أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    22-Apr-2026

الاستثمار والاستدامة.. مشاريع كبرى ترسم ملامح اقتصاد منيع

 الغد-طارق الدعجة

 الطريق نحو الاستدامة والاعتماد على الذات، هذا هو الاتجاه الذي تعكسه السياسات الأردنية في السنوات الأخيرة، مع انتقال واضح من إدارة الأزمات إلى هندسة المناعة الاستراتيجية في قطاعي المياه والطاقة، بوصفهما الركيزتين الأكثر حساسية في معادلة الأمن الوطني بمفهومه الشامل".
ويبرز في هذا السياق، أن الأردن لم يعد يتعامل مع ملفي المياه والطاقة كملفات خدمية أو ظرفية، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد، يعيد صياغة علاقة الدولة بمواردها الحيوية وبالبيئة الإقليمية المحيطة بها، في ظل سعي متزايد لتقليل الارتهان للتقلبات الإقليمية والأسواق الخارجية.
في السنوات الأخيرة بدأت ملامح جديدة لمسار السياسات الأردنية، تتجه إلى انتقال واضح من إدارة الأزمات إلى هندسة المنعة في قطاعي المياه والطاقة.
وفي نطاق هذا التوجه، يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه وخط غاز الريشة، إلى جانب مشاريع بنى تحتية للنقل، مثل سكة حديد ميناء العقبة، كل ذلك وسواه، يأتي كحزمة متكاملة تعيد صياغة علاقة الدولة بمواردها الحيوية وبالبيئة الإقليمية المحيطة بها، في ظل سعي الدولة إلى تعزيز قدرتها على الاستقلال في إدارة مواردها الحيوية وتقليل الارتهان للتقلبات الإقليمية والأسواق الخارجية.
في جوهر هذا التحول، يتقدم مفهوم "الأمن المائي والطاقي"، بوصفه انتقالا من الاعتماد الخارجي إلى بناء قدرة داخلية على الاستدامة، حتى وإن كان ذلك ضمن حدود الإمكانات الجغرافية والاقتصادية، فهذان المشروعان، يشكلان مرتكزا لتحقيق قدر أكبر من الاعتماد على الذات، ومواجهة التحديات الإقليمية والتقلبات الخارجية، ومن ثم الوصول إلى أمن الطاقة والمياه، حتى وإن لم يكن هذا التوجه مطلقاً، لكنه في حقيقته يضع الخطى على طريق إنجازات نوعية، ستعزز استقرار الاقتصاد الوطني وتحسن جودة الحياة للمواطنين.
رئيس الوزراء د. جعفر حسان، وخلال لقاء صحفي عقد امس، عقب إعلان توقيع الاتفاقية الفنية القانونية النهائية لمشروع الناقل الوطني، تمهيداً لإبرام الغلق المالي في تموز (يوليو) المقبل، أكد أن "الناقل الوطني" يعد "من أهم وأكبر المشاريع الوطنية، كونه يشكل ركيزة أساسية للأمن المائي والاستقرار الاقتصادي"، وهو توصيف لا يكتفي بتوصيف المشروع كحل تقني لأزمة مياه، بل يرفعه إلى مستوى البنية التحتية السيادية، المرتبطة باستقرار الدولة الاقتصادي والاجتماعي.
هذا المشروع الذي تصل كلفته الكلية لـ5.8 مليار دولار، يوفر نحو 40 % من احتياجات مياه الشرب في المملكة، ومن المتوقع بدء ضخه للمياه في العام 2030، ليغدو رافدا أساسيا يعزز الأمن المائي الوطني، إذ سيضاعف حصة الفرد السنوية من المياه بين 60 و110 م3 سنوياً، وسيسهم بزيادة عدد أيام التزود من المياه، من يوم واحد إلى ثلاثة أيام في الأسبوع للمحافظات كافة.
وفي هذا السياق، يعد "الناقل الوطني" الذي تشارك في تمويله وتنفيذه 29 جهة مانحة ومؤسسة دولية، أحد المؤشرات المهمة على حجم الثقة الدولية بالأردن وبالمشروع بما يحمله من أبعاد استراتيجية تحقق استدامة المشروع.
ويأتي هذا التوجه في إطار ما يقوده جلالة الملك عبدﷲ الثاني من جهود لتعزيز الأمن المائي للمملكة، عبر حشد الدعم الدولي للمشاريع الكبرى ذات الأولوية الوطنية، وتوسيع قاعدة الشراكات التي تسهم بتسريع تنفيذها.
ويعكس التوجه الملكي حرصا واضحا على تحويل التحديات المائية إلى فرص استثمارية وتنموية مستدامة، بما يرسخ قدرة الأردن على مواجهة شح المياه، وضمان الأمن المائي على المدى الطويل.
وتعكس هذه المقاربات الحكومية، تحولا في فلسفة الأمن المائي والطاقي، من الاعتماد الجزئي على التفاهمات الإقليمية أو المصادر التقليدية، إلى بناء منظومة داخلية، تعتمد على تحلية مياه البحر ونقلها وتوزيعها في المملكة، بما يضمن استقرار الإمدادات واستدامتها. هذا المنظور، يعكس إدراكا رسميا يؤكد أن المياه في الأردن عنصر حاكم في معادلة التنمية. 
وزير المياه والري رائد أبو السعود، يضع هذا التحول في إطار أكثر وضوحا حين يقول إن "الأردن لا يمكنه انتظار حلول خارجية لتأمين احتياجاته المائية"، في إشارة مباشرة إلى حدود الرهان على الحلول الإقليمية، أو الظروف السياسية المتقلبة في المنطقة، وإلى ضرورة بناء منظومة داخلية، أكثر استقلالا عبر التحلية والنقل وإعادة التوزيع.
بالتوازي مع ذلك، يتقدم ملف الأمن الطاقي، بوصفه الوجه الآخر للمعادلة نفسها. فخط غاز الريشة، الذي ينفذ بنظام التصميم والبناء والتمويل والتشغيل ونقل الملكية، والمخصص لنقل بين 500 و1000 مليون قدم3 يوميا من الغاز، لا يمثل مجرد مشروع طاقة، بل أداة لإعادة تموضع الأردن على خريطة الطاقة الإقليمية، وتقليل كلف الاستيراد والارتباطات الخارجية، وهنا يندمج البعد الاقتصادي بالسيادي، بحيث تصبح الطاقة والمياه معا، قاعدة استقرار مالي للدولة.
أما رئيس الفريق الاقتصادي وزير الدولة للشؤون الاقتصادية مهند شحادة، فيذهب إلى تأكيد أن الاقتصاد الأردني، يثبت قدرته على التكيف في ظل نحو 13 أزمة مرت خلال ربع قرن، معتبرا بأن "الأردن يجب أن ينظر إليه كنموذج اقتصادي متوازن، وقادر على الاستمرار، وليس كاقتصاد طارئ أو هش".
هذا التوصيف، يعكس محاولة لترسيخ سردية اقتصادية جديدة، تقوم على المرونة المؤسسية، وربط الاستقرار الاقتصادي بإدارة فعالة للقطاعات الحيوية، وفي مقدمتها المياه والطاقة، ويضيف شحادة، أن الاتفاقيات الاقتصادية يجب أن تقوم على "مبدأ التوازن والعدالة بين الأطراف"، محذرا من أن اختلال هذا التوازن، قد يخلق إشكالات لاحقة، وهو ما ينسحب عمليا على فلسفة إدارة المشاريع الكبرى التي تنفذها الدولة حاليا، وتقوم على توزيع المخاطر عبر الشراكات والتمويل متعدد الأطراف، بما يقلل من الارتهان لمصدر واحد، سواء في التمويل أو في التشغيل.
ضمن هذا المشهد، يمكن قراءة مشروع سكة حديد ميناء العقبة، بوصفه امتدادا لهذا التوجه الاقتصادي، إذ يتجاوز دوره التقليدي في نقل الفوسفات، ليصبح ركيزة تربط الأردن بشبكات نقل إقليمية أوسع، تمتد نحو دول الجوار، وربما نحو أفريقيا، ما يعزز موقع المملكة كممر لوجستي، لا كمستورد للطاقة والموارد، والتي اعتبرها وزير النقل نضال القطامين من المشاريع الاستراتيجية التي تنفذها المملكة، في مشاريع النقل والربط اللوجستي، التي تعد نقلة نوعية في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته.
أما نماذج الشراكة مثل (BOT)، فتسهم بتعزيز كفاءة التنفيذ عبر إتاحتها المجال للقطاع الخاص للبناء والتشغيل، قبل نقل الملكية إلى الحكومة، بما يحقق استفادة كبيرة من الخبرات الفنية، ويخفف العبء عن المالية العامة، ويعزز كفاءة إدارة المشاريع الكبرى. هذا ما اكد عليه وزير العدل بسام التلهوني.
هذه المشاريع التي  بدأت ترى النور منذ اكثر من 20 عاما، تعكس مضي الأردن بإعادة هيكلة استراتيجية الاستثمار في إطار وطني، يقوم على الانفتاح والحوكمة، وتهيئة بيئة استثمارية قابلة للنمو، بما يرسخ ثقة المستثمرين، ويرفع جاذبية الاقتصاد، وفق ما يراه وزير الاستثمار د. طارق أبو غزالة.
تكشف القراءة الجامعة لهذه المشاريع، أن الأردن يتحرك نحو نموذج "الأمن المتكامل"، إذ لا يفصل الأمن المائي عن الطاقي، ولا يفصل أي منهما عن البنية الاقتصادية والنقل، ما يعكس تحولا في فلسفة الدولة من إدارة الندرة إلى إدارة الاستدامة، ومن الاعتماد على التفاهمات الخارجية إلى بناء منظومات داخلية، قادرة على تقليل الهشاشة أمام الأزمات الإقليمية والتغيرات المناخية.