الغد- صابرين الطعيمات
جرش - تواجه مزارع الدواجن في محافظة جرش شبح التعرض لخسائر مباشرة، مع ارتفاع سعر طن الأعلاف بقيمة تتراوح بين 50 و60 دينارا، ما رفع كلفة الدورة الإنتاجية الواحدة بين 2000 و2300 دينار لكل مزرعة.
وفي المقابل، تتراجع أسعار الدواجن في السوق المحلي تحت ضغط وفرة الإنتاج، لتتسع الفجوة بين كلفة التربية وسعر البيع، ويجد المربون أنفسهم مضطرين للاستمرار في الإنتاج رغم الخسارة.
هذه المعادلة القاسية لم تعد مجرد أرقام على الورق، بل أصبحت واقعا يوميا يعيشه مربو الدواجن في جرش، حيث تتزايد الضغوط المالية مع كل دورة إنتاج، من دون وجود مؤشرات واضحة على انفراج قريب. فارتفاع كلفة الأعلاف، التي تشكل العنصر الأساسي في عملية التربية، يضع المربين أمام تحد حقيقي في ظل غياب التوازن في السوق.
وبحسب أصحاب مزارع في المنطقة، فإن كل مزرعة تحتاج إلى نحو 50 طنا من الأعلاف شهريا، ما يعني أن الزيادة الأخيرة، البالغة بين 50 و60 دينارا للطن الواحد، تترجم إلى عبء إضافي يصل إلى 2500 دينار شهريا خلال الدورة الإنتاجية الواحدة. وهذه الأرقام، بالنسبة لمزارع تعمل بهوامش ربح محدودة، تعني عمليا الدخول في دائرة الخسارة.
ورغم أن الأعلاف تمثل العبء الأكبر، إلا أنهم يشيرون إلى وجود كلف أخرى لا تقل أهمية، مثل أجور العمال، وفواتير الكهرباء والمياه، والأدوية البيطرية، وتكاليف النقل. ومع ارتفاع مجمل هذه التكاليف، تصبح عملية التربية أكثر تعقيدا، خاصة في ظل غياب دعم مباشر أو غير مباشر للقطاع.
وأكدوا أن أي زيادة في عنصر واحد من عناصر الإنتاج، خصوصا الأعلاف، تنعكس بشكل مباشر على الكلفة النهائية، ما يجعل المزارع عرضة للخسارة في حال لم تترافق مع ارتفاع مماثل في أسعار البيع، وهو ما لا يحدث حاليا.
مطالب بتدخل مباشر
في ظل هذا الواقع، يطالب مربو الدواجن بضرورة التدخل العاجل لإيجاد حلول تخفف من حدة الأزمة، سواء من خلال ضبط أسعار الأعلاف أو تقديم دعم مباشر للقطاع، إلى جانب تنظيم الإنتاج بما يحقق توازنا بين العرض والطلب.
كما يشددون على أهمية تعزيز الرقابة على الأسواق، ومنع أي ممارسات قد تؤدي إلى التلاعب بالأسعار، إضافة إلى توفير بيانات دقيقة تساعد المربين على اتخاذ قرارات مدروسة.
حول ذلك، يقول إبراهيم عقيل، وهو أحد أصحاب المزارع في جرش والمتحدث باسمهم "إن تكلفة التربية أصبحت أعلى من سعر البيع، ومع كل دورة نعرف مسبقا أننا سنخسر، لكننا مضطرون للاستمرار لتغطية جزء من التكاليف الثابتة، لاسيما أن التوقف عن الإنتاج ليس خيارا سهلا، نظرا لارتباط المزارع بقروض والتزامات مالية، إلى جانب كلفة إعادة التشغيل في حال التوقف".
وأوضح عقيل "أنه في الوقت الذي ترتفع فيه كلفة الإنتاج، يشهد السوق المحلي وفرة كبيرة في كميات الدواجن، ما أدى إلى انخفاض الأسعار إلى مستويات لا تغطي الكلفة. وهذا الاختلال بين العرض والطلب جعل المنافسة بينهم أكثر حدة، حيث يضطر البعض إلى بيع إنتاجه بأسعار منخفضة لتصريف الكميات وتجنب خسائر أكبر".
ويؤكد أحمد القادري، وهو صاحب مزرعة آخر "أن السوق غير منظم، وكل واحد ينتج حسب قدرته من دون وجود خطة واضحة، ما يؤدي إلى إغراق السوق وانخفاض الأسعار، خاصة أن غياب التنسيق بين الجهات المعنية والمربين أسهم في تعميق الأزمة بدلا من الحد منها".
وأضاف "أن هذا الواقع خلق حالة من الإرباك داخل القطاع، حيث لم يعد المربي قادرا على التنبؤ بأسعار البيع أو تقدير حجم الخسائر، ما يجعل اتخاذ قرارات الإنتاج أكثر صعوبة وتعقيدا".
بدوره، قال تاجر الدواجن محمود المصري إن آثار الأزمة لا تتوقف عند حدود المزارع، بل تمتد إلى المجتمع المحلي في جرش، حيث يعتمد عدد كبير من الأسر على قطاع الدواجن كمصدر دخل أساسي. ومع استمرار الخسائر، تتزايد المخاوف من إغلاق بعض المزارع أو تقليص إنتاجها، ما قد يؤدي إلى فقدان فرص عمل وتراجع النشاط الاقتصادي في المنطقة.
نقص إنتاج الدواجن
ويرى المصري أن خروج عدد من المربين من السوق قد يخلق، على المدى البعيد، خللا يتمثل في نقص الإنتاج وارتفاع الأسعار بشكل مفاجئ، ما يؤثر على المستهلكين أيضا. وبالتالي، فإن استمرار الأزمة من دون تدخل قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة على مستوى السوق ككل.
واليوم، يقف قطاع الدواجن في جرش عند مفترق طرق حقيقي، حيث تتزايد الضغوط من جهة، وتغيب الحلول الفعالة من جهة أخرى. ومع استمرار ارتفاع كلفة الإنتاج وانخفاض الأسعار، يبقى مربو الدواجن في جرش عالقين بين خيارين أحلاهما مر؛ إما الاستمرار في الإنتاج مع خسائر متراكمة، أو التوقف وتحمل تبعات الخروج من سوق شكل لعقود مصدر رزقهم الرئيسي.
إلى ذلك، قال أحد تجار أعلاف الدواجن "إن أسعار الأعلاف ارتفعت بسبب تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، والظروف التي تمر بها المنطقة، لا سيما أن سبب الارتفاع يعود إما إلى قلة الكميات المتوفرة من الأعلاف، أو إلى ارتفاع تكاليف وأجور النقل والتأمين وسلاسل التوريد التي تعمل على تأمين هذه الأعلاف وضمان وصولها إلى المزارع".
وأكد التاجر، الذي فضل عدم ذكر اسمه "أن مقدار الارتفاع يتراوح بين 10 % و15 %، وهو ما يقدر بما بين 20 و30 دينارا للطن، إضافة إلى ارتفاع أجور النقل وأثمان المحروقات"، موضحا في الوقت ذاته "أن هذه النسبة تشكل عبئا على مزارعي الدواجن، كونهم بحاجة إلى كميات كبيرة من الأعلاف في الدورة الواحدة، وهذه الارتفاعات تزيد من تكلفة العمل والإنتاج بنسبة تصل إلى 20 %، مقارنة بانخفاض أسعار الدواجن في الأسواق وتوفر كميات كبيرة منها".
وأضاف "أن هذا الارتفاع سيبقى على حاله، ومن الممكن أن يرتفع أكثر، ولا يمكن أن ينخفض، نظرا للظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها المنطقة، والتي يصعب استقرارها في هذه الفترة".