أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    24-Apr-2026

"الناقل الوطني".. شريان مائي جديد يدعم الزراعة والاستثمار في العقبة

 الغد-أحمد الرواشدة

العقبة- تطوي مدينة العقبة ومناطقها الزراعية، صفحة الانتظار الطويل، معلنة بدء العد التنازلي لانطلاق أضخم مشروع إستراتيجي في تاريخ المملكة الحديث، حيث تدور محركات الآليات الثقيلة لشق مسارات مشروع الناقل الوطني للمياه في صيف هذا العام، تتويجا لإنجاز الإغلاق المالي المعقد وتوفير التمويل الكامل، لتبدأ مرحلة التنفيذ الفعلي لمحطة التحلية العملاقة وخطوط الأنابيب الممتدة، حيث تشكل هذه اللحظة التاريخية نقطة تحول مفصلية تعيد رسم الخريطة التنموية والزراعية لجنوب الأردن، وتمنح شريان حياة مائيا لا ينضب.
 
 
وتستعد الرقعة الزراعية الممتدة ضمن الاختصاص الجغرافي لمحافظة العقبة لجني القطاف الأول لهذا الإنجاز الوطني الضخم، لتصبح هذه الأراضي المستفيد الأبرز من البنية التحتية المرافقة لعمليات الإنشاء وتمديد الأنابيب، إذ تتحول مسارات العمل إلى شبكة طرق زراعية حديثة تخدم المزارعين وتسهل وصول منتجاتهم إلى الأسواق التصديرية وتخفض كلف النقل الباهظة، لتتكامل هذه المنافع اللوجستية مع العوائد المائية المستقبلية لمحطة التحلية، خالقة بيئة استثمارية زراعية متطورة قادرة على استغلال المناخ الدافئ لإنتاج محاصيل تصديرية مبكرة وذات قيمة مضافة عالية.
بهذا الخصوص، يؤكد المهندس الزراعي محمد المراعية أهمية هذه التحولات الجذرية، مشيرا إلى أن التحضيرات الصيفية تمثل نافذة أمل لتقليل نسبة التالف من المحاصيل، في حين شدد على ضرورة التنسيق المستمر بين إدارة المشروع والمجتمعات المحلية لضمان تحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذه المرافق الحيوية.
وعلى الصعيد البيئي والاجتماعي، الممثل للركيزة الأساسية لنجاح أي مشروع وطني، يخضع مسار الناقل الوطني لدراسات تقييم أثر بيئي صارمة تتوافق مع أعلى المعايير الدولية، لتضمن تصميم مسارات الأنابيب بطريقة هندسية ذكية تقلل إلى الحد الأدنى أي تأثيرات محتملة على الرقعة الزراعية، وفي الحالات المقتضية للضرورة الهندسية للتدخل في بعض المساحات الزراعية، تبرز الآليات الشفافة والعادلة للتعويضات الضامنة لحقوق المزارعين بشكل كامل، ليترافق ذلك مع برامج علمية متقدمة لإعادة تأهيل الأراضي المتضررة فور الانتهاء من أعمال الحفر والتمديد الصيفية.
خطط التحسين البيئي
وتستهدف هذه البرامج التأهيلية استعادة الأراضي لخصوبتها وقدرتها الإنتاجية للعودة كجزء فاعل في المنظومة الزراعية المحلية، بل والتفوق على حالتها السابقة بفضل خطط التحسين البيئي المرافقة للمشروع، والشاملة لزراعة أحزمة خضراء حول محطات الضخ والتحلية، لتصبح الأراضي المحيطة بمسار الخط الناقل بؤرا زراعية نموذجية تستفيد من تكنولوجيا الري الحديثة والمياه المعالجة المرافقة لعمليات التشغيل، مما يحول التحديات البيئية إلى فرص استثمارية خضراء تعزز من صمود الرقعة الزراعية في وجه التغيرات المناخية القاسية التي تضرب المنطقة.
ومن وجهة نظر الخبير البيئي محمد العدوان، فإن الالتزام بالمعايير البيئية عقيدة عمل راسخة في كافة مراحل المشروع، وليس متطلبا قانونيا، مؤكدا أن الفرق الفنية المتخصصة التي ستعمل خلال فترة المشروع تدرك تماما البعد البيئي، بهدف ضمان حماية التربة والموارد الطبيعية المحيطة.
وأكد أن الإستراتيجية المعتمدة لإعادة التأهيل القائمة على تقنيات حديثة تضمن عودة الأراضي إلى حالة أفضل مما كانت عليه قبل بدء الأعمال الإنشائية المرتقبة.
كما شدد العدوان على الشراكة مع المجتمع المحلي والمزارعين، باعتبارها صمام الأمان لنجاح هذه الإجراءات وتحقيق الرضا المجتمعي الكامل، ليكون المشروع نموذجا يحتذى في التناغم بين متطلبات التنمية الصناعية وحماية الإرث الزراعي وصولا إلى سواحل البحر الأحمر، لتشكل هذه المنهجية التشاركية حجر الزاوية في بناء ثقة متبادلة بين إدارة المشروع والمجتمعات المستضيفة، الضامنة لاستدامة العمل بسلاسة ويسر طوال فترة التنفيذ الممتدة لسنوات.
وتمتد العوائد الإيجابية للمشروع لتشمل إحداث حراك اقتصادي ملموس ينعكس على مستوى معيشة الأسر في المناطق الزراعية والريفية المحيطة بمسار الناقل الوطني، مع بدء الأعمال الإنشائية في صيف هذا العام، وتفتح مراحل الإنشاء وتمديد الأنابيب وبناء محطات الضخ آفاقا واسعة لفرص العمل لأبناء هذه المناطق في مجالات متنوعة تشمل الأعمال الإنشائية والحراسة والدعم اللوجستي والخدمات المساندة، لتسهم في ضخ سيولة نقدية مباشرة في الاقتصادات المحلية الصغيرة وتنعش الأسواق التجارية.
ومما يعمق هذا الأثر الاقتصادي سياسة المشروع الرامية إلى إعطاء الأولوية في التوظيف لأبناء المجتمعات المحلية المحيطة بمسارات العمل، ليكون صيف هذا العام بداية لموسم حصاد اقتصادي يسبق الحصاد المائي المنتظر، ويوفر مصادر دخل مستدامة للشباب الباحثين عن عمل، لتتحول القرى والبلدات المتناثرة على طول خط المشروع إلى خلايا نحل تنبض بالحياة والنشاط الاقتصادي الموازي للعمليات الهندسية الكبرى، محققة بذلك تنمية متوازنة تلامس احتياجات المواطن البسيط بشكل مباشر.
حماية الموارد المائية الجوفية
ويمثل مشروع الناقل الوطني نقطة تحول تاريخية في مسار حماية الموارد المائية الجوفية المستنزفة على مدى العقود الماضية، حيث يعتمد جزء كبير من النشاط الزراعي في مناطق جنوب الأردن على أحواض المياه الجوفية، ومع بدء تدفق ملايين الأمتار المكعبة من المياه المحلاة عبر هذا الشريان الوطني، سيشهد الأردن تراجعا تدريجيا ومدروسا في الاعتماد على هذه الآبار الجوفية، ليمنح الطبيعة فرصة لالتقاط الأنفاس، ويسمح لهذه الأحواض المائية الحيوية بالتجدد والاستدامة.
وبحسب المهندس في قطاع المياه محمد المناصير، فإن الأبعاد المستقبلية لهذا التحول بتوفير مياه الشرب تقود نحو الإدارة الحصيفة للمصادر المتاحة وحماية المخزون الإستراتيجي للأجيال، مشيرا إلى دور الناقل الوطني في تحرير كميات هائلة من المياه الجوفية المستنزفة لتلبية الاحتياجات الحضرية.
وتطرق إلى أهمية هذا التحرير في إتاحة المجال لصانع القرار لإعادة رسم الخريطة المائية للمملكة وتوجيه جزء من الموارد لتعزيز الرقعة الزراعية في محيط العقبة.
وأكد المناصير التكامل المأمول بين المياه المحلاة والمياه الجوفية والمياه المعالجة لخلق منظومة زراعية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، لتصبح العقبة سلة غذاء رديفة تدعم الاستقرار الغذائي الوطني وتخفف من فاتورة الاستيراد، لتشكل هذه النظرة الاستشرافية خريطة طريق واضحة المعالم لصناع القرار لتعظيم الفوائد المرجوة من المشروع وتوجيهها نحو القطاعات الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها القطاع الزراعي.
وتعد المياه عصب الحياة لأي مشروع استثماري، لتشهد المنطقة الاقتصادية الخاصة طفرة في بناء المنتجعات السياحية والمجمعات الصناعية المتطورة المعتمدة على إمدادات مائية موثوقة ومستدامة، ليتزامن الإغلاق المالي للمشروع مع انتعاش ملحوظ في مؤشرات الثقة الاستثمارية، ليصبح خيار الاستثمار في العقبة اليوم أكثر جاذبية من أي وقت مضى، مدعوما ببنية تحتية مائية صلبة قادرة على تلبية احتياجات المشاريع الكبرى لعقود قادمة.
ويقول نائب رئيس غرفة تجارة العقبة أحمد سالم الكسواني، إنه من المؤكد الترابط الوثيق بين الأمن المائي والنمو الاقتصادي، مشيرا إلى أن المستثمرين يضعون توفر المياه والبنية التحتية في مقدمة أولوياتهم عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
وأكد الكسواني، دور الناقل الوطني في إرسال رسالة طمأنة قوية لرأس المال المحلي والأجنبي بجاهزية العقبة لاحتضان أضخم المشاريع، مشددا على انعكاس هذا الانتعاش الاقتصادي إيجابا على توفير آلاف فرص العمل الدائمة لأبناء المحافظة.
مركز اقتصادي إقليمي متكامل
وتتحول العقبة، بفضل هذه المعطيات، إلى مركز اقتصادي إقليمي متكامل يمتلك كافة مقومات الديمومة والازدهار، بعيدا عن شبح العجز المائي المهدد للكثير من المدن الساحلية في المنطقة، مانحا إياها ميزة تنافسية فريدة على مستوى حوض البحر الأحمر، لتصبح المدينة نموذجا للمدن الذكية المستدامة القادرة على الموازنة بين النمو الاقتصادي المتسارع والمحافظة على الموارد الطبيعية وحسن إدارتها وفق أحدث المعايير العالمية المتبعة في هذا المجال الحيوي.
وتبرز الأهمية الإستراتيجية للمشروع في تعزيز صمود القطاع الزراعي في وجه موجات الجفاف المتعاقبة، حيث سيوفر الناقل الوطني مرونة عالية في إدارة الموازنة المائية السنوية للمملكة، مما يتيح لوزارة المياه والري توجيه الفوائض المائية في مواسم الخير لتعزيز المخزون الجوفي، ويضمن المشروع في الوقت ذاته تدفقا مائيا ثابتا في سنوات الجفاف، ليحمي المزارعين في المملكة من خسائر فادحة طالما تكبدوها نتيجة تذبذب الهطول المطري، لتشكل هذه المرونة المائية درعا واقيا للاقتصاد الزراعي الأردني.
ووفق المزارع فهد الزوايدة، فإن هذه الحماية تمنح المزارع الأردني الثقة اللازمة للتوسع في استثماراته وإدخال أصناف زراعية تصديرية جديدة تتطلب استقرارا في الإمداد المائي، مستفيدا من المناخ الدافئ للعقبة الذي يسمح بإنتاج محاصيل مبكرة ذات قيمة تسويقية عالية، لتنعكس هذه الثقة إيجابا على حجم الصادرات الزراعية وترفد الخزينة بالعملات الصعبة، وتخلق المزيد من فرص العمل في القطاع الزراعي والقطاعات المساندة له كالتعبئة والتغليف والنقل المبرد.