أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    01-Nov-2026

البيانات الرقمية.. من مشروع حكومي إلى محرك للاقتصاد الأردني

 الغد-د. حمزة العكاليك

البيانات الرقمية مورد اقتصادي ومعرفي تتوقف قيمته على دقته وإمكان الوصول إليه والقدرة على تحويله إلى قرار أو خدمة أو ابتكار. ومن هنا تبرز أهمية توجيه سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل إلى إطلاق المبادرة الوطنية للبيانات الرقمية بما يشمل جمع البيانات والتحقق من جودتها ودقتها وانسيابها وتعزيز استخدامها المسؤول. فالمطلوب ليس رقمنة المعلومات فحسب، بل بناء قدرة وطنية تجعلها أساساً لإدارة أكثر كفاءة واقتصاد أكثر إنتاجية.
 
 
وتأتي المبادرة في لحظة تتسارع فيها المنافسة على توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي. فالدول التي تنجح في تنظيم بياناتها تستطيع فهم احتياجات السكان والأسواق بصورة أدق وتوجيه الموارد وتطوير خدمات أكثر استجابة. لذلك، تكمن القيمة الإستراتيجية للمبادرة في الانتقال من جمع البيانات إلى إدارتها بوصفها أصلاً وطنياً يخدم القرار العام والابتكار.
ويبدأ التنفيذ العملي بتكوين صورة واضحة عن البيانات الموجودة لدى المؤسسات العامة وتحديد مصادرها ومالكيها ومسؤولي تحديثها ومستوى جودتها والفجوات التي تمنع استخدامها. وبعد ذلك، توضع معايير وطنية موحدة للتصنيف والوصف والتبادل وتحدد مسؤوليات كل جهة عن دقة البيانات وتصحيحها وتحديثها. ولا يعني التكامل نقل جميع البيانات إلى مستودع مركزي واحد؛ فقد يكون الأنسب ربط الأنظمة وتبادل الحد الأدنى اللازم من المعلومات بحسب طبيعة البيانات والغرض من استخدامها ومستوى حساسيتها. 
وتحتاج هذه المنظومة إلى حوكمة واضحة تسبق التوسع التقني. ويشمل ذلك تحديد الأساس القانوني لكل استخدام، والالتزام بقانون حماية البيانات الشخصية والتشريعات ذات الصلة، وتطبيق ضوابط الأمن السيبراني، وتوثيق عمليات الوصول والتعديل وإدارة الصلاحيات وفق الحاجة الفعلية. أما استخدام البيانات في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي فيتطلب فحص جودتها وتمثيلها وتقليل البيانات الشخصية حيثما أمكن، ومراجعة المخرجات لمنع التحيز أو القرارات الضارة. فالثقة ليست قيداً على الابتكار؛ إنها شرط لاستدامته.
اقتصادياً، يمكن أن تظهر النتائج أولاً داخل الجهاز الحكومي. فعندما تتبادل المؤسسات المعلومات بصورة منظمة يمكن تقليل طلب الوثائق المتكررة من المواطن وتسريع إنجاز المعاملات واكتشاف التعارض أو الازدواجية في السجلات وتحسين توجيه الإنفاق. ففي الصحة قد يسهم التكامل المنضبط في تحسين متابعة المريض والتخطيط للاحتياجات. وفي التعليم يساعد تحليل البيانات على تحديد فجوات المهارات وتوجيه البرامج التدريبية. هذه مكاسب محتملة ويتوقف تحققها على تصميم الخدمات حول احتياجات الناس لا على التكنولوجيا وحدها.
ويمتد الأثر إلى القطاع الخاص. فإتاحة البيانات الحكومية المفتوحة غير الشخصية وفق قواعد واضحة يمكن أن تفتح المجال أمام الشركات الناشئة والجامعات لتطوير تطبيقات في الصحة والتعليم والزراعة والطاقة والخدمات اللوجستية. كما أن وجود معايير مستقرة للتبادل والحماية يخفف الغموض التنظيمي ويعزز ثقة المستثمرين ويشجع تطوير حلول محلية بدلاً من الاعتماد الكامل على منتجات مستوردة. لكن هذه الفرص لن تتحقق تلقائياً؛ فهي تحتاج إلى شراكات فعلية بين الحكومة والجامعات والشركات.
وللانتقال بالمبادرة الى إمكانية التطبيق الفعلي ينبغي تنفيذها على مراحل. فالمرحلة الأولى تبدأ بحصر البيانات وتقييم جودتها وتحديد الأولويات والمخاطر. ثم تُختار مشروعات تجريبية في قطاعات ذات أثر واضح مثل الصحة والتعليم، وتُقاس نتائجها قبل التوسع. وتلي ذلك مرحلة ربط الأنظمة وتوسيع الاستخدامات الناجحة مع مراجعات مستقلة للأمن والخصوصية والأداء. ويجب أن تتوزع المسؤوليات بوضوح بين الجهات المالكة للبيانات والجهات المنظمة والمنفذة وأن تكون قنوات التواصل مع القطاع الخاص والمجتمع المدني جزءاً من عملية التنفيذ.
وذلك يتطلب أيضاً معالجة تفاوت الجاهزية الرقمية بين المؤسسات وتحديث الأنظمة القديمة وتخصيص موازنات للصيانة والتطوير. وينبغي ألا تتحول مشاركة البيانات إلى عبء إضافي على الموظفين أو الأفراد، بل إلى وسيلة لتبسيط العمل وتعزيز المساءلة وتحسين النتائج المستدامة.
أما قياس النجاح فينبغي ألا يقتصر على عدد قواعد البيانات المرتبطة أو التطبيقات المطورة. الأهم هو زمن إنجاز الخدمة، وعدد الوثائق التي لم يعد المواطن مطالباً بتقديمها، ونسبة البيانات المكتملة والمحدثة، ومعدل الأخطاء والتكرار، وكلفة تقديم الخدمة، ومستوى رضا المستفيدين، وعدد الحلول التي طورتها شركات محلية اعتماداً على بيانات متاحة بصورة مشروعة. 
في المحصلة، تقاس قيمة المبادرة بقدرتها على تحويلها إلى منفعة عامة وإنتاجية وفرص اقتصادية مع صون الخصوصية والأمن والثقة. فاقتران الرؤية الملكية بالتنفيذ المرحلي والحوكمة الرشيدة وبناء المهارات والمساءلة عن النتائج يجعل من البيانات بنية أساسية للتنمية لا مجرد مشروع تقني. عندها يلمس المواطن أثرها في خدمة أسرع وأكثر دقة وتجد الشركات مجالاً أوسع للابتكار. تلك هي النقلة المطلوبة: أن تتحول البيانات من مورد موجود داخل الأنظمة إلى قيمة تصنع فرقاً في حياة الناس ومستقبل الاقتصاد الأردني.