التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي المجهولة.. خصوصيتك هي الثمن
الغد-إبراهيم المبيضين
يحمل التحذير الأخير الصادر عن هيئة تنظيم قطاع الاتصالات من استخدام تطبيقات ذكاء اصطناعي مجهولة المصدر دلالة واضحة على تحوّل نوعي في طبيعة المخاطر الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي، فالمسألة لم تعد تقنية بحتة تتعلق بـ"هجوم" تقليدي، بل باتت مرتبطة مباشرة بخصوصية الفرد وهويته الرقمية التي أصبحت تحت سيطرة الخوارزميات.
وتؤكد مجموعة من الوقائع أن بعض تطبيقات الدردشة والخدمات غير الموثقة قد تجمع بيانات المستخدمين وتخزنها أو تعيد توظيفها دون شفافية كافية، وهذا الغموض يضع المستخدم أمام احتمال فقدان السيطرة على معلوماته الشخصية؛ إذ إن البيانات لم تعد مجرد تفاصيل عابرة، بل تحولت إلى "أصل رقمي" ذي قيمة اقتصادية عالية يمكن استغلاله مادياً أو توظيفه في عمليات تضليل رقمي وانتحال شخصية.
وتكمن أهمية هذا التحذير في كونه إجراءً وقائياً يواكب ما تشير إليه تقارير جهات دولية ذات وزن، مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والمنتدى الاقتصادي العالمي، وهذه التقارير تتقاطع في نتيجة واحدة هي أن الخطر الحقيقي لا ينبع من تقنية الذكاء الاصطناعي نفسها، بل من سوء استخدامها أو ضعف تنظيمها الرقمي.
وكانت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات حذرت قبل ايام المستخدمين الأردنيين للذكاء الاصطناعي ألا يشاركوا بياناتهم مع روبوتات (تطبيقات) مجهولة، وأوضحت أن بعض التطبيقات أو الدردشات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تجمع معلومات المستخدم الشخصية وتستغلها.
ودعت الهيئة في تحذيرها الى استخدام التطبيقات الموثقة من متاجر التطبيقات الرسمية فقط، وقالت " الاستخدام الواعي يحمي حقوق المستخدم ومعلوماته".
ويرى خبير الأمن السيبراني د.عمران سالم أن التفاعل مع روبوتات الدردشة مجهولة المصدر يمثل "مخاطرة أمنية جسيمة تتجاوز مجرد الدردشة العابرة" إذ تعمل هذه المنصات غالباً كأدوات لجمع البيانات الضخمة وتنميط المستخدمين.
وأوضح أن المعلومات التي يشاركها المستخدمون طواعية، سواء كانت تفاصيل مهنية، أسراراً شخصية، أو حتى أنماط التفكير، يتم تخزينها وتحليلها في خوادم قد تفتقر لأدنى معايير التشفير (Encryption)، ما يجعلها صيداً سهلاً للهجمات السيبرانية أو عمليات البيع لجهات طرف ثالث تهدف لاستغلالها في الهندسة الاجتماعية.
وقال سالم "من الضرورة بمكان تفعيل ( الرقابة الذكية ) والوعي الرقمي عند التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، لذلك يجب على الأفراد والمؤسسات تبني سياسات صارمة لضبط تدفق المعلومات (Flow Control) وبناء (حصن رقمي) يبدأ من الامتناع عن إدخال أي بيانات حساسة في هذه المحادثات، إذ إن الحفاظ على الخصوصية في العصر الرقمي ليس مجرد خيار تقني، بل هو ضرورة حتمية لحماية الهوية الرقمية من الاستغلال في قنوات خفية (Covert Channels) قد تُستخدم لاحقاً في عمليات اختراق أو ابتزاز إلكتروني".
ولخص سالم قائلا "هناك قاعدة نعلمها جميعا.. إذا كانت الخدمة مجهولة المصدر وبلا ضوابط، فاعلم أن "بياناتك" هي الثمن الحقيقي الذي تدفعه".
من جانبه، قال خبير حوكمة البيانات والتحول الرقمي د.حمزة العكاليك "التحذير الذي نشرته هيئة تنظيم قطاع الاتصالات لا يتحدث عن خطر افتراضي أو مبالغ فيه، بل يعكس واقعًا متسارعًا تتزايد فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتفاعل مع المستخدمين بشكل يومي".
وأضاف العكاليك " هذه التطبيقات، سواء كانت روبوتات دردشة أو أدوات كتابة أو منصات تحليل بيانات تعتمد في جوهرها على جمع المعلومات لتحسين أدائها، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس كل تطبيق ذكي آمن وليس كل روبوت محايد". فبعض هذه الأنظمة قد يجمع بياناتك الشخصية سلوكك الرقمي وحتى أنماط تفكيرك دون أن تدرك أنت حجم ما يتم تخزينه أو كيفية استخدامه لاحقًا".
وأكد العكاليك أن المعنى الأساسي للتحذير واضح بألا يمنح المستخدم بياناته بسهولة لجهات غير موثوقة خاصة تلك التي تعمل عبر الذكاء الاصطناعي، بيد أنه أشار إلى أن خلف هذا المعنى البسيط توجد طبقات أعمق من المخاطر.
وأول هذه المخاطر أن البيانات التي تشاركها لا تبقى مؤقتة بل قد تُخزن وتُستخدم في تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أخرى أو تُباع لأطراف ثالثة ضمن اقتصاد البيانات.
وثانيها أن بعض التطبيقات غير الرسمية قد تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الأمن السيبراني ما يجعلها بوابة سهلة للاختراق أو تسريب المعلومات.
وثالثها أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يُستخدم كأداة خداع إذ يمكن للروبوتات تقليد البشر بشكل مقنع واستدراج المستخدمين للحصول على معلومات حساسة مثل كلمات المرور أو البيانات المالية.
وبين العكاليك أن الأهمية هنا لا تتعلق فقط بحماية الخصوصية الفردية بل تمتد إلى مفهوم السيادة الرقمية، فعندما تصبح بيانات المواطنين متاحة لشركات أو جهات خارجية دون رقابة فإن ذلك يخلق فجوة استراتيجية تمس الأمن الاقتصادي وحتى السياسي.
ولهذا تأتي مثل هذه التحذيرات، بحسب العكاليك، ضمن إطار أوسع من حوكمة البيانات حيث تسعى الدول إلى ضبط كيفية جمع البيانات واستخدامها وضمان عدم استغلالها خارج الأطر القانونية.
ولفهم خطورة الأمر بشكل ملموس قال العكاليك "يكفي النظر إلى ما حدث خلال السنوات الأخيرة، في عام 2023 تم الكشف عن تسريبات بيانات ضخمة من تطبيقات دردشة مدعومة بالذكاء الاصطناعي إذ تم تخزين محادثات المستخدمين واستخدامها في تدريب النماذج دون موافقة واضحة وفي حالات أخرى ظهرت تطبيقات مزيفة تقلد أدوات شهيرة لكنها في الواقع كانت تجمع بيانات تسجيل الدخول للمستخدمين".
وأشار إلى أنه في قطاع الأعمال هناك أيضًا مخاطر مشابهة، بعض الموظفين يلجأون إلى أدوات ذكاء اصطناعي خارجية لتحليل بيانات عملهم دون إدراك أن ذلك قد يعني تسريب معلومات حساسة عن الشركة وقد سجلت عدة شركات عالمية حوادث من هذا النوع ما دفعها إلى حظر استخدام بعض أدوات الذكاء الاصطناعي غير المعتمدة داخليًا.
وأضاف العكاليك "الأهم هو فهم أن الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي ذاته بل في كيفية استخدامه فالتكنولوجيا بطبيعتها محايدة، لكنها تصبح خطرة عندما تُستخدم دون ضوابط ومن أبرز السلبيات المحتملة: فقدان الخصوصية، التتبع السلوكي المفرط، التلاعب بالمعلومات، وحتى تشكيل قرارات المستخدم بناءً على بيانات تم تحليلها عنه دون علمه". والأخطر من ذلك، بحسب العكاليك، هو ما يُعرف بالهندسة الاجتماعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إذ يتم استهداف الأفراد برسائل مصممة خصيصًا لإقناعهم بالكشف عن معلومات حساسة.
وقال "هذا التحذير ليس دعوة للخوف من التكنولوجيا بل دعوة لاستخدامها بوعي في عصر التحول الرقمي، فلم يعد كافيًا أن تكون مستخدمًا ذكيًا بل يجب أن تكون مستخدمًا واعيًا والفرق بين الاثنين قد يكون بياناتك أو فقدانها فالثقة العمياء في أي تطبيق أو روبوت قد تكلفك أكثر مما تتخيل بينما الوعي البسيط بكيفية حماية بياناتك قد يمنحك سيطرة حقيقية على حياتك الرقمية.
وفي النهاية تبقى القاعدة الذهبية، كما يقول العكاليك" إن كان التطبيق لا يوضح كيف يستخدم بياناتك فمن الأفضل أن تفترض الأسوأ وتتصرف بذكاء".
من جانبه قال نائب رئيس جمعية مهندسي الاتصالات والحاسبات في نقابة المهندسين الأردنيين م.هاني البطش إن "هذا التحذير يظهر حقيقة أن "البيانات هي النفط الجديد" في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فالتفاعل مع روبوتات دردشة مجهولة المصدر ليس مجرد حوار عابر، بل هو عملية "تغذية" قد تتضمن كشف أسرار مهنية، بيانات مالية، أو تفاصيل شخصية دقيقة تُستخدم لاحقاً في بناء ملفات تعريفية (Profiling) للمستخدمين دون علمهم".
وزاد " التحذير يعني باختصار أن وعي المستخدم هو خط الدفاع الأول، وأن الثقة الرقمية يجب أن تمنح فقط للمنصات التي تلتزم بمعايير الشفافية وسياسات الخصوصية المعلنة، تجنباً للوقوع في فخ تطبيقات "الظل" التي تفتقر للحد الأدنى من الحماية السيبرانية".
وقال "تكمن أهمية هذا التنبيه في التوقيت؛ فثمة طفرة في تطبيقات الاحتيال المبنية على الهندسة الاجتماعية والخطورة هنا ليست نظرية بل واقعية جداً، وتتمثل في ثلاثة محاور: أولاً، إمكانية تسريب بيانات الهوية واستخدامها في عمليات انتحال شخصية أو جرائم مالية، ثانياً، خطر "التزييف العميق" إذ يمكن استغلال تسجيلاتك الصوتية أو صورك لإنتاج محتوى مضلل وثالثاً، التغول على الحقوق الرقمية من خلال بيع هذه البيانات لجهات طرف ثالث لأغراض دعائية أو حتى سياسية".
وبين أن الالتزام بالمصادر الرسمية يعني أنك تضع بياناتك داخل "بيئة محوكمة" تخضع للرقابة والمساءلة، بدلاً من إلقائها في فضاء سيبراني مجهول لا تملك فيه حق الاسترداد".
وختم قائلا " في العالم الرقمي، إذا كانت الخدمة "مجهولة" ومجانية بالكامل دون سياسات واضحة، فأنت وللأسف لست المستفيد، بل قد تكون أنت "المنتج" الذي يتم بيعه".