدها.
وأضاف أن التنمية الحقيقية هي التي تحافظ على حقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة، وتصون في الوقت نفسه فرص الأردن الاقتصادية وسمعته الدولية في مجال حماية الطبيعة.
من جانبها، قالت المدير التنفيذي لشركة SustainMEN والخبيرة في الاقتصاد الأخضر، المهندسة شذى الشريف، إن أي استثمار اقتصادي أو مشروع تنموي يجب أن يوازن بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية والمجتمعية.
وأشارت الشريف إلى أن مشروع النحاس في ضانا شهد تعاونا بين القائمين على المحمية والجهاز الحكومي والقطاع الخاص، للعمل ضمن مظلة القانون والتشريعات البيئية ومتطلبات تقييم الأثر البيئي، مع مراعاة خصوصية المنطقة بوصفها محمية طبيعية ذات مكانة لا تقتصر على الأردن، بل تمتد إلى المستوى العالمي.
وأوضحت أن الحوار بين مختلف أصحاب المصلحة، وما رافقه من توافقات ومفاوضات، أفضى إلى خيارات وبدائل من شأنها الحد من الآثار السلبية على البيئة والطبيعة، من خلال بحث سبل تطوير المشروع والتكنولوجيا والأساليب المستخدمة فيه، بما يتيح استمرار النشاط الاقتصادي مع الالتزام بالقوانين البيئية والاجتماعية النافذة.