الرأي
طرح النائب الدكتور أيمن أبو هنية، رئيس لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية وعضو المكتب السياسي في حزب عزم، مجموعة من المبادرات والرؤى الاقتصادية التي تهدف إلى توسيع قاعدة فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحقيق الاستدامة المالية للضمان الاجتماعي، مؤكداً أن معالجة التحديات التي تواجه هذا الملف الحيوي يجب أن تنطلق من تعزيز النمو الاقتصادي وتوسيع قاعدة الإنتاج والاستثمار.
وجاءت هذه المبادرات في رسالة وجّهها أبو هنية إلى دولة رئيس الوزراء جعفر حسان، دعا فيها إلى إطلاق حزمة إصلاح اقتصادي واستثماري شاملة تعالج جذور التحديات الاقتصادية، بما يسهم في توسيع قاعدة المشتركين في الضمان الاجتماعي وتعزيز استدامته، إلى جانب إعادة النظر بالتعديلات المطروحة على قانون الضمان الاجتماعي.
وأكد أبو هنية في رسالته أن النقاش الدائر حول تعديلات قانون الضمان يعكس حساسية هذا الملف لدى الأردنيين باعتباره صندوق الأمان الاجتماعي للأجيال، مشدداً على أن استدامة الضمان لا يمكن أن تُعالج من زاوية الأرقام الاكتوارية فقط، بل من خلال تعزيز النمو الاقتصادي وتوسيع قاعدة المشتركين وخلق فرص عمل جديدة.
كما طرح في رسالته مجموعة من المقترحات الاقتصادية، من بينها الاستثمار في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعات التحويلية، وتعظيم القيمة المضافة لقطاعي الفوسفات والبوتاس، إضافة إلى دعم القطاع الصناعي وتطوير قطاعات الزراعة والسياحة والتكنولوجيا بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
وفيما يلي نص الرسالة كما وردت:
دولة رئيس الوزراء الأكرم الدكتور جعفر حسان
تحية طيبة وبعد
أكتب إليكم هذه الرسالة في ظل النقاش الوطني الواسع الذي يشهده الشارع الأردني حول التعديلات المطروحة على قانون الضمان الاجتماعي وما أثارته من حالة جدل ورفض شعبي واسع وهو أمر يعكس بوضوح حساسية هذا الملف وأهميته الكبيرة في وجدان الأردنيين باعتباره صندوق أمانهم الاجتماعي وضمانة استقرارهم ومستقبل أبنائهم
وفي مستهل هذه الرسالة أود أن أؤكد تقديري للجهد الكبير الذي بذلتموه وتبذلونه في ترؤس الحكومة في مرحلة دقيقة مليئة بالتحديات الاقتصادية والإقليمية وإدراكي العميق لحجم المسؤوليات التي تتحملونها ولكل الخطوات التي تتخذونها وحرصكم الواضح على أن لا تكون حكومتكم حكومة ترحّل الأزمات بل حكومة تسعى إلى مواجهتها ومعالجتها بشجاعة ومسؤولية
إنني أدرك تماماً أن الطرح الحالي يضع الدولة أمام خيارين ليس أي منهما سهلاً وأن اتخاذ القرار في مثل هذه الملفات الحساسة يتطلب شجاعة سياسية ومسؤولية وطنية عالية لكن في المقابل فإن هذه اللحظة قد تكون فرصة لاتخاذ خطوات كبيرة ومهمة تقودنا بثقة نحو تحقيق رؤية التحديث الاقتصادي التي يتطلع إليها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين والذي كان وما يزال شغله الشاغل تحقيق حياة كريمة للمواطن الأردني وتوفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
إن النقاش حول التعديلات المقترحة وإن كان يُقدَّم على أنه معالجة فنية لأرقام اكتوارية وتأجيل لأثر بعض الإجراءات لعدة سنوات إلا أن القضية لا يمكن النظر إليها من زاوية الأرقام فقط بل يجب النظر إليها أيضاً من زاوية الأمن المجتمعي والرضا الشعبي والثقة العامة بالقرارات الاقتصادية فالمواطن لا يقرأ النصوص القانونية فحسب بل يقرأ الرسائل التي تبعثها السياسات العامة ويقيسها بمدى شعوره بالأمان والاستقرار والعدالة
إن ما وصلنا إليه اليوم لم يكن نتيجة نص قانوني واحد بل نتيجة مسار اقتصادي طويل اتسم بتباطؤ النمو الاقتصادي وعدم قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل كافية لامتصاص الداخلين إلى سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ توسع قاعدة المشتركين في الضمان وهنا تكمن جوهر المشكلة فصندوق الضمان الاجتماعي ليس خزينة حكومية بل إيراداته من اشتراكات المواطنين وموجوداته لهم والحكومة هي الجهة المنظمة لهذا القطاع وليست صاحبة منفعة مباشرة منه ولذلك فإن إدارة هذا الصندوق يجب أن تقوم على أعلى درجات الحوكمة والاستقلالية والشفافية بما يحفظ حقوق المشتركين والمتقاعدين والأجيال القادمة
وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن بعض التعديلات المقترحة على قانون الضمان تتضمن جوانب إيجابية يمكن البناء عليها وفي مقدمتها إعادة تعزيز الحوكمة في إدارة المؤسسة وتقليص بعض أوجه التشابك في صلاحيات الحكومة بما يعزز استقلالية القرار المؤسسي إضافة إلى تحقيق قدر أكبر من الإنصاف للمتقاعدين وتعزيز العدالة بينهم وهي خطوات مهمة ينبغي النظر إليها بعين التقدير والعمل على تطويرها بما يخدم استدامة المؤسسة ويحفظ حقوق المشتركين
ومن هنا فإن دق ناقوس الخطر اليوم ليس لإثارة القلق بل لإطلاق خطوات مسؤولة لأننا لا نملك ترف الوقت فإذا أردنا الحفاظ على استدامة الضمان دون المساس بالأمن المجتمعي فإن المدخل الحقيقي يبدأ من الاقتصاد عبر تحقيق نمو اقتصادي حقيقي وخلق فرص عمل وتوسيع قاعدة المشتركين وتنظيم سوق العمل والحد من التهرب من الضمان الاجتماعي وخاصة فيما يتعلق بعدم شمول بعض فئات العمالة بما فيها العمالة الوافدة تحت مظلة الضمان
كما أن صندوق استثمار الضمان يجب أن يعود إلى دوره الحقيقي كذراع استثماري وطني قوي لا أن يُستخدم كما حدث في مراحل سابقة كأداة لتغطية العجز في النفقات الجارية بل أن يتحول إلى محرك رئيسي للاستثمار المنتج الذي يخلق فرص العمل ويحقق عوائد مرتفعة ومستدامة تسهم في دعم الاستدامة المالية للصندوق
ويمتلك الاقتصاد الأردني نقاط قوة حقيقية يمكن البناء عليها إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح وفي مقدمتها قطاع الطاقة والتعدين الذي يمكن أن يشكل رافعة اقتصادية كبيرة فالأردن يمتلك احتياطيات واعدة من النحاس في وادي عربة إضافة إلى فرص محتملة في الذهب والمعادن المصاحبة وكذلك ثروات كبيرة من السليكا التي يمكن أن تقود إلى صناعات متقدمة في الزجاج والصناعات المرتبطة بالطاقة الشمسية والتكنولوجيا
كما ينبغي ألا يقتصر الاستثمار في هذه الموارد على استخراجها كمواد خام بل يجب ربطها بسلاسل صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة مثل الصناعات الكيماوية وصناعات الأسمدة والصناعات الزجاجية والصناعات المتقدمة بما يضاعف القيمة الاقتصادية ويخلق آلاف فرص العمل
وفي هذا السياق يمكن للأردن أن يتحول إلى مركز إقليمي لصناعات الأسمدة المتقدمة من خلال تعظيم القيمة المضافة للفوسفات والبوتاس وربطهما بالصناعات الكيماوية والتحويلية بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام وهذا يتطلب أيضاً توسيع الاستثمارات الرأسمالية للشركات الوطنية الكبرى مثل شركة البوتاس العربية وشركة مناجم الفوسفات الأردنية وتشجيعها على التوسع في الاستثمارات الاستراتيجية داخل الأردن وخارجه بما يعزز العوائد الاقتصادية ويوفر فرص تشغيل واسعة
كما يمكن إطلاق مشاريع صناعية كبرى مثل إنشاء مجمعات صناعية متخصصة في الصناعات التحويلية وعلى سبيل المثال إنشاء أكبر مجمع صناعي إقليمي لصناعات الأنسجة والملابس في الأردن مستفيدين من الموقع الجغرافي للمملكة ومن الاتفاقيات التجارية والامتيازات الجمركية التي تتيح للمنتجات الأردنية الوصول إلى الأسواق العالمية الأمر الذي يمكن أن يوفر عشرات الآلاف من فرص العمل ويزيد من عدد المشتركين في الضمان
ولا يقل أهمية عن ذلك دعم القطاع الصناعي الأردني وتمكينه من التوسع والإنتاج والتصدير من خلال توفير تسهيلات بنكية حقيقية للصناعيين وتخفيض كلف التمويل وتوفير الحوافز للاستثمار الصناعي وتخفيض كلف الطاقة للصناعات الإنتاجية إضافة إلى دعم الاستثمار في المدن الصناعية والمناطق التنموية
كما أن قطاعات الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية والسياحة والسياحة العلاجية والتكنولوجيا الرقمية تمثل فرصاً واعدة للنمو والتشغيل إذا ما تم دعمها بسياسات تحفيزية واضحة واستثمارات نوعية تسهم في توسيع قاعدة الاقتصاد المنتج
وانطلاقاً من ذلك فإنني أرى أن الخيار الأكثر مسؤولية في هذه المرحلة قد يكون في قيام الحكومة بسحب مشروع التعديلات المطروحة على قانون الضمان الاجتماعي مؤقتاً والعمل على إطلاق حزمة إصلاح اقتصادي واستثماري شاملة تعالج جذور المشكلة الاقتصادية بدلاً من الاقتصار على المعالجة التشريعية وأنا أدرك أن مثل هذا القرار قد يحمل قدراً من المغامرة السياسية والاقتصادية لكنه قد يكون في المقابل الخيار الأكثر شجاعة وقدرة على إعادة بناء الثقة وتعزيز الاستقرار المجتمعي
دولة الرئيس
إن رؤية التحديث الاقتصادي التي يقودها جلالة الملك المعظم تتطلب منا جميعاً السير بخطوات مسؤولة وجريئة في الاتجاه الصحيح فالمسؤولية اليوم لا تقع على الحكومة وحدها بل هي مسؤولية مشتركة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية والقطاع الخاص والمجتمع بأكمله
إن الأردنيين كانوا دائماً على قدر التحديات عندما شعروا بصدق النية وعدالة القرار وهم اليوم يتطلعون إلى خطوات تعزز ثقتهم بمؤسسات دولتهم وتحمي صندوق أمانهم الاجتماعي وتفتح أمام أبنائهم أبواب العمل والأمل
إن مستقبل الأردن لا يُبنى بترحيل التحديات ولا بتأجيل القرارات بل ببناء اقتصاد قوي منتج قادر على توفير الفرص وصون الكرامة الإنسانية لكل مواطن ونحن جميعاً قيادةً وحكومةً وبرلماناً وقطاعاً خاصاً ومجتمعاً شركاء في هذه المسؤولية الوطنية الكبيرة
واثقون بأن الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة وإرادة أبنائه الصادقة قادر على تحويل التحديات إلى فرص وعلى حماية مكتسباته الوطنية وصندوق أمان مواطنيه والمضي بثبات نحو مستقبل أكثر قوة وعدالة وازدهاراً لأبنائه وبناته
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير
النائب
الدكتور أيمن أبو هنية
رئيس لجنة الطاقة والثروة المعدنية النيابية
عضو المكتب السياسي لحزب عزم