بني مصطفى: التجارب تثبت أن العنف يشكل تحديا تنمويا واجتماعيا
الغد-هديل غبّون
أُطلقت أمس رسمياً، الخطة الوطنية متعددة القطاعات للوقاية والاستجابة لقضايا حماية الطفل والعنف الأسري والعنف ضد النساء والفتيات للأعوام (2030-2026)، التي أعدها المجلس الوطني لشؤون الأسرة، بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، من خلال عملية تشاركية واسعة تحت إشراف الفريق الوطني لحماية الأسرة من العنف، وبمشاركة مختلف الجهات الحكومية والقضائية ومؤسسات المجتمع المدني والشركاء الدوليين.
وتُعد الخطة التنفيذية الجديدة الثانية من نوعها بعد الخطة التنفيذية لمصفوفة الأولويات الوطنية لتعزيز منظومة الحماية من العنف 2022-2021.
وتركز الخطة الجديدة على الوقاية المبكرة والاستجابة الفاعلة والدعم وإعادة التأهيل، وتعزيز الحوكمة والتنسيق المؤسسي، حيث أُعدت وفق منهجية مبنية على الأدلة العلمية، وتنسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي 2033-2023 والإستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية 2033-2025.
وتهدف الخطة ومحاورها المطورة إلى إرساء نظام وطني متكامل وشامل متعدد القطاعات للوقاية والحماية بحلول عام 2030، يمكّن الحكومة والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية والأسر والنساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة من الوقاية والحماية الفعالة.
وتجدد هذه الخطة، التي أطلقت برعاية وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى، التزام الحكومة بـ8 التزامات رئيسة حسب ما ورد فيها، هي: صون حقوق الناجين، والاستثمار في الوقاية والتدخل المبكر، وتعزيز كفاءة مقدمي الخدمات، وتعزيز المساءلة المؤسسية متعددة القطاعات، وتمكين المجتمعات والأطفال والشباب، وتسخير البيانات لدفع عجلة التغيير، وتعبئة الموارد وضمان استدامتها، والمواءمة مع الالتزامات الوطنية والدولية.
إطار وطني موحد
وأكد مشاركون في إطلاق الخطة أنها تشكل إطاراً وطنياً موحداً يحدد الأولويات والمسؤوليات ويعزز التكامل بين القطاعات خلال الأعوام الخمسة المقبلة، وتهدف إلى تطوير منظومة وطنية أكثر كفاءة واستدامة من خلال توسيع الوصول إلى خدمات الوقاية والاستجابة وإعادة التأهيل، وتعزيز التشريعات والتنسيق المؤسسي والتمويل المستدام، إلى جانب ترسيخ السلوكيات الإيجابية ورفع مستوى المشاركة المجتمعية للحد من جميع أشكال العنف.
وتبلغ القيمة الإجمالية “التقديرية” لتنفيذ الخطة الوطنية خلال الفترة (2026-2030) نحو 130 مليون دينار أردني، بحسب ما ورد في وثيقة الخطة، إذ تُخصص ما نسبته 82 % من إجمالي التكلفة (نحو 106.4 مليون دينار أردني) لتنفيذ الأنشطة ضمن المخرجات الأولى للخطة المتعلقة بخدمات الاستجابة والدعم، و3 % من التكلفة التقديرية(نحو 4.3 مليون دينار أردني) ضمن المخرجات الثانية للخطة، والمتعلقة بإنفاذ القوانين والمساءلة المؤسسية والتمويل المستدام، بينما تُخصص 15 % (نحو 19.7 مليون دينار) لتنفيذ الأنشطة ضمن المخرجات الثالثة للخطة والمتعلقة بـبرامج الوقاية وتعزيز التمكين.
ونصت وثيقة الخطة، على ضمان التنسيق المستمر مع وزارة المالية ودائرة الموازنة العامة وشركاء التنمية، واعتباره أمراً أساسياً لضمان تأمين الموارد المطلوبة المتعلقة بالتكلفة التقديرية للتنفيذ، ومتابعة التنفيذ المالي، وتحقيق الكفاءة في استخدام الموارد طوال فترة تنفيذ الخطة.
خطوة متقدمة
في الأثناء، قالت وزيرة التنمية الاجتماعية بني مصطفى في الافتتاح: إن هذه الخطة الوطنية تشكل خطوة متقدمة في مسيرة الدولة الأردنية نحو بناء منظومة حماية شاملة وعادلة تضمن الكرامة والأمان والعدالة لجميع أفراد المجتمع.
وأشارت بني مصطفى إلى أن الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، يواصل ترسيخ نهج وطني راسخ يقوم على صون حقوق الإنسان وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، إيماناً بأن أمن الأسرة واستقرارها يشكلان أساساً لأمن المجتمع وتماسكه وقدرته على التقدم والتنمية.
وأكدت أن الخطة جاءت انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية، ورؤية التحديث الاقتصادي، والإستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية، لتؤكد أن حماية الأطفال والنساء ليست مسؤولية قطاع بعينه، بل التزام وطني تشاركي يتطلب تكامل الأدوار وتوحيد الجهود.
وبينت أن التجارب أثبتت أن العنف بأشكاله المختلفة لم يعد قضية فردية أو أسرية فحسب، بل تحدياً تنموياً واجتماعياً يؤثر في فرص النمو والاستقرار والتمكين، ويحد من قدرة الأفراد على المشاركة الفاعلة في بناء مجتمعاتهم، ولذلك، فإن هذه الخطة تنطلق من فهم عميق لطبيعة هذه القضايا وتعقيداتها، وتعتمد نهجاً متكاملاً يربط بين الوقاية والحماية والاستجابة والتعافي ضمن إطار وطني موحد قائم على الشراكة والتنسيق والمساءلة.
كما أوضحت أن أهمية هذه الخطة تكمن في أنها لا تكتفي بتحديد الأولويات والسياسات، بل تركز على ترجمتها إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ والقياس من خلال مؤشرات أداء واضحة وآليات متابعة، وتقييم تضمن تحقيق نتائج ملموسة تنعكس مباشرة على حياة الأطفال والنساء والأسر في مختلف مناطق المملكة، مشيرة إلى أن الخطة جاءت ثمرة جهد وطني تشاركي استند إلى الأدلة العلمية والدراسات الوطنية والخبرات الدولية الفضلى.
وأوضحت أن الوزارة، وبحكم مسؤولياتها الوطنية في منظومة الحماية من العنف الأسري، تواصل العمل على تطوير تدخلاتها وبرامجها وخدماتها بما يعزز فعالية الاستجابة ويحفظ كرامة المستفيدين ويضمن سلامتهم، وسيتم العمل على تعزيز آليات إدارة الحالة وتقييم عوامل الخطورة وفق منهجيات مهنية قائمة على الأدلة، وتوسيع خدمات الحماية والإيواء ورفع جاهزيتها، وبناء قدرات الكوادر العاملة في دور الحماية ومكاتب الخدمة الاجتماعية.
منهجية علمية
من جانبه، قال أمين عام المجلس الوطني لشؤون الأسرة الدكتور محمد مقدادي: إن إعداد الخطة جاء ضمن منهجية علمية بُنيت على الأدلة والمعرفة والشراكة الوطنية الواسعة؛ حيث استندت إلى مراجعة أكثر من 100 وثيقة وطنية ودولية، وإلى آراء مئات المشاركين من الأطفال والنساء والرجال والأشخاص ذوي الإعاقة ومقدمي الخدمات والخبراء في عملية تشاركية واسعة هدفت إلى أن تعكس الخطة الواقع الفعلي والتحديات الحقيقية والاحتياجات الملحة على أرض الميدان.
وأشار إلى أن الخطة جاءت ثمرة جهد وطني تشاركي واسع شارك فيه كافة الشركاء، انطلاقاً من قناعة مشتركة بأن قضايا الحماية لا يمكن أن تواجهها جهة واحدة، بل تتطلب استجابة وطنية متكاملة تقوم على التنسيق والتكامل والمساءلة والشراكة.
وأكد مقدادي أن هذه الخطة ليست مجرد وثيقة عمل أو إطار تنفيذي، بل هي تعهد وطني متجدد بأن لا يكون للعنف مكان في حياة أطفالنا ونسائنا وأسرنا، وهي ترجمة عملية لبناء منظومة حماية متكاملة تضع كرامة الإنسان وأمنه وحقوقه في مقدمة الأولويات، والنجاح الحقيقي سيقاس بقدرتنا على إحداث أثر ملموس في حياة هؤلاء الأفراد.
بدوره، قال ممثل منظمة اليونيسف في الأردن مارك روبين: إن القضاء على العنف لا يتحقق بالالتزام وحده، وإنما يتطلب أنظمة حماية متكاملة، وتنسيقاً مؤسسياً فعالاً، وتمويلاً مستداماً، وجهوداً مشتركة على مختلف المستويات، مشيراً إلى أن الخطة الوطنية توفر إطاراً عملياً يجمع هذه العناصر بما يسهم في توفير حماية أفضل لكل طفل وفتاة وأسرة في الأردن.
مظلة جامعة
وأكد ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في الأردن حِمْيَر عبد المغني أن الخطة الوطنية تمثل مظلة جامعة لتوجيه الجهود الوطنية نحو أولويات الحماية من العنف وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات، داعياً جميع الشركاء إلى مواءمة برامجهم وتدخلاتهم مع محاورها الإستراتيجية بما يضمن كفاءة تخصيص الموارد وتعظيم الأثر.
وناقش ممثلون عن وزارات ومؤسسات وطنية في جلسة حوارية أدارها الأمين العام للمجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة د. مهند العزة، التحديات التي يمكن أن تواجه إنفاذ الخطة، وفي مقدمة ذلك تخصيص موازنات مالية لدى الجهات المعنية بإنفاذها.
وشارك في الجلسة الحوارية العقيد محمد بني سلامة مدير إدارة حماية الأسرة والأحداث بالإنابة، ومدير إدارة الأحداث والأمن المجتمعي في وزارة التنمية الاجتماعية عماد الصهيبة، ومديرة مديرية صحة المرأة والطفل في وزارة الصحة الدكتورة هديل السائح، ومدير معهد العناية بصحة الأسرة الدكتور إبراهيم عقل، ورئيس قسم الإرشاد في وزارة التربية والتعليم بسام الهباهبة.
وبحسب وثيقة موازية لإطلاق الخطة، أظهرت أن هناك تحسناً طفيفاً في بعض المؤشرات المتعلقة بالحماية من العنف الأسري خلال 2018-2023 من بين هذه المؤشرات تراجع نسبة الأطفال الذين تعرضوا للعقاب الجسدي من أحد الوالدين من 81 % في 2017 إلى 75 % في عام 2023، استناداً إلى الدراسات والمسوحات الإحصائية التي صدرت عن المجلس الوطني ومسح السكان والصحة الأسرية الذي تصدره دائرة الإحصاءات العامة.
ومن المؤشرات الأخرى أيضاً تراجع نسبة النساء المتزوجات أو اللاتي سبق لهن الزواج وتعرضن للعنف من أزواجهن من 32 % في 2012 إلى 26 % خلال عامي 2017-2018، وإلى 18 % في عام 2023.