أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    16-Mar-2026

اختبار قوة الأساسيات*عدنان أحمد يوسف

 الغد

المنامة- تمر أسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي بمرحلة اختبار حساسة في ظل التوترات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، إلا أن القراءة المتأنية لتطورات الأسواق تشير إلى أن ما يحدث لا يعكس ضعفاً في الأساسيات الاقتصادية أو المالية، بقدر ما يمثل استجابة طبيعية لموجة من عدم اليقين المؤقت الذي غالباً ما يصاحب الأزمات الإقليمية. فالأسواق المالية بطبيعتها حساسة للأحداث السياسية والأمنية، لكن التجربة الخليجية خلال العقود الماضية أظهرت أن قوة المراكز المالية الحكومية وعمق النظام المالي يشكلان عنصر التوازن الرئيسي في مواجهة مثل هذه الصدمات.
 
 
في الأيام الأولى للتصعيد، ظهرت ردة فعل سريعة من المستثمرين تمثلت في موجة بيع أولية في بعض الأسواق، وهو سلوك مألوف في أوقات الأزمات؛ حيث يسعى المستثمرون إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، إلا أن هذه التراجعات بقيت ضمن نطاق محدود نسبياً مقارنة بما قد تشهده أسواق أخرى في ظروف مشابهة. فقد أظهرت المؤشرات الرئيسية في المنطقة قدرة على الاستقرار بعد الهبوط الأولي، ما يعكس انتقال المستثمرين سريعاً من رد الفعل العاطفي إلى التقييم الأكثر عقلانية للأصول والقطاعات.
التباين في أداء الأسواق الخليجية خلال هذه الفترة يعكس في المقام الأول اختلاف توقيت التداول والقرارات التنظيمية في كل دولة، وليس اختلافاً جوهرياً في قوة الاقتصاد. فبعض الأسواق فضلت تعليق التداول أو إغلاقه المؤقت لامتصاص الصدمة ومنع تقلبات حادة قد تؤثر في ثقة المستثمرين أو سيولة السوق. هذه الإجراءات التنظيمية ليست جديدة في الأسواق العالمية، بل تعد أداة احترازية تهدف إلى حماية الاستقرار المالي ومنح المستثمرين فرصة لإعادة تقييم التطورات بعيداً عن الضغوط اللحظية.
ورغم الضغوط المؤقتة، فإن الأساسيات الاقتصادية والمالية في دول مجلس التعاون ما تزال قوية وصحية إلى حد كبير. فاقتصادات المنطقة تستند إلى احتياطيات مالية ضخمة، إضافة إلى صناديق ثروة سيادية تعد من بين الأكبر في العالم، وتقدَّر أصولها مجتمعة بتريليونات الدولارات. هذه الموارد تمنح الحكومات الخليجية قدرة واضحة على التدخل عند الحاجة لدعم الاستقرار الاقتصادي أو المالي، سواء عبر السياسات المالية أو عبر أدوات السيولة في النظام المصرفي.
كما أن العلاقة التاريخية بين التوترات الجيوسياسية وأسعار النفط تلعب دوراً مهماً في موازنة المخاطر. ففي كثير من الحالات، يؤدي ارتفاع مستوى المخاطر في المنطقة إلى دعم أسعار الطاقة أو على الأقل إبقائها عند مستويات مرتفعة نسبياً، وهو ما يعزز الإيرادات الحكومية في الدول المنتجة للنفط. هذه الإيرادات تمثل بدورها وسادة مالية مهمة تساعد على تخفيف انتقال الصدمات إلى الاقتصاد الحقيقي، سواء عبر استمرار الإنفاق الحكومي أو عبر دعم النشاط الاقتصادي عند الحاجة.
إلى جانب ذلك، يتمتع القطاع المصرفي الخليجي بدرجة عالية من المتانة والرسملة القوية، وهو ما يشكل خط دفاع إضافياً لاستقرار الأسواق. فالبنوك في المنطقة تخضع لأطر تنظيمية ورقابية متقدمة، وتتمتع بمستويات سيولة مرتفعة ونسب كفاية رأسمال تفوق في كثير من الأحيان المتطلبات الدولية. هذه العوامل تضمن استمرار تدفق التمويل إلى الاقتصاد حتى في فترات التقلبات، وتحد من احتمالات انتقال الضغوط المالية إلى القطاعات الاقتصادية المختلفة.
كما أن الخبرة التي اكتسبتها الحكومات الخليجية في إدارة الأزمات الاقتصادية خلال الأعوام الماضية تعزز الثقة في قدرتها على التعامل مع التطورات الحالية. فقد نجحت دول المنطقة في احتواء تداعيات الأزمة المالية العالمية العام 2008، كما أظهرت مرونة ملحوظة خلال جائحة كورونا، حيث لعبت السياسات المالية الداعمة والسيولة المصرفية دوراً محورياً في الحفاظ على استقرار الاقتصاد والنشاط التجاري. واليوم، تبدو نقطة الانطلاق أقوى من كثير من الفترات السابقة، سواء من حيث مستويات الاحتياطيات المالية أو من حيث جاهزية المؤسسات الاقتصادية والمالية.
وفي ضوء هذه المعطيات، من المرجح أن تبقى التقلبات الحالية مرتبطة بمسار التطورات الجيوسياسية ومدة استمرارها. فإذا بقيت التوترات ضمن نطاق زمني محدود، فإن الأسواق قد تشهد عودة تدريجية إلى الاستقرار مع انحسار حالة عدم اليقين. أما في حال استمرار الضغوط لفترة أطول، فإن قدرة الحكومات الخليجية على التدخل عبر أدواتها المالية والنقدية ستبقى عاملاً حاسماً في الحفاظ على استقرار الأسواق.
بعبارة أخرى، لا تواجه أسواق الخليج أزمة ثقة بقدر ما تمر بمرحلة اختبار للمخاطر. وفي ظل قوة الأساسيات الاقتصادية والمالية، ووفرة الاحتياطيات والسيولة، فإن هذه الأسواق تمتلك من مقومات الاستقرار، ما يسمح لها بامتصاص الصدمات المؤقتة والاستمرار في أداء دورها كمحرك أساسي للنشاط الاقتصادي والاستثماري في المنطقة.