الشركات الناشئة.. رأس المال الجريء يلاحق قطاعات نوعية
الغد-إبراهيم المبيضين
“انتهى زمن التوزيع التقليدي للأموال الجريئة في المنطقة العربية والأردن”، هذا ما أجمع عليه خبراء محليون أكدوا أن الشركات المستثمرة باتت تلاحق بشغف تلك القطاعات النوعية التي تمتلك فرصا للتوسع والنمو العابر للحدود، محليا وعالميا.
ويوضح الخبراء أن شركات رأس المال الجريء باتت تلاحق “الثلاثي القيادي” الذي يستحوذ على الحصة الأكبر من الاستثمارات، وهي قطاعات التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، إلى جانب قطاعات أخرى توظّف التقنيات الحديثة في عملها، مثل الصحة الذكية وتقنية التعليم.
ويشير الخبراء إلى أن هذه المجالات لم تعد مجرد خيارات ثانوية، بل تحولت إلى ساحة المعركة الحقيقية التي تتدفق إليها الأموال، إذ يبحث صناع القرار الاستثماري عن عقول مبتكرة توظّف الخوارزميات، وتُحدث ثورة في المعاملات المالية الرقمية، وتبتكر حلولا مرنة لتعقيدات سلاسل الإمداد والشحن التي تشكل شريان الاقتصاد الحديث.
وأكدوا أن المستثمر اليوم يطرق أبواب الشركات الناشئة التي تقدم حلولا تقنية ملموسة وقابلة للتطبيق الفوري في الأسواق الحقيقية، لتفكيك أزمات يومية قائمة، في خطوة تهدف إلى الابتعاد عن المخاطر العشوائية، وضمان بناء قيمة اقتصادية راسخة تولّد عوائد مالية مستدامة على المدى الطويل، وتصمد أمام تقلبات الاقتصاد العالمي.
ورغم جاذبية هذه القطاعات، فإن الخبراء قالوا إن “المستثمر الذكي يبحث عن الحلول المبتكرة للمشكلات الحقيقية بدلا من اللحاق بالتوجهات الرائجة، ويعد الاستثمار في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي أو التقنية المالية لمجرد مجاراة السوق خطأ إستراتيجيا شائعا؛ فالنجاح المستدام يرتكز على الفهم الدقيق للتحديات، وتقديم حلول مرنة وقابلة للتوسع، ويظهر ذلك جليا في نجاح العديد من الشركات الناشئة التي أحدثت تحولا جذريا في قطاعات تقليدية عبر تحسين كفاءة الخدمات، وخفض تكاليفها، وتطوير تجربة المستخدم”.
وقال المدرب والمستشار في مجال الريادة والابتكار حمزة التميمي: “ريادة الأعمال اليوم أصبحت أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في العالم، ولم تعد تقتصر على إنشاء مشروع جديد أو توفير فرصة عمل لصاحب الفكرة، بل أصبحت أداة لإيجاد حلول مبتكرة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وخلق فرص عمل، وتعزيز الإنتاجية”.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والبنك الدولي إلى أن الشركات الصغيرة والناشئة تمثل النسبة الأكبر من إجمالي الشركات في معظم الاقتصادات، وتسهم بشكل كبير في توفير الوظائف وتحفيز الابتكار، وهو ما يجعل الاستثمار في منظومة ريادة الأعمال استثمارا في الاقتصاد نفسه، وليس في الشركات فقط.
وأضاف التميمي: “عند الحديث عن القطاعات الأكثر جذبا للاستثمارات اليوم، أعتقد أن السبب لا يرتبط بالقطاع بحد ذاته، وإنما بحجم المشكلة التي يعالجها، وحجم الطلب المتوقع خلال السنوات المقبلة؛ لذلك نلاحظ أن المستثمرين يتجهون بشكل متزايد نحو قطاعات مثل التكنولوجيا المالية (FinTech)، والذكاء الاصطناعي (AI)، والخدمات اللوجستية (Logistics)، لأنها قطاعات تشهد تحولا عالميا مدفوعا بالتكنولوجيا وتغير سلوك المستهلكين، إضافة إلى وجود أسواق ضخمة ما زالت تحمل فرص نمو كبيرة”.
وأوضح التميمي أن قطاع التكنولوجيا المالية يشهد نموا متسارعا نتيجة توسع خدمات الدفع الرقمي، والتمويل الإلكتروني، والخدمات المصرفية الرقمية.
ووفقا لتقارير KPMG وCB Insights، ما يزال هذا القطاع من أكثر القطاعات استقطابا للاستثمار حول العالم، لأنه يقدم حلولا تقلل التكلفة، وتسرّع العمليات المالية، وتوسّع الوصول إلى الخدمات المصرفية لملايين المستخدمين، خصوصا في الأسواق الناشئة.
أما الذكاء الاصطناعي، فلم يعد قطاعا مستقلا بقدر ما أصبح تقنية تدخل في جميع القطاعات، بحسب التميمي، الذي قال إننا نرى اليوم تطبيقاته في الصحة، والتعليم، والصناعة، والزراعة، والتجارة، والخدمات الحكومية.
وتشير تقديرات PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يصل إلى 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير من المستثمرين بالشركات التي توظف هذه التقنية لحل مشكلات حقيقية، ورفع الكفاءة، وتحسين تجربة العملاء.
وأشار إلى قطاع الخدمات اللوجستية كأحد أكثر القطاعات نموا، مدفوعا بالتوسع الكبير في التجارة الإلكترونية وسلاسل التوريد.
ولم يعد التركيز اليوم على النقل والتوصيل فقط، بل على الحلول الذكية لإدارة المستودعات، وتحسين عمليات التخزين، وتتبع الشحنات، واستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة العمليات وخفض التكاليف؛ لذلك أصبح هذا القطاع بيئة خصبة لظهور شركات ناشئة تقدم حلولا تقنية ذات قيمة مضافة.
ومن واقع عمله مع رواد الأعمال، يرى التميمي أن كثيرين يقعون في خطأ اختيار القطاع لأنه “رائج” أو لأنه يجذب الاستثمار، بينما الحقيقة أن المستثمر لا يستثمر في القطاع، بل يستثمر في الحل.
وقال: “لا أنصح أي رائد أعمال بأن يبدأ مشروعه لأنه يعمل في الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا المالية فقط، وإنما لأن لديه فهما عميقا لمشكلة حقيقية، ويستطيع تقديم حل مختلف وقابل للنمو؛ فهناك شركات ناشئة ناجحة في قطاعات تقليدية، لكنها استطاعت إعادة تقديم الخدمة بطريقة أكثر كفاءة، أو أقل تكلفة، أو بتجربة أفضل للمستخدم”.
ونصح التميمي رواد الأعمال، قبل البدء في تأسيس شركاتهم الناشئة، بأن يقضوا وقتا كافيا في التحقق من الفكرة (Validation)، والتحدث مع العملاء المحتملين، وفهم احتياجاتهم، واختبار الحل قبل استثمار الوقت والمال في تطوير المنتج. ولفت إلى أنه يجب أن يكون التركيز منذ البداية على بناء نموذج عمل واضح، وفريق عمل متكامل، ومؤشرات أداء قابلة للقياس؛ لأن هذه العناصر هي التي ينظر إليها المستثمر قبل اتخاذ قرار الاستثمار، وليس جمال الفكرة أو جودة العرض التقديمي.
وتوقع أن تشهد السنوات المقبلة ظهور فرص جديدة في قطاعات لم تكن تحظى بالاهتمام نفسه قبل سنوات، مثل التكنولوجيا الصحية، والتكنولوجيا التعليمية، وتقنيات المناخ والاستدامة، والأمن السيبراني، لكن القاسم المشترك بينها جميعا سيبقى واحدا؛ وهو قدرة الشركة الناشئة على حل مشكلة حقيقية بطريقة مبتكرة وقابلة للتوسع.
وقال الخبير في مجال التحول الرقمي وريادة الأعمال م. هاني البطش: “أصبحت الشركات الناشئة اليوم محركا رئيسا للنمو الاقتصادي، فهي لا توفر وظائف فحسب، بل تطور تقنيات جديدة، وتجذب الاستثمارات، وترفع تنافسية الاقتصادات”.
وأكد البطش أن ريادة الأعمال لم تعد خيارا للشباب الباحث عن فرصة عمل، بل أصبحت أداة إستراتيجية لبناء اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة.
وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) إلى أن الشركات الصغيرة والناشئة توفر أكثر من 50 % من فرص العمل عالميا، بينما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الشركات الناشئة ذات النمو السريع تسهم بشكل غير متناسب في خلق الوظائف عالية القيمة وزيادة الإنتاجية.
وفي الأردن، تكتسب الشركات الناشئة أهمية مضاعفة، كونها تتماشى مع رؤية التحديث الاقتصادي 2033، بحسب البطش، الذي أوضح أن هذه الرؤية تضع الاقتصاد الرقمي والابتكار وريادة الأعمال في صلب عملية النمو الاقتصادي، وتركز على زيادة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي، واستقطاب الاستثمارات، وتوفير فرص عمل نوعية للشباب.
ولفت إلى أن الأردن يمتلك ميزة تنافسية تتمثل في الكفاءات البشرية، حيث يخرّج آلاف المهندسين وخريجي تخصصات تكنولوجيا المعلومات سنويا، ما يوفر قاعدة قوية لبناء شركات تقنية قادرة على المنافسة إقليميا وعالميا.
وعن أبرز القطاعات التي تشهد فرصا كبيرة واستثمارات في الشركات الناشئة، قال البطش: “إن الاستثمارات العالمية لم تعد تتجه إلى القطاعات التقليدية، بل إلى القطاعات التي تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، لأنها تحقق أعلى معدلات النمو وأسرع عائد على الاستثمار”.
وبيّن قائلا: “تشير بيانات CB Insights وPitchBook وStanford AI Index إلى أن رأس المال الجريء يتركز اليوم في عدد من القطاعات الرئيسية، أبرزها الذكاء الاصطناعي (AI & Generative AI)، حيث تجاوزت الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي 109 مليارات دولار خلال عام 2024، مع توقعات بأن يضيف الذكاء الاصطناعي ما يصل إلى 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030 وفقا لـ(PwC). ويتميز هذا القطاع بإمكانية بناء منتجات عالمية انطلاقا من أسواق محلية”.
وأشار إلى قطاع التكنولوجيا المالية (FinTech)، موضحا أنه مع التحول نحو المدفوعات الرقمية والخدمات المالية الذكية، أصبحت حلول التمويل الرقمي، والإقراض، والتأمين الرقمي، والمحافظ الإلكترونية من أكثر المجالات جذبا للاستثمار، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد توسعا كبيرا في الاقتصاد غير النقدي.
وتطرق إلى قطاع الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد (LogisticsTech)، حيث أدى نمو التجارة الإلكترونية إلى زيادة الطلب على الحلول الذكية لإدارة النقل، والتخزين، وتتبع الشحنات، والتنبؤ بالطلب، ما جعل هذا القطاع من أسرع القطاعات نموا.
وأشار كذلك إلى قطاع الأمن السيبراني (Cybersecurity)، موضحا أنه مع تزايد الهجمات الرقمية عالميا، يُتوقع أن يتجاوز الإنفاق العالمي على الأمن السيبراني 300 مليار دولار سنويا خلال السنوات المقبلة، ما يخلق فرصا كبيرة للشركات المتخصصة.
وقال: “من القطاعات التي تشهد فرصا كبيرة أيضا قطاع التكنولوجيا الصحية (HealthTech)، حيث تشمل تطبيقاته التشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والطب عن بُعد، وتحليل البيانات الطبية، وهي من القطاعات التي تشهد استثمارات متزايدة عالميا. كما يبرز قطاع تكنولوجيا التعليم (EdTech)، فمع انتشار التعلم الرقمي والتدريب الذكي، تظهر فرص كبيرة لتطوير منصات تعليمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم التكيفي”.
وأشار أيضا إلى قطاعات واعدة أخرى مثل التكنولوجيا الزراعية (AgriTech)، وتكنولوجيا المناخ (ClimateTech)، وتكنولوجيا الطاقة (EnergyTech)، وإنترنت الأشياء (IoT)، والتوائم الرقمية (Digital Twins)، خصوصا مع توجه الحكومات والصناعات نحو الرقمنة والاستدامة.
وأكد أنه بالنسبة للأردن، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء شركات ناشئة تقدم حلولا في الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والحكومة الرقمية، والصناعة الذكية، لما تمتلكه المملكة من كفاءات بشرية، ولتوافق هذه القطاعات مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
ومن جانبه، قال الخبير في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي إن “بيانات الاستثمار خلال الأعوام الأخيرة تظهر أن رأس المال الجريء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يعد يتوزع بصورة متساوية بين مختلف القطاعات، بل أصبح يتركز في عدد محدود من المجالات التي تمتلك فرصا مرتفعة للنمو وقابلية للتوسع الإقليمي والعالمي. ويعكس هذا التوجه تحولا في أولويات المستثمرين، الذين باتوا يبحثون عن الشركات القادرة على معالجة تحديات حقيقية في الأسواق، وتقديم حلول تقنية ذات قيمة اقتصادية واضحة، وتحقيق عوائد مستدامة على الاستثمار”.
وقال: “تُظهر تقارير الاستثمار أن التكنولوجيا المالية، والخدمات اللوجستية، والذكاء الاصطناعي، والبرمجيات المؤسسية، والتقنية العقارية أصبحت تمثل المحركات الرئيسة للاستثمار في المنطقة، مستفيدة من التحول الرقمي المتسارع، وتغير سلوك المستهلكين، وارتفاع الطلب على الخدمات الرقمية في مختلف القطاعات الاقتصادية”.
وبخصوص قطاع التكنولوجيا المالية، أوضح الصفدي أن المستثمرين يرون أن التكنولوجيا المالية تمتلك عددا من المزايا التي تجعلها من أكثر القطاعات جاذبية، من أبرزها: اتساع قاعدة المستخدمين في المنطقة، وانخفاض مستوى الشمول المالي في عدد من الأسواق، ما يوفر فرصا للنمو، إضافة إلى الدعم التنظيمي المتزايد من البنوك المركزية والجهات الرقابية، والتحول نحو الاقتصاد غير النقدي، وارتفاع الطلب على الخدمات المالية الرقمية من قبل الأفراد والشركات.
وعن قطاع الخدمات اللوجستية، قال الصفدي إن النمو الكبير في التجارة الإلكترونية أدى إلى تحويل الخدمات اللوجستية من قطاع تشغيلي تقليدي إلى أحد أهم القطاعات التقنية التي تجذب اهتمام المستثمرين. فمع تزايد الطلب على التسوق الإلكتروني والخدمات السريعة، أصبحت كفاءة سلاسل الإمداد والتخزين والتوصيل عاملا حاسما في نجاح الشركات الرقمية.
وأشار إلى أن أبرز مجالات الاستثمار في هذا القطاع تشمل: إدارة المستودعات الذكية، وتتبع الشحنات في الوقت الحقيقي، وتحسين عمليات الميل الأخير للتوصيل، وأتمتة سلاسل الإمداد، والتحليلات التنبؤية لإدارة المخزون.
وأضاف الصفدي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يمثل قطاعا مستقلا فحسب، بل أصبح تقنية أفقية تؤثر في جميع القطاعات الاقتصادية، بدءا من الخدمات المالية والرعاية الصحية والتعليم، وصولا إلى الصناعة والطاقة والتجارة الإلكترونية.
وقال: “إن الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ عام 2023 أدى إلى زيادة اهتمام المستثمرين بالشركات التي تستخدم هذه التقنيات لتحسين الإنتاجية، وأتمتة العمليات، وتحليل البيانات، ودعم اتخاذ القرار، وتطوير تجارب العملاء”.
وأوضح أن أبرز المجالات التي تستقطب التمويل في هذا القطاع تشمل: المساعدات الذكية للمؤسسات، وتحليل البيانات الضخمة، والأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية الرقمية، وتقنيات التعليم، والأتمتة الصناعية.
ويرجح أن يستمر هذا القطاع في تسجيل معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات المقبلة، مدعوما بتوسع الاستثمارات الحكومية والخاصة في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وزيادة الطلب على الحلول المؤسسية.