أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    08-Oct-2026

أوروبا وتراجع الدولة الاجتماعية*أحمد عوض

 الغد

تضع احتجاجات طلاب المدارس الفرنسية على نقص المعلمين وتدهور ظروف التعليم مستقبل الدولة الاجتماعية أمام اختبار جدي. فالمطالب تتجاوز تحسين الصفوف الدراسية إلى الدفاع عن فرص عادلة، وعن قدرة المؤسسات العامة على توفير شروط حياة أفضل.
 
 
ورغم اختلاف دوافع الاحتجاجات في العديد من الدول الأوروبية، يمكن قراءة جانب من الغضب بوصفه نتيجة لتراجع الأمان الاقتصادي والاجتماعي. فالعمل لم يعد يمنح الجميع استقراراً كافياً، والخدمات العامة تواجه ضغوطاً تزيد شعور الأسر بأنها تتحمل مسؤوليات كانت تتقاسمها مع الدولة.
يتصل ذلك باتساع تأثير مدارس التفكير اليمينية بمختلف تياراتها، وإن اختلفت مواقفها من التجارة والهجرة ودور الدولة. وتتقاطع تيارات مؤثرة منها عند إعطاء أولوية لخفض الأعباء على رأس المال، وتقييد الإنفاق الاجتماعي، وتوسيع الاعتماد على السوق لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ولا تقتصر هذه التوجهات على الأحزاب التي تعرّف نفسها باعتبارها يمينية. فقد تبنت حكومات وسطية أيضاً سياسات تقدم ضبط الموازنات والمنافسة على حماية الخدمات، بما أسهم في تضييق الخيارات الاجتماعية داخل النقاش الاقتصادي.
ومع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والدعم الأوروبي والأميركي لكييف، تسارعت إعادة ترتيب الأولويات نحو الدفاع والتسلح، خصوصاً في فرنسا وألمانيا. وترافقت زيادة المخصصات العسكرية مع ضغوط لتوفير الإنفاق وإعادة تنظيم بعض الحمايات الاجتماعية.
للإنفاق الدفاعي مبررات أمنية. لكن توسيعه، بالتزامن مع تقييد موارد الخدمات العامة، يطرح مسألة عدالة توزيع الأعباء، ومدى حماية احتياجات المواطنين ضمن الأولويات الجديدة.
وتضيف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت أواخر شباط الماضي، ضغطاً اقتصادياً آخر. فقد أربكت حركة الطاقة عبر مضيق هرمز وسلاسل الإمداد، ورفعت كلف الشحن، وأحدثت اختناقات في إمدادات الوقود ما زالت مستمرة رغم تحسن بعض تدفقات النفط الخام.
تنتقل هذه الكلف إلى النقل والتدفئة والإنتاج، ثم إلى أسعار السلع والخدمات بدرجات متفاوتة. وعندما تتزامن مع ضعف الحماية الاجتماعية، تواجه الأسر ضغطاً مزدوجاً؛ ارتفاع نفقاتها الأساسية، وتراجع قدرة المؤسسات العامة على تخفيفها.
في التعليم، قد يدفع نقص الموارد الأسر المقتدرة نحو الدروس والمدارس الخاصة، بينما يخسر أبناء الأسر الأقل دخلاً فرصاً يصعب تعويضها. وهكذا يتزايد تأثير الثروة العائلية في المستقبل المهني، وتتراجع قدرة التعليم على تحسين الظروف الاجتماعي.
وفي الصحة، قد يؤدي طول الانتظار وصعوبة الوصول إلى العلاج إلى تأجيل الرعاية أو تحمل نفقات إضافية. وتصبح الأسر الأضعف أكثر تعرضاً لتفاقم المرض وخسارة الدخل، فتتحول الوفورات المالية الراهنة إلى كلف اجتماعية واقتصادية لاحقة.
على المدى الطويل، يمكن أن يضعف هذا المسار المهارات والإنتاجية والطلب المحلي. فاقتصاد المستقبل يحتاج إلى تعليم جيد وصحة متاحة ودخول مستقرة. وتراجع هذه الشروط يحد من قدرة الدول على التجدد ومواجهة الشيخوخة والتحولات التقنية.
وسياسياً، تتآكل الثقة حين يشعر المواطنون بأن التضحيات تتكرر بينما تتراجع الفرص. وقد تستثمر قوى يمينية متطرفة هذا الغضب بتوجيهه نحو المهاجرين والفئات الأضعف، بما يحجب أثر الخيارات الاقتصادية ويعمّق الانقسام.
تحتاج أوروبا إلى إعادة التوازن بين أمنها العسكري وأمانها الاجتماعي، عبر حماية التعليم والصحة، ومراجعة الامتيازات الضريبية، وتوزيع كلفة الأزمات بعدالة أكبر. فاستدامة الدولة الاجتماعية جزء من قدرة هذه المجتمعات على الإنتاج والتماسك، ومن ثقة مواطنيها بأن المستقبل يتسع لهم.