توسع صناديق الاستثمار المشترك.. قفزة بنضوج السوق المالي
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها الأردن، يبرز تساؤل جوهري حول مدى دخول السوق المحلي مرحلة جديدة من الثقة بأدوات الاستثمار الجماعي، وعلى رأسها صناديق الاستثمار المشترك، التي بدأت تستعيد حضورها بعد سنوات طويلة من الركود النسبي.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خيارات استثمارية أكثر تنوعاً ومرونة، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والتقلبات الإقليمية، مما يعزز من أهمية صناديق الاستثمار كأداة مالية قادرة على تحقيق إدارة احترافية للأموال، وتوفير توازن مدروس بين العائد والمخاطرة، بما يلبي تطلعات مختلف شرائح المستثمرين، سواء الأفراد أو المؤسسات.
وأكد خبراء اقتصاديون أن التوسع الملحوظ في صناديق الاستثمار المشترك في السوق الأردني خلال الفترة الأخيرة، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد الوطني، حيث يمثل هذا التوسع مؤشراً واضحاً على نضوج سوق المال المحلي، وتطور الثقافة الاستثمارية لدى المستثمرين، إلى جانب تحسن مستويات الثقة بالاقتصاد الوطني، في ظل حزمة من الإصلاحات والتحديثات التي طالت البيئة التشريعية والرقابية والاقتصادية.
وأوضح هؤلاء، في تصريحات صحفية، أن تسجيل صندوقين جديدين خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، مقارنة بندرة إطلاق مثل هذه الصناديق خلال السنوات الماضية، يعكس تحولاً نوعياً في بنية السوق المالي الأردني، ويشير إلى تنامي الثقة بالأدوات الاستثمارية الحديثة، وارتفاع مستوى الوعي الاستثماري لدى المستثمرين، الذين باتوا أكثر ميلاً إلى الاستثمار المؤسسي المنظم، بدلاً من الأنماط الفردية التقليدية.
ودعا الخبراء إلى ضرورة البناء على هذا الزخم الإيجابي، من خلال مواصلة تطوير البيئة التشريعية والرقابية، وتعزيز الحوافز الداعمة لصناديق الاستثمار، بما يسهم في تعميق السوق المالي، وزيادة جاذبيته للاستثمارات المحلية والأجنبية، وترسيخ دوره كأداة فاعلة في تمويل الاقتصاد الوطني وتنشيط مستويات السيولة.
تُعرف صناديق الاستثمار المشترك بأنها أوعية مالية تقوم على تجميع أموال عدد كبير من المستثمرين، وتوظيفها في محفظة متنوعة من الأصول، تشمل الأسهم والسندات والصكوك والأدوات النقدية، حيث تُدار هذه الصناديق من قبل خبراء ومتخصصين في الاستثمار، مما يمنحها طابعاً احترافياً، ويجعلها خياراً مناسباً لتقليل المخاطر عبر التنويع، إضافة إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالاستثمار الفردي المباشر.
صناديق الاستثمار تكسر حالة الجمود بعد سنوات طويلة
وفي مؤشر لافت على هذا التحول، كشف رئيس هيئة الأوراق المالية عماد أبو حلتم عن تسجيل صندوقين جديدين للاستثمار المشترك خلال الأشهر الماضية، مقارنة بإطلاق صندوق واحد فقط خلال نحو 15 عاماً، في دلالة واضحة على بدء عودة النشاط إلى هذا القطاع الحيوي.
وأكد أبو حلتم أن إطلاق هذين الصندوقين يعكس متانة البيئة الاستثمارية المحلية، وتطورها التدريجي خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة جاءت نتيجة تراكم إصلاحات هيكلية وتنظيمية، هدفت إلى تعزيز جاذبية السوق المالي الأردني. وجاءت هذه التصريحات خلال جلسة نظمها منتدى التواصل الحكومي بعنوان “تعزيز سوق المال الأردني”، حيث تم تسليط الضوء على التحديات والفرص التي تواجه القطاع المالي، وسبل تطويره بما يتماشى مع أفضل الممارسات العالمية.
وتتمثل هذه الصناديق في “صندوق كابيتال للاستثمار” بقيمة تقارب مليوني دينار، و”صندوق صفوة” بقيمة تقدر بنحو خمسة ملايين دينار، في حين أشار أبو حلتم إلى وجود اهتمام متزايد من قبل شركات أخرى لإطلاق صناديق جديدة خلال الفترة المقبلة، مما يعزز التوقعات باستمرار هذا الزخم.
نضوج السوق وتطور الثقافة الاستثمارية
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الحراك الذي تشهده الصناديق الاستثمارية في السوق الأردنية أصبح واضحاً، مشيراً إلى أن هذه الصناديق باتت تتخذ أشكالاً متعددة، تشمل الصناديق المفتوحة والمغلقة، إضافة إلى الصناديق ذات العائد الثابت أو المتغير، ما يوفر خيارات متنوعة أمام المستثمرين.
وأوضح أن هذه الأدوات تسهم في تعزيز سوق رأس المال، من خلال تمكين الأفراد من المشاركة في استثمارات جماعية تُدار بشكل احترافي، وتستهدف قطاعات متعددة تشمل الأسهم والسندات والصكوك، إلى جانب تمويل المشاريع والشركات، وهو ما يتيح الانتقال من الاستثمار العشوائي إلى الاستثمار المؤسسي المنظم.
وأشار عايش إلى أن الدلالة الأبرز في السياق الأردني تكمن في الارتفاع الملحوظ في مستوى الوعي الاستثماري، خاصة مع تسجيل صندوقين جديدين خلال فترة قصيرة، مقارنةً بندرة إطلاق مثل هذه الصناديق خلال السنوات الماضية، ما يعكس تحولاً في سلوك المستثمرين من الادخار التقليدي إلى الاستثمار الفعّال وتنويع مصادر الدخل.
وبيّن أن هذا التحول يمثل انتقالاً من مفهوم “حفظ المال” إلى “تنمية المال”، وهو ما يعد مؤشراً مهماً على تطور الثقافة المالية، ونضوج الفكر الاستثماري لدى الأفراد.
كما لفت إلى أن هذه التطورات تعكس وجود بنية قانونية ورقابية متقدمة نسبياً، تسمح بنمو هذه الصناديق، إلى جانب تنوع الأدوات المالية المطروحة في السوق، ما يعزز من عمق السوق المالي الأردني، ويزيد من قدرته على استيعاب أدوات استثمارية حديثة.
وأكد أن تنامي هذه الصناديق يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات الثقة بالاقتصاد الوطني، وبالمؤسسات المالية والسياسات الحكومية، وهو عامل أساسي في تفسير زيادة عددها.
وأضاف أن الأردن يمتلك فرصاً اقتصادية واعدة، في ظل مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، إلى جانب نمو الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي تجاوز ملياري دولار في عام 2025، مسجلاً نمواً ملحوظاً مقارنةً بالعام الذي سبقه، ما يخلق بيئة مناسبة لتوسع أدوات الاستثمار الجماعي.
وأشار إلى أن صناديق الاستثمار يمكن أن تؤدي دورا محوريا في تمويل الشركات الناشئة وقطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة في مراحلها المبكرة، التي لا تحظى عادة بتمويل كاف من البنوك التقليدية، ما يعزز من دورها في دعم الابتكار وخلق فرص العمل.
الحوافز الحكومية تدفع عجلة الصناديق الاستثمارية
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن تسجيل صندوقين استثماريين خلال فترة قصيرة، مقارنة بصندوق واحد خلال 15 عاما، يمثل إشارة واضحة إلى عودة النشاط لهذا القطاع بعد سنوات من التباطؤ، مشيرا إلى أن هذا التطور يعكس تحولا حقيقيا في ديناميكية السوق المالي الأردني، وليس مجرد زيادة عددية.
وأوضح أن هذا التحول يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الأداء القوي لبورصة عمان خلال العام الماضي، حيث سجلت مستويات قياسية جعلتها من بين الأفضل أداء على المستويين العربي والعالمي، إلى جانب تضاعف حجم التداول وارتفاع القيمة السوقية.
وأشار إلى أن القيمة السوقية لبورصة عمان بلغت نحو 28 مليار دينار حتى منتصف نيسان (أبريل) الحالي، مسجلة نموا ملحوظا مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وهو ما يعكس تحسن ثقة المستثمرين وزيادة السيولة في السوق.
وأضاف أن من أبرز العوامل التي ساهمت في تنشيط صناديق الاستثمار، حزمة الحوافز الحكومية، التي شملت إعفاء هذه الصناديق من ضريبة الدخل، وتخفيض عمولات الوسطاء، وزيادة ساعات التداول، إلى جانب تحديث التشريعات وتسهيل إجراءات التسجيل، في إطار رؤية التحديث الاقتصادي وبرنامج الحكومة للأعوام المقبلة.
ولفت إلى أن هذه الصناديق تسهم في جذب رؤوس أموال جديدة، من خلال تجميع مدخرات المستثمرين وتوجيهها نحو استثمارات منتجة، ما يعزز من حجم الاستثمارات المؤسسية، ويرفع مستويات السيولة اليومية في السوق.
كما تسهم في تقليل التقلبات الناتجة عن قرارات المستثمرين الأفراد، وتشجع على الاستثمار طويل الأجل، ما ينعكس إيجابا على استقرار السوق، ويدعم الشركات المدرجة من خلال تحسين تقييماتها السوقية، وتحفيز إدراج شركات جديدة.
وأكد أن خضوع هذه الصناديق لرقابة هيئة الأوراق المالية يعزز من مستويات الشفافية والثقة، سواء لدى المستثمرين المحليين أو الأجانب، ما يساهم في زيادة حجم التداول وتحفيز النشاط الاقتصادي بشكل عام.
الاستقرار السياسي يعزز الثقة الاستثمارية
من جهته، أشار الخبير الاقتصادي زيان زوانة إلى أن تنامي الاهتمام بصناديق الاستثمار المشترك في الأردن لا يمكن فصله عن مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي حافظت عليه المملكة خلال السنوات الماضية رغم التحديات الإقليمية.
وأوضح أن الأردن تمكن من ترسيخ صورة إيجابية كبيئة استثمارية مستقرة تتسم بالقدرة على التكيف مع الأزمات دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية تقيد حركة الأسواق، ما عزز ثقة المستثمرين ورفع من جاذبية السوق المحلية.
كما لفت إلى دور السياسة النقدية المتوازنة التي أسهمت في الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، إلى جانب قوة المؤسسات الرقابية وربحية الشركات المدرجة، ما يشكل مجتمعةً بيئة حاضنة لنمو أدوات استثمارية حديثة، وعلى رأسها صناديق الاستثمار المشترك.