القطاعات الواعدة.. رهان الاقتصاد الأردني لتعزيز النمو
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
في ظل سعي الاقتصاد الوطني إلى الحفاظ على مسار النمو وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات، تبرز الحاجة إلى تنشيط محركات نمو جديدة قادرة على توسيع قاعدة الإنتاج وخلق فرص عمل واستقطاب مزيد من الاستثمارات.
ولا يقتصر الأمر على القطاعات التقليدية، بل يمتد إلى قطاعات واعدة يمكن أن تشكل خلال المرحلة المقبلة مصادر جديدة للنمو، بما يعزز تنافسية الاقتصاد ويرفع قدرته على التوسع وفتح أسواق جديدة.
وتبرز من بين هذه القطاعات الصناعات الغذائية والدوائية، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والسياحة، والصناعات ذات القيمة المضافة، لما تمتلكه من فرص للنمو والتوسع وزيادة الإنتاج والصادرات واستقطاب الاستثمارات.
وأمام ذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تحفيز هذه القطاعات وتعزيز تنافسيتها، بما يمكنها من التحول إلى محركات فاعلة للنمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
ويرى اقتصاديون أن الاقتصاد الأردني يمتلك فرصا واعدة لتنويع محركات النمو، من خلال التوسع في قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، أبرزها الصناعات الدوائية والغذائية والتكنولوجية، وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والتعدين، والسياحة المتخصصة، والخدمات اللوجستية.
ولفت هؤلاء الخبراء، في تصريحات لـ"الغد"، إلى أن هذه القطاعات تتمتع بقدرة أكبر على جذب الاستثمارات، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل نوعية، مستفيدين من مقومات يمتلكها الأردن، من بينها الكفاءات البشرية، والموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والخبرات المتراكمة، واتفاقيات التجارة، مؤكدين أن التحدي يتمثل في تحويل هذه المزايا إلى استثمارات وإنتاج وصادرات.
وطالبوا بتسريع الإجراءات اللازمة لتحفيز هذه القطاعات، وفي مقدمتها خفض كلف الإنتاج والطاقة والنقل، وتسهيل بيئة الاستثمار، وتوفير التمويل، وتطوير المهارات، وتعزيز البحث والابتكار، وربط الحوافز بمؤشرات واضحة تشمل الاستثمار والتشغيل والتصدير، بما يتيح انتقال الاقتصاد تدريجيا نحو نموذج أكثر اعتمادا على الإنتاجية والتكنولوجيا والقيمة المضافة.
القطاعات الواعدة
وسجلت أغلب القطاعات الواعدة في الاقتصاد الأردني خلال العام الحالي أداء إيجابيا ولافتا، وفي مقدمة هذه القطاعات قطاع الصناعات التموينية والغذائية والزراعية والثروة الحيوانية، الذي سجل خلال النصف الأول من العام نموا بنسبة 9 %، وبزيادة بلغت نحو 41 مليون دينار.
وفي قطاع الأدوية، نمت صادرات المملكة من مستحضرات الصيدلة والأدوية خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 17.6 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، حيث ارتفعت قيمتها إلى 147 مليون دينار، مقابل 125 مليون دينار للفترة نفسها من عام 2025.
وسجلت صادرات الصناعات الهندسية والكهربائية وتكنولوجيا المعلومات، خلال النصف الأول من العام، زيادة بنحو 49 مليون دينار، بنسبة نمو بلغت 7.1 %، لتصل إلى نحو 745 مليون دينار.
في المقابل، ارتفع الدخل السياحي خلال شهر تموز (يوليو) من عام 2026 بنسبة 24.9 % ليبلغ 926.2 مليون دولار.
أما خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، فاقتصر الانخفاض في الدخل السياحي على ما نسبته 0.2 %، ليبلغ 4,418.2 مليون دولار.
القطاعات عالية القيمة قادرة على قيادة محركات النمو الجديدة
وقال الخبير الاقتصادي وعضو مجالس إدارة غرف الصناعة سابقا، ومؤسس مبادرة "صنع في الأردن"، موسى الساكت، إن أبرز القطاعات القادرة على قيادة محركات النمو الجديدة تتمثل في الصناعات عالية القيمة، والصناعات الدوائية والغذائية والكيماوية، والتعدين، وتكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية، والسياحة العلاجية، والخدمات اللوجستية، والطاقة والمياه، إلى جانب الزراعة الحديثة.
وأوضح الساكت أن هذه القطاعات تمتاز بقدرتها على تحقيق قيمة مضافة أعلى، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل نوعية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على القطاعات محدودة النمو، لافتا إلى أن ذلك يتوافق مع محركات النمو التي حددتها رؤية التحديث الاقتصادي.
وأشار إلى أن الأردن يمتلك مقومات مهمة تؤهله لتطوير هذه القطاعات، في مقدمتها موقعه الجغرافي، والكفاءات البشرية، واتفاقيات التجارة الحرة، إضافة إلى قاعدة صناعية وخدمية قائمة، فضلا عن الأمن والاستقرار. إلا أن التحدي الحقيقي، بحسب الساكت، يتمثل في تحويل هذه المقومات إلى استثمارات وإنتاج وصادرات.
وأكد الساكت أن الأولوية ينبغي أن تتركز على خفض كلف الإنتاج، وتبسيط الإجراءات، وتفعيل النافذة الاستثمارية الموحدة، وتسريع التحول الرقمي الحكومي، وتوفير تمويل ميسر للقطاعات الإنتاجية، إلى جانب تقديم حوافز مرتبطة بالاستثمارات النوعية والتشغيل والتصدير.
وشدد على أهمية الانتقال من دعم المستثمر "نظريا" إلى إزالة المعيقات أمامه عمليا، بالتوازي مع تعزيز المحتوى المحلي وربط الاستثمارات الكبرى بالموردين والصناعات الأردنية.
وأوضح الساكت أن الأثر الاقتصادي لتوسع القطاعات الإنتاجية يمكن أن يكون كبيرا ومضاعفا، من خلال جذب استثمارات جديدة، وخلق وظائف ذات أجور أفضل، وزيادة الصادرات، وتقليل فاتورة المستوردات، ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد.
الحاجة ملحة لتبني سياسات اقتصادية متكاملة لتحفيز القطاعات الواعدة
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي طارق حجازي أن الاقتصاد الأردني يمتلك فرصا واعدة لتوسيع عدد من القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بما يمكنها من تشكيل محركات جديدة للنمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها تكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية، والطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والسياحة المتخصصة، إلى جانب الصناعات القائمة على التكنولوجيا والمعرفة.
وقال حجازي إن ما يميز هذه القطاعات عن العديد من القطاعات التقليدية هو قدرتها على تحقيق قيمة مضافة أعلى، وخلق فرص عمل نوعية، وتعزيز الصادرات، واستقطاب الاستثمارات، فضلا عن ارتباطها بالاقتصاد المعرفي والتطور التكنولوجي والتحولات العالمية في أنماط الإنتاج والاستهلاك.
وأضاف أن الأردن يمتلك مجموعة من المقومات التي تؤهله للتوسع في هذه المجالات، من بينها الكفاءات البشرية المتخصصة، والموقع الجغرافي، والبنية التحتية الرقمية، والخبرات المتراكمة في عدد من القطاعات، إضافة إلى شبكة الاتفاقيات التجارية التي تتيح النفاذ إلى أسواق إقليمية ودولية. غير أن الاستفادة من هذه المقومات، بحسب حجازي، تتطلب الانتقال من مرحلة امتلاك الفرص إلى تحويلها إلى مشاريع إنتاجية واستثمارات وصادرات.
وأوضح أن أبرز التحديات تتمثل في ارتفاع كلف الطاقة والإنتاج، وصعوبة توفير التمويل الملائم للمشاريع، وتعقيدات بعض الإجراءات، والحاجة إلى تطوير المهارات بما يتناسب مع احتياجات القطاعات الجديدة، إضافة إلى محدودية الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار، وضرورة تعزيز قدرة الشركات الأردنية على الوصول إلى الأسواق الخارجية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وأشار حجازي إلى أهمية تبني سياسات اقتصادية متكاملة لتحفيز نمو هذه القطاعات، تشمل تحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتوفير حوافز موجهة للقطاعات ذات الأولوية، وتسهيل حصول الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة على التمويل، إلى جانب تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل.
وأكد ضرورة التركيز على دعم البحث والتطوير والابتكار، وتشجيع نقل التكنولوجيا، وتعزيز المحتوى المحلي في سلاسل الإنتاج، فضلا عن تطوير برامج متخصصة لدعم الصادرات وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والخدمات الأردنية، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة.
وبيّن حجازي أن نجاح الأردن في تطوير هذه القطاعات من شأنه أن ينعكس إيجابا على مؤشرات النمو الاقتصادي، من خلال زيادة الإنتاجية والقيمة المضافة وتنويع القاعدة الإنتاجية، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة، خصوصا للشباب وأصحاب المهارات، ورفع القدرة التصديرية وتحسين مستويات الدخل.
ولفت إلى أن الأثر الاقتصادي لهذه القطاعات لا يقتصر على حجم الاستثمارات المباشرة التي تستقطبها، وإنما يمتد إلى القطاعات المرتبطة بها عبر سلاسل التوريد والخدمات المساندة ونقل التكنولوجيا وتطوير المهارات، بما يخلق أثرا مضاعفا على النشاط الاقتصادي.
وشدد حجازي على أن المرحلة المقبلة تتطلب تحديد مجموعة واضحة من القطاعات ذات الأولوية، ووضع مؤشرات قابلة للقياس لزيادة إنتاجها وصادراتها واستثماراتها، مع متابعة تنفيذ السياسات والحوافز بصورة مستمرة، بما يضمن تحويل المزايا النسبية التي يمتلكها الأردن إلى مزايا تنافسية مستدامة، تسهم في تحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتنويع مصادر النمو الاقتصادي، من خلال التوسع في عدد من القطاعات الواعدة، أبرزها تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية والطبية، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والتعدين والصناعات التحويلية، والسياحة المتخصصة، إضافة إلى الصناعات الغذائية والهندسية والخدمات اللوجستية.
وأوضح المخامرة أن ما يميز هذه القطاعات عن القطاعات التقليدية هو ارتفاع القيمة المضافة التي تحققها، وقدرتها الأكبر على التصدير، وانخفاض اعتمادها على السوق المحلية، فضلا عن توفيرها فرصا لوظائف نوعية تتطلب مهارات متخصصة وتوفر مستويات أجور أعلى.
وأضاف أن الأردن يمتلك مقومات جيدة تؤهله لتطوير هذه القطاعات، تشمل رأس المال البشري، والموقع الجغرافي، والخبرة المتراكمة في الصناعات الدوائية والصناعية، والبنية التحتية الرقمية، وشبكة الاتفاقيات التجارية، إلى جانب الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها في مجالي الطاقة الشمسية والتعدين.
وأكد أن تحويل هذه الفرص إلى استثمارات فعلية يتطلب خفض كلف الإنتاج، وتسهيل إجراءات الاستثمار، وتوفير التمويل للشركات الناشئة والصناعات الجديدة، وتطوير وإصلاح منظومة المهارات، وربط الحوافز بحجم الاستثمار والصادرات وفرص العمل، إلى جانب استقطاب استثمارات أجنبية تسهم في نقل التكنولوجيا وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية.
وبيّن المخامرة أن نجاح هذه السياسات من شأنه أن ينعكس على معدلات النمو، وزيادة الصادرات والاستثمار، وخلق وظائف نوعية، وتحسين مستويات دخل المواطنين، مشددا على أن نجاح هذه القطاعات لا ينبغي أن يقاس بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بقدرتها على الاندماج في منظومة الإنتاج، وخلق قيمة مضافة، وزيادة الصادرات بصورة مستدامة.
وشدد المخامرة على أن التحدي الأساسي أمام الأردن لم يعد يتمثل في تحديد القطاعات الواعدة، وإنما في تحويل هذه الفرص إلى إنتاج واستثمار وتصدير، والانتقال تدريجيا من اقتصاد تقوده القطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على الإنتاجية والتكنولوجيا والقيمة المضافة.