الحوكمة.. رصيد جديد لمسار الإصلاح الاقتصادي
خبراء: تحسن المؤشرات يعزز البيئة المؤسسية والاستثمارية والمطلوب تحويل النتائج إلى أثر ملموس في الاقتصاد
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
تعزز المؤشرات الإيجابية التي سجلها الأردن في مؤشرات الحوكمة العالمية رصيده المؤسسي، وتوفر أرضية داعمة لمواصلة الإصلاح الاقتصادي والإداري، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قدرة المملكة على تحويل هذا التقدم إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد الحقيقي، تنعكس على الاستثمار والإنتاجية والنمو وفرص العمل.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تحسن نتائج الأردن في عدد من أبعاد الحوكمة، ولا سيما جودة التنظيم وفاعلية الحكومة والسيطرة على الفساد، يعكس تقدما في البيئة المؤسسية والتنظيمية، ويعزز مقومات الثقة بالاقتصاد الوطني، بما يمكن أن يسهم في تحسين بيئة الأعمال وخفض كلف ممارسة النشاط الاقتصادي، إذا ما اقترن بإجراءات تنفيذية واضحة ومستدامة.
وأكدوا، في تصريحات لـ"الغد"، أن الأهمية الحقيقية لهذه النتائج لا تقتصر على تحسن الدرجات أو الترتيب في التقييمات الدولية، بل تتمثل في قدرة المؤسسات العامة على البناء عليها، من خلال تبسيط الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، بما يوفر بيئة أكثر استقرارا ووضوحا أمام المستثمرين والشركات والمواطنين.
وشددوا على أن المرحلة المقبلة تتطلب ربط الإصلاح المؤسسي بمؤشرات اقتصادية قابلة للقياس، تشمل حجم الاستثمار الخاص، والصادرات، وإنتاجية الشركات، وتأسيس المشروعات الجديدة، وفرص العمل المستحدثة، بما يضمن انتقال أثر الإصلاح من المؤشرات الدولية إلى النشاط الاقتصادي ومستويات معيشة المواطنين.
الأردن يتقدم في ثلاثة مؤشرات رئيسة
وأظهر إصدار مؤشرات الحوكمة العالمية (WGI) لعام 2026، الصادر عن البنك الدولي، تحسنا في نتائج الأردن في عدد من أبعاد الحوكمة، مع احتفاظ المملكة بمواقع متقدمة نسبيا على المستوى العربي في بعض المؤشرات.
ويغطي الإصدار نتائج نحو 200 اقتصاد حول العالم عن عام 2025، استنادا إلى ستة أبعاد رئيسة، هي: الصوت والمساءلة، والاستقرار السياسي، وفاعلية الحكومة، وجودة التنظيم، وسيادة القانون، والسيطرة على الفساد. وتعتمد المؤشرات على بيانات 35 مصدرا دوليا، تشمل استطلاعات للأسر والشركات وتقييمات للخبراء.
وسجل الأردن أبرز تحسن في مؤشر جودة التنظيم، إذ ارتفعت نتيجته إلى 61.2 نقطة في عام 2025، مقارنة مع 59.9 نقطة في عام 2024، بزيادة بلغت 1.3 نقطة، ليحتل المرتبة 72 عالميا والسابعة عربيا. كما ارتفع مؤشر السيطرة على الفساد إلى 54.2 نقطة، مقابل 53.6 نقطة في العام السابق، بزيادة قدرها 0.6 نقطة، ليحل الأردن في المرتبة 78 عالميا والخامسة عربيا.
وفي مؤشر فاعلية الحكومة، تحسنت النتيجة إلى 54.6 نقطة، مقارنة مع 54.3 نقطة في عام 2024، ليحتل الأردن المرتبة 102 عالميا والسابعة عربيا.
أما مؤشر الصوت والمساءلة، فسجل ارتفاعا طفيفا إلى 44 نقطة، مقابل 43.9 نقطة في العام السابق، ليحل الأردن في المرتبة 140 عالميا والثالثة عربيا.
في المقابل، بقيت نتائج مؤشري سيادة القانون والاستقرار السياسي قريبة من مستوياتها السابقة؛ إذ سجل الأردن 61.8 نقطة في سيادة القانون، مقابل 61.9 نقطة في عام 2024، فيما بلغ مؤشر الاستقرار السياسي 60.1 نقطة، مسجلا استقرارا نسبيا مقارنة بالعام السابق.
وتوفر هذه النتائج قراءة لموقع الأردن في البيئة المؤسسية والتنظيمية مقارنة بالاقتصادات الأخرى، إلا أن دلالاتها الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انعكاسها على كفاءة الإدارة العامة، ووضوح التشريعات، وسهولة ممارسة الأعمال، وقدرة المؤسسات على تنفيذ السياسات والبرامج الاقتصادية.
"رأس المال المؤسسي".. رافعة لجذب الاستثمار
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن نتائج مؤشرات الحوكمة العالمية لعام 2025 تمثل إشارة إيجابية إلى التحسن التدريجي في البيئة المؤسسية والتنظيمية في الأردن، خصوصا في مجالات جودة التنظيم وفاعلية الحكومة والسيطرة على الفساد، مؤكدا أن القيمة الحقيقية لهذا التقدم تكمن في القدرة على تحويله إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
وأوضح عايش أن قراءة النتائج ينبغي أن تأخذ في الاعتبار الظروف الإقليمية والعالمية، إذ إنها تعكس، برأيه، قدرا من الصمود المؤسسي والاقتصادي، لكنها لا تعني اكتمال مسار الإصلاح، بل توفر قاعدة يمكن البناء عليها لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وبين أن تحسن جودة التنظيم يمكن أن يدعم مرونة البيئة التشريعية والإجرائية، ويسهل ممارسة الأعمال والاستثمار، ويحد من التعقيدات البيروقراطية، بما يقلل المخاطر التي تواجه الشركات والمستثمرين، ويعزز فرص التوسع، ولا سيما في القطاعات الإنتاجية والتصديرية.
وأضاف أن التحسن في مؤشر السيطرة على الفساد يرتبط، من حيث الدلالة، بتعزيز الثقة بنزاهة المؤسسات، والحد من المخاطر والتكاليف غير الرسمية، فيما يعكس تحسن فاعلية الحكومة قدرة أكبر على تنفيذ السياسات وتقديم الخدمات وتحويل القرارات إلى نتائج عملية. وأشار عايش إلى أن اجتماع التحسن في هذه الأبعاد الثلاثة يوفر عناصر أساسية لدعم بيئة الأعمال، ويمكن أن يسهم في تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتحسين فرص حصول المشروعات على التمويل، وتعزيز قدرة الحكومة على تنفيذ المشاريع الكبرى وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص. وأكد أن هذه العوامل يفترض أن تنعكس في نهاية المطاف على النمو الاقتصادي والإنتاجية وفرص العمل، لافتا إلى أن الحوكمة الجيدة تشكل ما يمكن وصفه بـ"رأس المال المؤسسي للأردن"، الذي يعزز قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار وتحقيق معدلات نمو أعلى.
وشدد على ضرورة قياس أثر الإصلاح من خلال مؤشرات اقتصادية واضحة، تشمل حجم الاستثمار الخاص، والصادرات، وإنتاجية الشركات، وعدد الشركات الجديدة، وفرص العمل المستحدثة، حتى لا تبقى النتائج الإيجابية محصورة في التقييمات الدولية، بل تتحول إلى قيمة مضافة للاقتصاد الحقيقي.
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي أحمد عوض أن تحسن موقع الأردن في عدد من مؤشرات الحوكمة العالمية يمثل إشارة إيجابية، خصوصا في جودة التنظيم وفاعلية الحكومة والسيطرة على الفساد، وهي مجالات ترتبط مباشرة بقدرة المؤسسات العامة على تنفيذ السياسات وتوفير بيئة مستقرة وواضحة للنشاط الاقتصادي.
وأوضح عوض أن تحسن الحوكمة يمكن أن يعزز ثقة المستثمرين والمواطنين، ويقلل المخاطر والكلف المرتبطة بالغموض التنظيمي والتفاوت في تطبيق الإجراءات، مبينا أن وضوح القواعد، وتسريع الخدمات الحكومية، وتعزيز عدالة المنافسة، عوامل تساعد المشروعات على التوسع وتدعم استقطاب الاستثمارات وتوليد الوظائف.
لكنه شدد على أن العوائد الاقتصادية والاجتماعية لا تتحقق بمجرد ارتفاع التقييمات الدولية، وإنما عندما يلمس أصحاب الأعمال والعاملون والمواطنون تحسنا فعليا في المعاملات والخدمات والدخول، بما يستدعي ربط الإصلاح المؤسسي بتحسين بيئة الإنتاج، وتوسيع فرص العمل اللائقة، وضمان استفادة مختلف المحافظات والفئات من النشاط الاقتصادي.
ودعا عوض إلى تبسيط إجراءات تسجيل الشركات وترخيصها، وتقليص الموافقات المتكررة، وتحديد مدد زمنية واضحة لإنجاز المعاملات، ومعالجة تداخل الصلاحيات بين الجهات الرسمية، إلى جانب تعزيز شفافية القرارات والمشتريات العامة وتوفير آليات فعالة للاعتراض ومعالجة الشكاوى.
كما أكد أهمية توفير بيئة تنظيمية أكثر ملاءمة للمؤسسات الاجتماعية والتعاونيات والمؤسسات غير الربحية، وتسهيل وصولها إلى التمويل وممارسة أنشطتها، لما يمكن أن تؤديه من دور في سد فجوات الخدمات، وتوليد فرص العمل، وتنشيط الاقتصادات المحلية. وأشار إلى أهمية تعزيز الحوار بين القطاع الخاص والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، ومراجعة أثر التشريعات قبل إقرارها وبعد تطبيقها، بما يساعد على معالجة العوائق الفعلية وتوزيع كلف الإصلاح ومنافعه بصورة أكثر عدالة.
واعتبر عوض أن الاختبار العملي لتحسن الحوكمة يتمثل في انخفاض الوقت والكلفة اللازمين لإنجاز المعاملات، وارتفاع جودة الخدمات، وتعزيز عدالة تطبيق القانون، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، وهي نتائج من شأنها تحويل التحسن المؤسسي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة.
الحوكمة تعزز الثقة بالاقتصاد والتمويل
بدوره، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن مؤشرات الحوكمة تعد من الأدوات المهمة في تقييم مدى جدية الحكومات في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية وتنفيذ السياسات، لما لذلك من انعكاسات محتملة على النمو والتدفقات الاستثمارية واستقرار المؤشرات الاقتصادية.
واعتبر أن تقدم الأردن في عدد من هذه المؤشرات يعكس جهودا لتعزيز المحاسبة والمساءلة في القطاع العام، ومتابعة تنفيذ البرامج والمشروعات وفق أسس واضحة، وترسيخ النزاهة والشفافية في عرض البيانات، إلى جانب متابعة أوجه الفساد ومحاسبة مرتكبيه. وأوضح دية أن تحسن الحوكمة يدعم البيئة الاستثمارية، ويعزز قدرة الأردن على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، ويوفر بيئة أكثر ملاءمة لتنفيذ المشروعات والإصلاحات، بما يسهم في ترسيخ صورة المملكة باعتبارها اقتصادا يتمتع بقدر من الاستقرار والقدرة على التعامل مع التحديات والمخاطر.
وأضاف أن الالتزام بتطبيق القوانين والأنظمة وتعزيز الرقابة والمساءلة يمكن أن يرفع مستوى ثقة المستثمرين، كما يعزز قدرة المملكة على بناء علاقات أكثر متانة مع الدول المانحة والمقرضة والمؤسسات المالية الدولية، بما قد يدعم فرص الحصول على التمويل والمساندة المالية، وينعكس إيجابا على تقييم المخاطر الائتمانية، وإن كانت هذه التقييمات تخضع لعوامل اقتصادية ومالية أخرى أيضا. وأشار دية إلى أن تفعيل مبادئ الحوكمة، بما يشمل الرقابة والشفافية ومكافحة الفساد وتحسين التنظيم الإداري، من شأنه دعم الاستثمار والإنتاج والصادرات والنمو، مع إمكانية انعكاس ذلك على سوق العمل ومعدلات البطالة إذا اقترن بسياسات اقتصادية فعالة.
وشدد على ضرورة تعزيز أدوار المؤسسات الرقابية داخل الجهات الحكومية، ومتابعة مدى الالتزام بأنظمة الحوكمة، وتقييم أداء المؤسسات، إلى جانب تطوير آليات التحفيز للمؤسسات التي تحقق مستويات أفضل في تطبيق مبادئها.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة التقدم في مختلف أبعاد الحوكمة، وعدم الاكتفاء بالتحسن المسجل في بعض المؤشرات، بما يعزز مكانة الأردن عربيا ودوليا، ويرفع مستوى الثقة بالاقتصاد الوطني.
رغم الدلالات الإيجابية للتقدم الذي حققه الأردن في بعض أبعاد الحوكمة، فإن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذا التقدم إلى إصلاحات إجرائية وتنظيمية يشعر بها المستثمرون والشركات والمواطنون، وتنعكس على كلفة ممارسة الأعمال وسرعة تقديم الخدمات وكفاءة الإنفاق العام.
ويقتضي ذلك مواصلة تبسيط الإجراءات الحكومية، وتقليل البيروقراطية، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان استقرار التشريعات والقرارات الاقتصادية، إلى جانب تقييم أثر الإصلاحات بصورة دورية وفق مؤشرات واضحة وقابلة للقياس.
وفي المحصلة، يشكل تحسن الحوكمة رصيدا مؤسسيا مهما للاقتصاد الأردني، لكنه لا يمثل بحد ذاته ضمانة لارتفاع الاستثمار أو تسارع النمو. فالعائد الحقيقي يتوقف على قدرة المؤسسات على ترجمة هذا الرصيد إلى بيئة أعمال أكثر تنافسية، ومشروعات إنتاجية أوسع، وفرص عمل مستدامة، بما يجعل الإصلاح المؤسسي رافعة فعلية للتنمية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة.