أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    24-Jul-2026

تراجع الصادرات الزراعية.. محدودية الأسواق أم ضعف تنافسية المنتج المحلي؟

 الغد-عبد الله الربيحات

 في الوقت الذي تحمّل فيه أوساط زراعية ضعف صادرات القطاع إلى محدودية الأسواق الخارجية، يرى خبراء زراعيون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في محدودية تلك الأسواق بقدر ما يكمن في تراجع القدرة التنافسية للمنتج الأردني نتيجة ارتفاع كلف الإنتاج قبل الحصاد من مياه وطاقة وعمالة ومدخلات زراعية، إضافة إلى كلف ما بعد الحصاد كالتبريد والتعبئة.
 
 
وبيّن هؤلاء الخبراء لـ"الغد" أن العديد من الدول سبقتنا في المنطقة وشمال أفريقيا في تبني التقنيات الزراعية الحديثة التي خفضت التكلفة ورفعت الإنتاجية، بينما انصب اهتمامنا في الغالب على دعم أجور النقل، رغم أن الجزء الأكبر من التكلفة يتشكل داخل المزرعة.
وقالوا إن الحل يتمثل بوضع إستراتيجية وطنية متخصصة لتنمية الصادرات الزراعية بأهداف كمية ملزمة، وتسريع توقيع البروتوكولات الصحية والفنية مع الأسواق الجديدة في آسيا وأفريقيا، إضافة إلى توفير دعم حكومي مباشر لحصول المزارعين على شهادات الجودة الدولية، والاستثمار في سلاسل التبريد ومراكز حديثة للتعبئة والفرز والتدريج، وأنظمة تتبع رقمية من الحقل إلى الميناء.
كما يتطلب الأمر، بحسبهم، تفعيل دور الملحقيات التجارية والسفارات في الترويج، وبناء علامة تجارية وطنية موحدة على غرار "Jordan Fresh"، وتشجيع الزراعة التعاقدية والإنتاج الموجّه للتصدير وفق احتياجات الأسواق، وإنشاء نافذة تمويلية لدعم مستلزمات التصدير لدى صغار المزارعين، مع ربط الحوافز الحكومية بمستويات الجودة والالتزام بالمواصفات لا بالكميات وحدها.
وأوضحوا أن نجاح الإستراتيجية لا ينبغي أن يُقاس فقط بزيادة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، وإنما بارتفاع القيمة المضافة التي تعود بالنفع على المزارع نفسه، بحيث تنعكس آثار النمو الاقتصادي على دخله ومستوى معيشته، فتظهر ثمار التنمية على أبناء القطاع قبل أن تظهر في المؤشرات الاقتصادية.
أداء غير مسبوق
خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي بيّن أن القطاع الزراعي الأردني حقق عام 2024 أداءً غير مسبوق؛ إذ تجاوزت الصادرات الزراعية حاجز 1.5 مليار دينار لأول مرة، مرتفعةً من نحو 1.1 مليار دينار عام 2023 وبنمو ناهز %39، وسجّل القطاع نمواً حقيقياً بلغ 6.9 % ليتصدر قطاعات الاقتصاد الوطني، رافعاً مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5.1 % بالأسعار الثابتة.
وأضاف الزعبي أن الصادرات الزراعية تشكل اليوم ما يقارب سُدس الصادرات الوطنية، ويعمل في القطاع نحو 3.5 % من قوة العمل، فضلاً عن عشرات الآلاف في أنشطة النقل والتعبئة والتصنيع المرتبطة به.
وتؤكد بيانات وزارة الزراعة استمرار الزخم؛ إذ ارتفعت الكميات المصدّرة في النصف الأول من العام الحالي إلى 281 ألف طن مقابل 245 ألف طن في الفترة نفسها من 2025، بزيادة 14 %، منها 197 ألف طن من الخضار و83 ألف طن من الفواكه، بحسبه.
وقال الزعبي إن المنتج الأردني يصل إلى أكثر من 100 سوق، لكن السعودية والكويت والعراق تستحوذ وحدها على نحو 62 % من الصادرات، ما يجعل القطاع رهينة تقلبات أسواق قليلة سبق أن أُغلق بعضها أو اضطرب لأسباب سياسية ولوجستية.
يُضاف إلى ذلك ارتفاع كلف النقل والشحن بعد اضطرابات البحر الأحمر، وتشدّد اشتراطات الصحة النباتية وسلامة الغذاء في الأسواق المتقدمة، ومحدودية انتشار شهادات الجودة الدولية مثل GlobalG.A.P وHACCP وISO 22000 بين المزارع الأردنية، وضعف سلاسل التبريد ومراكز الفرز والتدريج، وغياب علامة تجارية وطنية جامعة، فضلاً عن محدودية التصنيع الغذائي الذي يحوّل الفائض إلى قيمة مضافة، تبعاً للزعبي.
وقال إن كل ذلك يمثل تحديات حقيقية، خصوصاً في ظل مواجهة منافسة شرسة من المغرب ومصر وتركيا وإسبانيا وهولندا في المنتجات نفسها تقريباً، فضلاً عن أن حصة المنتجات المصنّعة من الصادرات الزراعية ما تزال متواضعة قياساً بالطازجة.
وأضاف أن المشكلة ليست في جودة المنتج، فخضار الأغوار وفواكهها، بحكم الإنتاج على مدار العام في أخفض بقعة زراعية على وجه الأرض، تتمتع بميزة موسمية نادرة، ولتمور المجهول وزيت الزيتون الأردني سمعة راسخة تنافس أسعارها أحياناً نظيراتها الإقليمية، لكن الميزة النسبية لا تتحول تلقائياً إلى ميزة تنافسية؛ فالأسواق الأوروبية والخليجية الممتازة لا تشتري الجودة الضمنية بل الجودة الموثّقة بالشهادات وأنظمة التتبع، والفجوة بين الاثنتين هي بالضبط مساحة العمل المطلوبة.
وتابع: "كما أن انخفاض استخدام بعض المبيدات مقارنة بدول منافسة يمنح المنتج الأردني نقطة انطلاق جيدة نحو الأسواق الأكثر تشدداً".
وزاد إن سدّ هذه الفجوة ليس ترفاً قطاعياً بل ضرورة اقتصادية كلية، فالعجز التجاري للمملكة تجاوز 9.6 مليار دينار عام 2024، ولا تغطي الصادرات سوى نصف المستوردات تقريباً، وكل دينار إضافي من الصادرات الزراعية يعني تحسناً في الميزان التجاري، ودخلاً أعلى للمزارعين، وفرص عمل في الأرياف والأغوار، حيث تشتد الحاجة إليها، إضافة إلى استثمارات جديدة في التصنيع الغذائي، ومساهمة مباشرة في مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي 2033 التي وضعت الزراعة عالية القيمة في صلب محركات النمو.
وقال إن التجارب الدولية تؤكد أن المسار ممكن، فالمغرب ضاعف صادراته الزراعية خلال عقد عبر الاستثمار في اللوجستيات والزراعة التعاقدية الموجهة لأوروبا. وهولندا، على صغر مساحتها، باتت ثاني أكبر مصدّر زراعي في العالم بفضل الابتكار وإدارة سلاسل القيمة، وإسبانيا بنت في ألمِريا القاحلة منظومة تعاونيات تصدير تدير الجودة والتسويق نيابة عن صغار المزارعين، وكينيا حوّلت البستنة والزهور إلى مصدر رئيسي للنقد الأجنبي عبر هيئة صحة نباتية صارمة أكسبتها ثقة الأسواق الأوروبية، وكان القاسم المشترك واحداً: الجودة الموثقة، واللوجستيات الحديثة، والتسويق المؤسسي.
حزمة متكاملة
وقال الزعبي إن المطلوب أردنياً حزمة متكاملة لا إجراءات متفرقة تبدأ بوضع إستراتيجية وطنية متخصصة لتنمية الصادرات الزراعية بأهداف كمية ملزمة، وتسريع توقيع البروتوكولات الصحية والفنية مع الأسواق الجديدة في آسيا وأفريقيا، إضافة إلى توفير دعم حكومي مباشر لحصول المزارعين على شهادات الجودة الدولية، والاستثمار في سلاسل التبريد ومراكز حديثة للتعبئة والفرز والتدريج، وأنظمة تتبع رقمية من الحقل إلى الميناء، وتفعيل دور الملحقيات التجارية والسفارات في الترويج.
وأكد ضرورة بناء علامة تجارية وطنية موحدة على غرار "Jordan Fresh"، وتشجيع الزراعة التعاقدية والإنتاج الموجّه للتصدير وفق احتياجات الأسواق، وإنشاء نافذة تمويلية لدعم مستلزمات التصدير لدى صغار المزارعين، مع ربط الحوافز الحكومية بمستويات الجودة والالتزام بالمواصفات لا بالكميات وحدها.
وأشار إلى أن عام 2024 أثبت أن الزراعة الأردنية قادرة على أن تقود النمو الوطني لا أن تتبعه، لكن استدامة هذا الدور مرهونة بتحويل الجودة من خاصية كامنة إلى ميزة موثقة ومسوّقة عالمياً، فالوصول إلى الأسواق لم يعد مجرد قضية تصدير؛ بل بات اليوم ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي، وصمام أمان للأمن الغذائي الوطني، وأحد أقصر الطرق لتحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
مكامن الخلل
من جهته، بيّن وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن التحدي الحقيقي لا يكمن في محدودية الأسواق الخارجية بقدر ما يكمن في تراجع القدرة التنافسية للمنتج الأردني نتيجة ارتفاع كلف الإنتاج قبل الحصاد، من مياه وطاقة وعمالة ومدخلات زراعية، إضافة إلى كلف ما بعد الحصاد كالتبريد والتعبئة.
وأضاف المصري إن العديد من دول المنطقة وشمال أفريقيا سبقتنا في تبني التقنيات الزراعية الحديثة التي خفضت التكلفة ورفعت الإنتاجية، بينما انصب اهتمامنا في الغالب على دعم أجور النقل، رغم أن الجزء الأكبر من التكلفة يتشكل داخل المزرعة.
وبيّن المصري أن الحل يتمثل في تسريع التحول نحو الزراعة الذكية والميكنة والتقنيات الموفرة للموارد، بما يخفض تكلفة الإنتاج، ويعيد للمنتج الأردني قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية.
وتابع: "كما أن نجاح الإستراتيجية لا ينبغي أن يُقاس فقط بزيادة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، وإنما بارتفاع القيمة المضافة التي تعود على المزارع نفسه، بحيث تنعكس آثار النمو الاقتصادي على دخله ومستوى معيشته، فتظهر ثمار التنمية على أبناء القطاع قبل أن تظهر في المؤشرات الاقتصادية".
أرقام ودلالات
بدوره، قال الباحث والخبير بالشؤون الزراعية والتنموية م. سمير سليمان، إن القطاع الزراعي يشكل أحد أهم القطاعات الإنتاجية الداعمة للاقتصاد الوطني، ليس فقط لدوره في تحقيق الأمن الغذائي، وإنما أيضاً لمساهمته المتزايدة في الصادرات الوطنية وتوفير فرص العمل وتحفيز الاستثمار، إلا أن محدودية الوصول إلى الأسواق الخارجية ما تزال تمثل أحد أبرز التحديات أمام تعظيم مساهمة هذا القطاع في النمو الاقتصادي.
وبيّن سليمان أن الأرقام تؤكد أهمية القطاع الزراعي في الاقتصاد الأردني، إذ بلغت قيمة الصادرات الزراعية نحو 1.68 مليار دينار خلال عام 2025، وهو ما يمثل حوالي 17.5 % من إجمالي الصادرات الوطنية البالغة 9.624 مليار دينار، كما وصلت المنتجات الزراعية الأردنية إلى أكثر من 112 دولة حول العالم، كذلك ارتفعت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5.4 %، فيما بلغ الناتج المحلي الزراعي بالأسعار الثابتة حوالي 2.26 مليار دينار، وهي مؤشرات تعكس المكانة المتنامية للقطاع في الاقتصاد الوطني.
وأضاف أنه رغم هذه النتائج الإيجابية، فإن استمرار النمو يواجه تحديات تتعلق بالاعتماد على عدد محدود من الأسواق، وارتفاع كلف النقل والشحن، والإغلاقات التي قد تؤثر على بعض المسارات التجارية، إلى جانب اشتراطات الجودة والصحة النباتية التي تفرضها الأسواق العالمية.
وزاد: "كما تؤدي هذه التحديات في بعض المواسم إلى تراجع القدرة على تصدير الفائض من الإنتاج، وانخفاض الأسعار في السوق المحلية، ما ينعكس على دخل المزارعين واستدامة الاستثمار الزراعي."
وقال سليمان: "من هنا، تبرز أهمية تعزيز أدوات التسويق الزراعي، وفي مقدمتها الشركة الأردنية الفلسطينية لتسويق المنتجات الزراعية، التي أُسست برأسمال 18 مليون دولار لتكون منصة لتوسيع انتشار المنتجات الأردنية والفلسطينية في الأسواق الخارجية، والمحافظة على الأسواق التقليدية، وفتح أسواق جديدة، وتطوير خدمات التعبئة والتدريج والتغليف، وتشجيع الزراعات التعاقدية، بما يعزز تنافسية المنتج الزراعي ويرفع قيمته المضافة".
وقال: "كما يتطلب تجاوز هذا التحدي مواصلة تطوير منظومة النقل والخدمات اللوجستية وسلاسل التبريد، والتوسع في التصنيع الزراعي، والالتزام بالمعايير الدولية للجودة والتتبع، وتكثيف الجهود الدبلوماسية والتجارية لفتح أسواق جديدة، مع تعزيز دور القطاع الخاص والجمعيات التعاونية في عمليات التسويق والتصدير".
وزاد إن كل سوق جديدة تُفتح أمام المنتج الزراعي الأردني تعني زيادة في الصادرات، وتدفقاً أكبر للعملات الأجنبية، وتحفيزاً للاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسيناً لدخل المزارعين، وتعزيزاً للميزان التجاري. لذلك، فإن الاستثمار في الوصول إلى الأسواق الخارجية لم يعد قضية تسويقية فحسب، بل أصبح خياراً اقتصادياً وإستراتيجياً يسهم في ترسيخ مكانة الزراعة كأحد محركات النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في الأردن.