أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    17-Sep-2026

هروب عاملات المنازل.. بين إغراء الأجر الأعلى وثغرات نظام الكفالة

 الغد-هبة العيساوي

 لا تعود ظاهرة هروب عاملات المنازل في الأردن إلى سبب واحد، إذ تتداخل فيها عوامل اقتصادية وقانونية واجتماعية، تبدأ من ظروف العمل والأجور وآليات الاستقدام، وتمتد إلى نظام الكفالة وصعوبة الانتقال بين أصحاب العمل، إلى جانب وجود وسطاء وشبكات غير مرخصة تستغل حاجة بعض العاملات إلى أجور أعلى.
 
 
وبينما يشير قطاع مكاتب الاستقدام إلى أن نسبة الهروب لا تتجاوز 1 % إلى 2 %، يرى مختصون أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على تشديد الرقابة والعقوبات، وإنما تتطلب إصلاحا أوسع لمنظومة العمل المنزلي، يضمن حقوق العاملات وأصحاب العمل معا، ويوفر قنوات آمنة للشكوى وتسوية النزاعات، ويحد من سوق العمل غير النظامية.
الحصول على راتب أعلى
وتروي ليلى الخطيب، وهي ربة منزل وأم لطفلين تقيم في منطقة الصويفية، تجربة هروب عاملة منزلية من الجنسية النيبالية، في واقعة تقول إنها شكلت لها مفاجأة، لا سيما أنها كانت حريصة على معاملتها بصورة جيدة.
وقالت إنها اكتشفت هروب العاملة بعدما غادرت المنزل دون إبلاغها، وأخذت معها جواز سفرها، لتبادر على الفور إلى إبلاغ مكتب الاستقدام، كما تقدمت بشكوى لدى وزارة العمل.
وأضافت أن وزارة العمل تواصلت بدورها مع السفارة المعنية لمتابعة القضية، إلى أن تم العثور على العاملة، حيث جرى بحث إعادتها إلى منزل الخطيب، إلا أن الأخيرة رفضت عودتها بعد ما حدث.
وبحسب الخطيب، أوضحت العاملة بعد العثور عليها أنها قررت ترك المنزل بعدما أقنعتها إحدى صديقاتها بالعمل في صالون في منطقة غرب عمان، مقابل الحصول على راتب أعلى مما كانت تتقاضاه لدى الأسرة.
وتشير إلى أن العاملة كانت على تواصل مع عدد من صديقاتها، الأمر الذي دفعها إلى التساؤل عن الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه العلاقات في تشجيع بعض العاملات على ترك أصحاب العمل والانتقال إلى وظائف أخرى.
ضبط 56 عاملة منزل
وفي إطار جهود وزارة العمل للحد من ظاهرة هروب عاملات المنازل، أعلنت الوزارة في بيان سابق ضبط 4 حافلات على طريق المطار كانت تقل نحو 200 عاملة منزل، تبين أن 56 منهن مسجل بحقهن بلاغات هروب وقضايا أخرى، وقالت الوزارة إن عملية الضبط جاءت بعد معلومات عن تجمع العاملات للتوجه في رحلة خارج العاصمة، حيث جرى إيداع العاملات المسجل بحقهن بلاغات هروب في المراكز الأمنية.
وأشارت الوزارة إلى أن خطتها للتعامل مع ملف العاملات الهاربات تشمل التفتيش على أماكن سكنهن، وملاحقة من يساعدهن على الهروب أو يشغلهن بصورة مخالفة لقانونَي العمل والإقامة، ومتابعة منصات التواصل الاجتماعي التي تروج لهذه الممارسات.
وحذرت المواطنين من تشغيل العاملات الهاربات أو التعامل معهن، داعية إلى الإبلاغ عن تشغيل العمالة المنزلية الأجنبية بصورة مخالفة.
أسباب متعددة
من جانبه، قال نقيب أصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل طارق النوتي، إن هروب عاملات المنازل في الأردن لا يرتبط بسبب محدد، وإنما تقف وراءه أسباب متعددة، بعضها يتعلق بالعاملة نفسها، وبعضها الآخر بصاحب العمل وظروف العمل.
وأضاف أن من بين أسباب هروب بعض العاملات تعرضهن للتغرير من أشخاص وسماسرة، أو من عاملات من الجنسية نفسها سبق لهن الهروب والعمل خارج إطار القانون، موضحا أن بعض هؤلاء يتواصلن مع العاملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويغرينهن بترك العمل مقابل الحصول على راتب أعلى وحرية أكبر.
وأشار إلى أن بعض العاملات الهاربات ينتقلن للعمل في المطاعم أو أماكن أخرى بصورة مخالفة للقانون، لافتا إلى أن التغرير قد يتم عبر إقناع العاملة بأن راتبها خارج المنزل سيكون ضعف ما تتقاضاه، إلى جانب منحها ما يوصف بأنه "حرية أكبر" في العمل.
وأوضح أن هروب العاملة لا يحدث بالضرورة خلال الأشهر الأولى من استقدامها، إذ يمكن أن يحدث بعد سنة أو سنة ونصف أو سنتين، وحتى بعد أربع سنوات من العمل لدى صاحب المنزل.
وقال إن بعض العاملات يغادرن المنزل ويتوجهن إلى مكتب الاستقدام أو مركز أمني أو سفارة بلدهن لتقديم شكاوى تتعلق بعدم دفع الأجر الشهري أو وجود أجور متراكمة، مشيرا إلى أن المكاتب ترد إليها شكاوى من عاملات بشأن عدم دفع مستحقاتهن لفترات قد تصل إلى سنة أو سنة ونصف أو سنتين، إضافة إلى شكاوى تتعلق بسوء المعاملة.
وأضاف أن هناك، في المقابل، دعاوى تقام ضد العاملات، ومن بينها قضايا سرقة، مبينا أن النقابة ترى في كثير من الحالات أن هذه الدعاوى قد تكون كيدية، لا سيما عندما لا تتوافر أدلة على ارتكاب العاملة للسرقة، بالتزامن مع وجود مطالبات مالية لها بحق صاحب العمل.
وأشار إلى ورود حالات أقيمت فيها دعاوى سرقة ضد عاملات بعد مغادرتهن المنزل بفترات طويلة، وصلت في بعض الحالات إلى سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات من العمل لدى صاحب المنزل.
وأكد أن نسبة هروب عاملات المنازل ليست مرتفعة كما يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مبينا أن النسبة لا تتجاوز، وفق تقديرات القطاع، بين 1 % و2 %، وأنها بقيت ضمن هذه الحدود منذ سنوات وحتى الآن.
وأوضح أنه لا توجد جنسية محددة يمكن القول إنها تسجل معدلات هروب أعلى من غيرها، لكن بطبيعة الحال فإن الجنسيات الأكثر طلبا واستقداما إلى الأردن يكون لديها عدد حالات هروب أعلى من الجنسيات الأقل استقداما، وذلك نتيجة ارتفاع أعدادها في المملكة.
وبين أن كفالة مكتب الاستقدام تمتد لمدة 90 يوما من تاريخ دخول العاملة إلى المملكة، وفي حال هروب العاملة خلال هذه المدة، يلتزم مكتب الاستقدام باستبدالها بعاملة أخرى، من دون تحميل صاحب العمل أي تكاليف إضافية.
هروب 1,394 عاملة خلال عام 2025
وبحسب وزارة العمل، رصدت الوزارة هروب 1,212 عاملة منزل من أماكن عملهن منذ بداية عام 2026، مقارنة بـ1,394 عاملة خلال عام 2025، بمعدل بلغ نحو 116 حالة شهريا.
وقال مدير مديرية العاملين في المنازل في الوزارة عافت النعيمات، إن الوزارة بدأت بحث أسباب ترك العاملات أماكن عملهن دون إبلاغ أصحابها، فيما ضبط مفتشو العمل عددا من العاملات الهاربات خلال جولات تفتيشية في مناطق سكنية.
تداخل لعدة عوامل
بدورها، قالت مديرة "تمكين" للحماية والمساعدة القانونية ليندا كلش، إن ظاهرة هروب عاملات المنازل لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مخالفة من جانب العاملة فقط، وإنما هي نتيجة لتداخل مجموعة من العوامل المرتبطة بظروف العمل وآليات الاستقدام والحماية القانونية والاجتماعية.
وأضافت أن من أبرز هذه العوامل طبيعة العمل المنزلي نفسه، الذي يجري داخل فضاء خاص يصعب الوصول إليه رقابيا، ما قد يجعل بعض العاملات عرضة لساعات عمل طويلة، أو عدم الحصول على فترات الراحة والإجازات، أو تأخر الأجور وعدم دفعها، أو تقييد الحركة والتواصل، فضلا عن احتمالات التعرض للإساءة اللفظية أو الجسدية أو النفسية.
وأوضحت أن ارتفاع كلفة الاستقدام قد يضع العاملة منذ البداية في وضع اقتصادي هش، خصوصا عندما تكون قد تحملت ديونا أو التزامات مالية في بلدها مقابل فرصة العمل في الأردن، مشيرة إلى أن أي فجوة بين ما تم إبلاغها به قبل الوصول وما تجده فعليا من حيث الأجر أو طبيعة المهام أو ساعات العمل يمكن أن تتحول إلى أزمة حقيقية بالنسبة لها.
وأضافت أنه لا يمكن فصل الظاهرة عن آلية الاستقدام والتعاقد، إذ قد لا تحصل العاملة في بعض الحالات على معلومات واضحة وكاملة قبل وصولها حول طبيعة العمل وشروطه وحقوقها، أو قد تختلف الشروط الفعلية عن تلك التي جرى الاتفاق عليها.
وأشارت إلى أن اعتماد العاملة على صاحب العمل أو جهات وسيطة في بعض الإجراءات المتعلقة بالإقامة وتصويب الوضع القانوني قد يزيد من درجة تبعيتها ويحد من قدرتها على الوصول إلى بدائل آمنة عندما تتعرض لانتهاك.
وأكدت أن معالجة الظاهرة تبدأ من منع الانتهاك قبل وقوعه، وليس فقط التعامل مع العاملة بعد مغادرتها مكان العمل، موضحة أنه كلما كانت شروط العمل واضحة، والأجر مضمونا، وساعات العمل والراحة محددة، وآليات الشكوى فعالة وآمنة، وأمكن للعاملات الوصول إلى الحماية والمساعدة القانونية دون خوف من فقدان وضعهن القانوني، قلت احتمالات وصول العلاقة العمالية إلى مرحلة الهروب.
وقالت إن تشديد الرقابة والعقوبات وحده لن يعالج ظاهرة هروب عاملات المنازل، لأن العقوبة تتعامل غالبا مع النتيجة وليس مع الأسباب التي دفعت العاملة إلى مغادرة مكان العمل.
وأضافت أن المطلوب هو الانتقال من مقاربة تركز على ضبط العاملات بعد هروبهن إلى مقاربة متكاملة تقوم على الوقاية والحماية والوصول إلى العدالة.
وبينت أن الأولوية الأولى تتمثل في ضمان شروط عمل لائقة وقابلة للإنفاذ، بما يشمل دفع الأجر في موعده وبالكامل، وتنظيم ساعات العمل وفترات الراحة والإجازات، وضمان حق العاملة في الاحتفاظ بوثائقها الشخصية والتواصل مع أسرتها، ومنع أي شكل من أشكال العنف أو الاستغلال أو العمل القسري.
وأوضحت أن الأولوية الثانية تتعلق بإصلاح منظومة الاستقدام، عبر تعزيز الشفافية في العقود والعمولات، وضمان معرفة العاملة قبل مغادرتها بلدها طبيعة العمل والأجر وساعات العمل وحقوقها، إلى جانب مساءلة الوسطاء وأصحاب العمل عند وجود تضليل أو استغلال أو إخلال بالشروط المتفق عليها.
وأكدت أن وجود آلية شكوى مستقلة وسريعة وآمنة يعد من أهم الإصلاحات، موضحة أن العاملة التي تتعرض لانتهاك يجب أن تتمكن من طلب المساعدة دون أن يتحول تقديم الشكوى بحد ذاته إلى سبب لفقدان الإقامة أو التعرض للتوقيف أو التسفير.
ولفتت إلى ضرورة توفير قنوات متعددة للوصول إلى الشكوى والمساعدة القانونية، مع توفير الترجمة والدعم المناسبين، إلى جانب تعزيز التفتيش والرقابة على العمل المنزلي بطريقة تراعي خصوصية المنزل، ولكن دون أن تتحول الخصوصية إلى ثغرة تمنع اكتشاف الانتهاكات.
وأشارت إلى أن الرقابة يجب أن تقوم على تقييم المخاطر وآليات واضحة للتدخل عند وجود مؤشرات على الاستغلال أو الإساءة، مؤكدة في المقابل أهمية مساءلة أصحاب العمل والوسطاء عند ارتكاب المخالفات، لأن حماية حقوق العاملات لا تتحقق إذا كانت المسؤولية القانونية تقع عمليا على العاملة وحدها.
وخلصت إلى أن الإصلاح المطلوب لا يتمثل في الاختيار بين العقوبة وتحسين ظروف العمل، وإنما في بناء منظومة تجعل الوقاية والحماية والمساءلة متكاملة، عبر استقدام أكثر شفافية، وعقود واضحة، وأجور وشروط عمل لائقة، ورقابة فعالة، وقنوات شكوى آمنة، ومساعدة قانونية، ومساءلة فعلية عن الانتهاكات.
وقالت إن معرفة العاملة بوجود طريق قانوني وآمن للخروج من علاقة عمل مسيئة يجعل مغادرة مكان العمل بشكل غير نظامي أقل احتمالا، ويجعل الحماية أكثر فاعلية من مجرد تشديد العقوبات.
إصلاح نظام الكفالة
من جانبه، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، إنه لا يمكن معالجة ظاهرة ترك عاملات المنازل لأصحاب العمل في الأردن عبر تشديد الرقابة والعقوبات فقط، لأن جانبا مهما من المشكلة يرتبط بنظام الكفالة نفسه، الذي يربط الوضع القانوني للعاملة بصاحب عمل محدد، ويجعل انتقالها إلى صاحب عمل آخر مسارا معقدا، حتى عندما تصبح علاقة العمل غير قابلة للاستمرار.
وأضاف أن إصلاح نظام الكفالة أصبح ضرورة لتنظيم قطاع العمل المنزلي وحماية حقوق جميع الأطراف، موضحا أن المطلوب هو الانتقال إلى نموذج يسمح للعاملة بالانتقال بصورة قانونية إلى صاحب عمل آخر في القطاع نفسه، وفق إجراءات واضحة ومحددة زمنيا، ومن دون أن يتوقف ذلك بصورة مطلقة على موافقة صاحب العمل، مع ضمان تسوية الحقوق والالتزامات المالية والتعاقدية للطرفين.
وأشار إلى أن نظام المبيت في منزل صاحب العمل يحتاج أيضا إلى مراجعة وتنظيم أكثر دقة، مبينا أن الجمع بين مكان العمل ومكان الإقامة غالبا ما يؤدي إلى تداخل ساعات العمل والراحة، والحد من الخصوصية والحركة، خصوصا في ظل ضعف القدرة على الرقابة على ظروف العمل داخل المنازل.
وأكد أن ذلك لا يعني أن جميع حالات ترك العمل ناتجة عن انتهاكات، إذ توجد عاملات ينتقلن إلى العمل غير النظامي بحثا عن أجور أعلى، كما توجد شبكات ووسطاء غير مرخصين يشجعون بعض العاملات على ترك أصحاب العمل وتشغيلهن بصورة مخالفة للقانون، مشددا على أن هذه الممارسات تتطلب رقابة صارمة ومساءلة واضحة.
وقال إن الإصلاح المطلوب يجب أن يجمع بين إصلاح نظام الكفالة باتجاه علاقة تعاقدية واضحة يمتلك فيها الطرفان حقوقا والتزامات متوازنة، وتسهيل الانتقال القانوني بين أصحاب العمل، وتحسين شروط العمل والأجور، وتعزيز آليات الشكوى وتسوية النزاعات، وتنظيم المبيت والعمل داخل المنازل، إلى جانب ملاحقة الوسطاء غير المرخصين.
وأضاف أن كلما أصبح نظام العمل أكثر مرونة وقدرة على إنفاذ حقوق العاملات وأصحاب العمل معا، تراجعت حالات ترك العمل بصورة غير نظامية، وتقلصت السوق الموازية التي تستفيد من الثغرات القائمة حاليا.