الغد-رهام زيدان
قال خبراء إن فلس الريف شكل على مدى عقود، أحد أبرز البرامج التنموية التي ساهمت في إيصال الكهرباء إلى القرى والتجمعات السكانية البعيدة، والمنازل الواقعة خارج التنظيمات البلدية، بعدما كانت كلف الربط بالشبكة تشكل عبئاً كبيراً على المواطنين وتحدياً أمام شركات التوزيع.
ورأى هؤلاء، أن المبادرة ساهمت في توسيع مظلة الخدمة الكهربائية، وتحسين مستوى المعيشة، ودعم التنمية المحلية، إلى جانب ترسيخ العدالة في توزيع الخدمات الأساسية بين مختلف مناطق المملكة.
وخصصت موازنة وزارة الطاقة والثروة المعدنية للعام الحالي، مبلغ 1.1 مليون دينار لإيصال الكهرباء من خلال فلس الريف، مقارنة مع 200 ألف دينار، معاد تقديرها عن العام الماضي.
وبحسب وزارة الطاقة، تم تأسيس صندوق فلس الريف بموجب التعرفة الكهربائية للعام 1977، بهدف إيصال التيار الكهربائي إلى القرى والتجمعات الريفية التي تقع خارج حدود تنظيم البلديات. ويعتمد البرنامج في تقديم خدماته على أسس وتعليمات يقرها مجلس الوزراء، بهدف تنمية الريف والبادية، من خلال إيصال الكهرباء عبر الشبكات الاعتيادية أو باستغلال مصادر الطاقة المتجددة، في إنتاج الكهرباء وإيصالها للمستفيدين.
وأكدت الوزارة أن البرنامج يحقق هدف تخفيف عبء فواتير الكهرباء عن ذوي الدخل المحدود، مشيرة إلى أنها تمكنت على مدى السنوات الماضية، من توسيع شرائح المستفيدين من “فلس الريف”، تستفيد منه 12 شريحة متنوعة.
وقال وزير تطوير القطاع العام الأسبق د. ماهر مدادحة “إن فلس الريف حقق منافع فعلية تمثلت في خدمة التجمعات السكنية في المناطق الريفية أو تلك الواقعة خارج مراكز المدن والتنظيم، التي كان المشترك فيها يتكبد مصاريف إيصال التيار الكهربائي من خلال إنشاء الخطوط والشبكات”.
وبين مدادحة أن فلس الريف ساهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين في تلك المناطق، من خلال توفير آلية لتمويل إيصال الكهرباء إلى التجمعات السكنية التي كانت تعاني ارتفاع كلف الربط بالشبكة الكهربائية.
وأشار، إلى أن فلس الريف ساهم أيضاً في تحقيق أهداف تنموية في هذه المناطق، رغم أن التوسع في البنية التحتية لشبكة الكهرباء وإيصالها إلى المناطق المستفيدة، يكون على حساب الموازنة العامة.
وأكد مدادحة أن تنفيذ المشاريع على حساب فلس الريف، تم وفق أسس معتمدة لدى وزارة الطاقة والثروة المعدنية، تحقق العدالة للمستفيدين، وتخدم في نهاية المطاف المنازل والتجمعات الواقعة خارج المدن، وفي المناطق الريفية.
وقال المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية د. أحمد حياصات “إن صندوق فلس الريف شكل في حينه، خطوة حكومية مهمة ساهمت في توسيع مظلة الخدمة الكهربائية، إذ جاء بهدف إيصال الكهرباء إلى المناطق النائية والمنازل المعزولة، التي كانت خارج نطاق الشبكات التقليدية”. وأضاف أن الصندوق نجح فعليًا في “كهربة” أجزاء واسعة من الأردن، ولا سيما في المواقع البعيدة التي كان من الصعب خدمتها ضمن الخطط الاعتيادية، مؤكداً أن كثيراً من المناطق استفادت من هذا التوجه، ما انعكس على تحسين مستوى المعيشة وتعزيز فرص التنمية المحلية فيها.
وأشار حياصات، إلى أن التجربة لم تخلُ من بعض الممارسات الخاطئة، إذ جرى في بعض الحالات إيصال الكهرباء إلى مواقع تخص متنفذين، إلا أن ذلك لا يلغي جوهر المبادرة ونتائجها الإيجابية، معتبراً أن فلس الريف يبقى إنجازاً مهماً حقق الهدف الأساسي الذي أُنشئ من أجله.
وقال المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية م. عبدالفتاح الدرادكة “إن مشروع فلس الريف يُعد من أبرز المبادرات الوطنية التي كرست العدالة في إيصال الخدمات الأساسية للمواطنين، إذ ساهم في تمكين آلاف الأسر في المناطق البعيدة والنائية، من الحصول على التيار الكهربائي، بعدما كان الموقع الجغرافي يشكل عائقاً رئيسياً أمام وصول الخدمة”.
وأكد الدرادكة أن المشروع جسد فكرة تنموية تقوم على شمول الجميع دون استثناء، ورسخ مبدأ، أن الكهرباء حق لكل مواطن أينما كان.
وأوضح أن المشروع أُنشئ في وزارة الطاقة والثروة المعدنية العام 1992، بهدف إيصال الكهرباء إلى المناطق الواقعة خارج حدود البلديات وخارج امتياز شركات توزيع الكهرباء، مبيناً أنه في تلك المرحلة، لم تكن اتفاقيات الامتياز الموقعة مع شركات التوزيع، مثل شركة الكهرباء الأردنية وشركة كهرباء محافظة إربد، ولاحقاً شركة توزيع الكهرباء، تلزم تلك الشركات بتحمل كلف “كهربة” المناطق البعيدة والنائية.
وبين أن إنشاء البنية التحتية الكهربائية في تلك المناطق، من محولات وشبكات وخطوط وأعمدة تمتد لمسافات طويلة، كانت تشكل عبئاً مالياً كبيراً يفوق قدرة شركات التوزيع، إلى جانب عدم قدرة المواطنين والعائلات الأقل حظاً، على تحمل هذه التكاليف المرتفعة، ومن هنا جاءت فكرة فلس الريف بوصفها حلاً وطنياً عادلاً، يوازن بين الإمكانات المتاحة وحق المواطنين في الحصول على الخدمة.
وأضاف أن التنفيذ الفعلي للمشروع بدأ العام 1993، حيث انطلقت عمليات التوسع في إنشاء شبكات توزيع كهربائية متكاملة في المناطق الريفية والنائية، معتمدة على مبدأ المشاركة المجتمعية والدعم الحكومي.
وقال “إن تمويل الكلف تم من خلال رسم رمزي مقداره فلس واحد على كل كيلوواط ساعة استهلاك يُضاف إلى كل فاتورة كهرباء، وكان يحقق في بداياته إيرادات تراوحت بين 10 و12 مليون دينار سنوياً، ما ضمن استدامة المشروع واستمراريته”.
وأشار الدرادكة، إلى أن نتائج المشروع كانت لافتة، إذ ارتفعت نسبة المشتركين بالتيار الكهربائي تدريجياً لتصل إلى نحو 99.9 % مع بداية الألفية الجديدة بعد العام 2000، وهي نسبة قاربت الاكتمال التام، فيما تقدر اليوم بحوالي 100 %.
وأضاف أن ذلك يعني أن جميع التجمعات السكانية، بما فيها المناطق الواقعة خارج حدود البلديات والعائلات الأقل حظاً، استفادت من المشروع، لافتاً إلى أن فلس الريف يُعد من أنجح المشاريع التنموية في الأردن، لأنه تجاوز تحديات مالية وتنظيمية معقدة، وجعل المملكة نموذجاً يُحتذى به في التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ الفعّال لمشاريع البنية التحتية.