الغد-سماح بيبرس
في وقت تشير فيه التوقعات إلى تحسن ملحوظ بإنتاج الحبوب في الأردن خلال العام الحالي، حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" من تداعيات تخفيضات التمويل على الأمن الغذائي للفئات الأكثر ضعفاً خاصة اللاجئين، مؤكدة أن نقص التمويل أدى خلال العام 2026 إلى الحد من المساعدات الغذائية المقدمة لهم، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتداعيات النزاعات الإقليمية.
وقالت المنظمة في تقرير صدر مؤخراً إن تخفيضات التمويل أدت إلى تقليص المساعدات الغذائية المقدمة للاجئين الأكثر ضعفاً خلال العام الحالي، في وقت لا يزال فيه الأردن يستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين، بينما تزيد النزاعات الإقليمية المستمرة من الضغوط على بيئة اقتصادية تواجه تحديات متعددة أصلاً.
وبحسب التقرير، تسبب نقص التمويل بتعليق المساعدات الغذائية المقدمة للاجئين المقيمين في المجتمعات المضيفة منذ نيسان (أبريل) الماضي، إلى جانب خفض قيمة التحويلات النقدية المقدمة للاجئين الذين يعيشون في المخيمات.
وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط التي باتت تواجه برامج الاستجابة الإنسانية الموجهة للاجئين، لا سيما مع تراجع التمويل الدولي، في وقت ما تزال فيه شريحة واسعة منهم تعتمد على المساعدات لتغطية جانب من احتياجاتها الغذائية والمعيشية الأساسية.
وجاءت هذه المؤشرات في تقرير صادر عن "النظام العالمي للمعلومات والإنذار المبكر بشأن الأغذية والزراعة"، التابع لـ "الفاو"، والذي يتولى بصورة مستمرة رصد إمدادات الأغذية والطلب عليها، إلى جانب متابعة مجموعة من المؤشرات الأساسية المستخدمة في تقييم أوضاع الأمن الغذائي في مختلف دول العالم.
كما يرصد النظام التطورات التي يمكن أن تؤثر في توافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه، وإصدار تقارير تحليلية وموضوعية بصورة منتظمة حول الظروف السائدة، فضلاً عن توفير إنذارات مبكرة بشأن الأزمات الغذائية التي قد تلوح في الأفق على المستويين القطري والإقليمي.
وفي مقابل الضغوط التي يفرضها تراجع التمويل على برامج المساعدات، حمل التقرير مؤشرات إيجابية بشأن الإنتاج الزراعي المحلي، إذ ساهمت الظروف الجوية المواتية وكميات الأمطار الجيدة في دعم إنتاج الحبوب في الأردن خلال العام 2026.
وبحسب "الفاو"، بدأ حصاد محاصيل القمح والشعير الشتوية للموسم الحالي خلال شهر أيار (مايو)، ليكتمل مع نهاية تموز (يوليو).
وأوضحت المنظمة أن الأمطار الغزيرة والموزعة بصورة جيدة طوال موسم النمو أسهمت في تجديد رطوبة التربة ودعم نمو المحاصيل في معظم المناطق المنتجة للحبوب، الأمر الذي انعكس بصورة إيجابية على توقعات الإنتاج للموسم الحالي.
واستفادت المحاصيل، لا سيما في المحافظات الرئيسة المنتجة للحبوب في شمال المملكة ووسطها، ومن بينها إربد وعجلون والبلقاء وعمان ومادبا، من تسجيل كميات هطل مطري أعلى من المتوسط خلال الفترة الممتدة من تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 وحتى نيسان (أبريل) 2026.
وأشارت الظروف النباتية المواتية التي تم تسجيلها خلال شهر نيسان (أبريل)، أي قبل بدء عمليات الحصاد، إلى توقعات بإنتاج محصول يتجاوز متوسط مستوياته خلال السنوات الأخيرة.
ووفق تقديرات المنظمة، من المتوقع أن يصل إجمالي إنتاج الحبوب في الأردن خلال العام الحالي إلى نحو 150 ألف طن، بزيادة تتجاوز 50 % عن متوسط الإنتاج المسجل خلال السنوات الخمس الماضية.
وعلى الرغم من هذا التحسن الملحوظ في الإنتاج المحلي، فإن اعتماد المملكة الكبير على استيراد الحبوب سيستمر، إذ توقعت المنظمة أن تبقى احتياجات استيراد الحبوب خلال موسم التسويق 20272026 قريبة من متوسط السنوات الأخيرة.
وقدرت "الفاو" احتياجات المملكة من واردات الحبوب خلال موسم التسويق 20272026، الممتد من تموز (يوليو) 2026 وحتى حزيران (يونيو) 2027، بنحو 3 ملايين طن، وهو مستوى يقارب متوسط السنوات الخمس الماضية.
ويظهر الفارق الكبير بين حجم الإنتاج المحلي المتوقع، البالغ نحو 150 ألف طن، واحتياجات الاستيراد المقدرة بنحو 3 ملايين طن، استمرار اعتماد الأردن بصورة أساسية على الأسواق الخارجية لتلبية احتياجاته من الحبوب، رغم التحسن المتوقع في المحصول المحلي خلال الموسم الحالي.
وبحسب التقرير، من المتوقع أن يبقى الطلب الأردني على استيراد الحبوب قوياً، وهو ما يرتبط جزئياً بسياسة الحكومة الرامية للمحافظة على احتياطيات إستراتيجية من مادتي القمح والشعير تكفي لتغطية ما يتراوح بين سبعة وعشرة أشهر من الاستهلاك المحلي.
وتكتسب المحافظة على مستويات كافية من المخزون الإستراتيجي أهمية متزايدة في ظل التطورات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تؤثر في سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء العالمية، خصوصاً بالنسبة لدولة تعتمد على الاستيراد في تأمين جانب كبير من احتياجاتها الغذائية.
وفي جانب آخر، أظهر التقرير أن معدلات التضخم في أسعار الغذاء في الأردن ظلت عند مستويات منخفضة خلال العام 2026، ما يشير إلى محدودية الضغوط التضخمية على أسعار المواد الغذائية المحلية بصورة عامة.
وارتفع معدل التضخم السنوي للغذاء بصورة طفيفة من مستوى قريب من الصفر في شباط (فبراير) الماضي إلى نحو 1 % في أيار (مايو) 2026، وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشراً على بقاء الضغوط التضخمية على أسعار المواد الغذائية المحلية محدودة.
إلا أن حركة الأسعار لم تكن متساوية بين مختلف مجموعات الغذاء، إذ سجلت الزيوت والدهون أعلى زيادة سنوية في الأسعار بين فئات المواد الغذائية الرئيسة، بارتفاع بلغ نحو 16 %، في حين بقيت الزيادات المسجلة في أسعار السلع الغذائية الأخرى معتدلة بصورة عامة.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت تتزايد فيه المخاوف المرتبطة بقدرة الفئات الأكثر ضعفاً على الوصول إلى الغذاء، إذ إن استقرار الأسعار أو انخفاض معدلات التضخم الغذائي لا يلغي التحديات المتعلقة بمستويات الدخل والقدرة الشرائية، ولا سيما بالنسبة للأسر الفقيرة واللاجئين الذين يعتمد جزء منهم على المساعدات الإنسانية.
وتبرز هذه المفارقة بشكل أكبر مع تزامن التحسن المتوقع في إنتاج الحبوب واستقرار التضخم الغذائي مع تراجع التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية، الأمر الذي أدى فعلياً إلى تقليص الدعم الغذائي الموجه للاجئين.
وكانت "الفاو" قد أكدت، في النداء العالمي للطوارئ وتعزيز القدرة على الصمود للعام 2026، حاجتها إلى نحو 5.2 مليون دولار لدعم قرابة 98.45 ألف مستفيد في الأردن.
ويأتي ذلك في إطار البرامج الهادفة إلى الاستجابة للاحتياجات الطارئة وتعزيز قدرة الفئات الأكثر ضعفاً على الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية والغذائية، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بتراجع التمويل الإنساني وارتفاع الاحتياجات.
كما سبق لمنظمة الأغذية والزراعة أن أشارت في تقارير سابقة إلى استمرار مستويات مرتفعة نسبياً من نقص التغذية في المملكة. حيث أشارت إلى أن نسبة انتشار نقص التغذية في الأردن وصلت إلى نحو 17.9 % خلال الفترة 2021-2023، فيما قدر عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية بنحو 2 مليون شخص.