سباقات الشاحنات على "الصحراوي".. تهديد للأرواح
الغد-أحمد الرواشدة
العقبة- تزايدت شكاوى سالكي الطريق الصحراوي والطريق الخلفي المؤدي إلى مدينة العقبة من المخاطر الناجمة عن السرعات العالية والقيادة المتهورة لبعض الشاحنات والصهاريج، في ظل ارتفاع حركة الشحن والترانزيت المتجهة من وإلى ميناء العقبة.
ويقول مواطنون وعاملون في قطاع النقل: إن تجاوز الشاحنات لبعضها بعضا في مقاطع ومنعطفات خطرة، إلى جانب ضغط حركة المركبات الثقيلة، بات يشكل مصدر قلق متواصل لمستخدمي الطريق، فيما تتزايد المطالب بتشديد الرقابة وتطوير إجراءات السلامة المرورية وتنظيم حركة الشاحنات، خصوصا على الطريق الخلفي ذي الطبيعة الجبلية والانحدارات الحادة.
ومع ازدياد حركة الشحن والترانزيت بشكل غير مسبوق خلال العام الحالي، لتلبية احتياجات الأسواق المجاورة التي تعتمد كليا على البوابة البحرية الأردنية، باتت قوافل الشاحنات تشكل سيولا حديدية متدفقة لا تعرف التوقف، بيد أن هذا التدفق الاقتصادي المبشر ترافق مع ممارسات كارثية من قبل بعض السائقين الذين يضربون بعرض الحائط كافة الشواخص المرورية والتحذيرات الأمنية، منطلقين بمركباتهم التي تزن عشرات الأطنان وكأنها سيارات سباق خفيفة، متجاوزين بعضهم البعض في مسارب ضيقة ومنعطفات خطرة، الأمر الذي يحيل رحلة السفر العادية إلى مجازفة محفوفة بالموت المحقق في كل لحظة.
وبحسب المواطن عبد الله الطراونة، وهو أحد سالكي الطريق بشكل أسبوعي، "فإن المشهد باتجاه العقبة يشبه أفلام الحركة الهوليودية، حيث تتسابق التريلات جنبا إلى جنب في محاولة لاختصار بضع دقائق من زمن الرحلة، غير مكترثين بالمركبات الصغيرة التي تتطاير من حولهم كأوراق الشجر في مهب الريح"، مؤكدًا "أن الطريق الصحراوي المؤدي للميناء أصبح يحمل اسم (طريق الموت) بجدارة نتيجة هذه التجاوزات التي لا تكاد تتوقف، لا في الليل ولا في النهار، مما يتطلب تدخلا صارما لوقف هذا النزيف".
نظام الحوافز المالية
ويبرر بعض السائقين هذه السلوكيات بآليات عملهم، حيث يشير السائق محمود كاظم إلى أن نظام الحوافز المالية يرتبط ارتباطا وثيقا بعدد النقلات التي ينجزها السائق خلال الأسبوع الواحد، موضحا أن "التأخير في موانئ التحميل والتفريغ يدفع السائقين إلى التعويض من خلال زيادة السرعة على الطرقات المفتوحة، خاصة في ظل التنافس الشرس على اقتناص عقود النقل لدول الجوار التي تشهد طفرة تجارية غير مسبوقة، مما يجعل من السرعة خيارا إجباريا للبقاء في سوق العمل، رغم إدراكهم التام لحجم المخاطر الكارثية".
إلا أن الخبير في قطاع النقل واللوجستيات، الدكتور رائد المومني، يؤكد أن "الأردن نجح بامتياز في تسويق ميناء العقبة كمركز إقليمي للترانزيت، وهو إنجاز يحسب للدولة الأردنية بكافة مؤسساتها، إلا أن هذا النجاح مهدد بالتآكل إذا لم يترافق مع تحديث شامل لمنظومة النقل البري وتشديد الرقابة الذكية على أسطول الشحن".
وأضاف المومني، "أن الحوادث المروعة التي تنتج عن هذه السباقات الجنونية لا تزهق الأرواح فحسب، بل تدمر البنية التحتية للطرق التي تكلف ميزانية الدولة مليارات الدنانير، وتعيق حركة سلاسل الإمداد، مما ينعكس سلبا على سمعة الممر التجاري الأردني برمته".
وقال إن مما يزيد المشهد تعقيدا، هو التنوع الكبير في جنسيات الشاحنات العابرة للترانزيت، والتي لا تخضع جميعها لنفس المعايير الفنية الدقيقة التي تُفرض على الشاحنات المحلية، حيث تعبر مئات القاطرات الأجنبية يوميا محملة ببضائع إستراتيجية متجهة نحو أسواق إعادة الإعمار في الدول المجاورة، مما يتطلب تفعيل دور محطات الوزن المحورية وتكثيف الفحص الفني المفاجئ على الحدود والمنافذ الجمركية، للتأكد من كفاءة أنظمة الكبح والإطارات قبل السماح لهذه القنابل الموقوتة بالانطلاق على شبكة الطرق الوطنية التي باتت تئن تحت وطأة الحمولات المحورية الزائدة، والتي تفتت الطبقة الإسفلتية وتخلق تموجات وتشققات تزيد من خطورة الانزلاقات والحوادث المميتة.
الطريق الخلفي في العقبة
ولا يقتصر الخطر الداهم على الطريق الصحراوي المفتوح، بل يتعاظم بشكل دراماتيكي عند الوصول إلى الطريق الخلفي في العقبة، وهو المسار الجبلي المتعرج الذي صمم خصيصا لإبعاد حركة الشحن عن قلب المدينة السياحية، حيث يتحول هذا الطريق ذو الانحدارات الشديدة إلى مصيدة مميتة للصهاريج المحملة بالمواد الكيماوية والمشتقات النفطية، التي تفقد السيطرة على مكابحها نتيجة السرعة الزائدة والحمولات التي تتجاوز الحد المسموح به، مما ينذر بكوارث بيئية وبشرية لا تحمد عقباها في حال وقوع حوادث تدهور أو اصطدام متسلسل، وهو ما يتطلب إعادة هندسة مرورية عاجلة لهذا المقطع الحيوي وتزويده بمسارب هروب طارئة للشاحنات التي تفقد السيطرة.
وتعمل الدوريات الخارجية على مدار الساعة لضبط المخالفات الرادارية والمتحركة، إلا أن الكثافة العددية الهائلة للشاحنات، والتي تقدر بالآلاف يوميا، تجعل من التغطية التقليدية أمرا بالغ الصعوبة، حيث إن بعض السائقين يعمدون إلى استخدام أجهزة اتصال لاسلكية وتطبيقات ذكية لتنبيه بعضهم بعضا إلى مواقع الدوريات والرادارات، مما يستدعي الانتقال الفوري إلى تطبيق نظام التتبع الإلكتروني المباشر (GPS).
وحذر مواطنون من أن استمرار ظاهرة القيادة المتهورة لأسطول الشحن يضرب في صميم الجهود المبذولة لترويج العقبة كوجهة سياحية عالمية آمنة ومستقرة، مؤكدين أن الزائر الذي يمر بتجربة مرعبة على الطريق الصحراوي قد لا يفكر بالعودة مرة أخرى، مهما كانت المغريات السياحية داخل المدينة، مما يحتم على كافة الجهات الحكومية والخاصة التكاتف لإنشاء موانئ برية جافة خارج حدود المدينة لتنظيم دخول الشاحنات وفق نظام تفويج إلكتروني دقيق يمنع التكدس والسباقات العشوائية على مشارف ثغر الأردن الباسم.