الغد-إبراهيم المبيضين
تنتقل الحكومة الأردنية اليوم من مرحلة "رقمنة الخدمات" إلى عصر "ذكاء البيانات" بحسب ما أظهرته الخطة التنفيذية للإستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي (2028-2026) عندما وضعت البيانات في قلب العملية التنموية. ولم تعد البيانات مجرد سجلات إدارية، بل تحولت إلى "أصول وطنية" ستحدد كفاءة الأداء الحكومي وتنافسية الاقتصاد الوطني في السنوات القادمة.
ووفقا للخطة ، التي حصلت "الغد" على نسخة منها ، اعتبرت إدارة البيانات وحوكمتها الركيزة الصلبة التي يستند إليها نجاح التحول الرقمي الشامل؛ فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي ما لم تدعمها بيانات دقيقة، آنية، وموثوقة. وأكدت الخطة أن الإدارة الرشيدة للبيانات هي ما يحول "الفوضى المعلوماتية" إلى "رؤى استشرافية" إذ تتيح الانتقال من نمط "الاستجابة للطلبات" إلى نمط "الخدمات الاستباقية" القائمة على التحليل المتقدم، ودون إدارة محكمة تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات جوفاء، فجودة القرارات تعتمد كليا على جودة البيانات وتكاملها بين القطاعات المختلفة.
ويعرّف قانون حماية البيانات الشخصية الأردني رقم (24) لسنة 2023 البيانات بأنها تشمل نوعين رئيسين: "البيانات الشخصية" و"البيانات الشخصية الحساسة"، إذ عُرّفت البيانات الشخصية (Personal Data) على أنها أي بيانات أو معلومات تتعلق بشخص طبيعي (فرد) محدد أو يمكن التعرف عليه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أيا كان مصدرها أو شكلها.
وتشمل هذه البيانات: معلومات الهوية: الأسماء وأرقام التعريف، البيانات الجغرافية: بيانات الموقع والعناوين، المعرفات الرقمية: المعرفات على الإنترنت وتقنيات التتبع، الحالة العائلية: أي تفاصيل تتعلق بوضع الفرد الأسري.
وأما البيانات الشخصية الحساسة (Sensitive Personal Data) فهي البيانات التي تعكس خصائص الفرد وتتطلب حماية خاصة نظرا لأثرها العميق على خصوصيته.
وتتضمن: الأصل والنشأة: الأصل العرقي أو الإثني والآراء السياسية، المعتقدات: المعتقدات الدينية أو الفكرية، الحالة الصحية والبدنية: الوضع الصحي، الحالة البدنية أو العقلية، والبيانات الجينية، البيانات الحيوية: البيانات البيومترية (مثل البصمات)، البيانات الأمنية: السجل العدلي (الإجرامي) للفرد، الوضع المالي: المعلومات المالية والبنكية.
ووضعت الخطة التنفيذية مشاريع محددة لتجسيد هذه الرؤية وهي خمسة مشاريع رئيسة، وأولها مشروع إنشاء مركز بيانات حكومي موحد، إذ يمثل هذا المشروع "القلب التقني" للمملكة، إذ يستهدف إنشاء مركز بيانات وطني وفق أعلى المعايير العالمية لاستضافة وتشغيل الأنظمة والخدمات الرقمية بشكل آمن وموثوق.
وبحسب الخطة، يضمن هذا المركز السيادة الرقمية من خلال حفظ البيانات الحيوية داخل بنية تحتية وطنية، مع توفير قدرات عالية للتعافي من الكوارث. وقالت الخطة إن "ثاني المشاريع يتمثل في توسعة منصة الحوسبة السحابية الحكومية الذي يهدف إلى تطوير السحابة الحكومية الخاصة (Government Private Cloud) لتكون الوعاء التقني الضخم لاستضافة البيانات".
وأوضحت الخطة أن المشروع سيعمل على تحسين قدرات المعالجة وتحديث الشبكات وتطبيق أعلى معايير الأمن السيبراني، مما يوفر بيئة مرنة لتسريع استضافة التطبيقات الرقمية تحت إشراف مركزي يضمن أمن البيانات.
وأشارت إلى مشروع ثالث وهو حوكمة وإدارة البيانات الذي يهدف إلى وضع إطار وطني يضبط الجوانب التشريعية والتنظيمية لتداول البيانات، مع تأسيس "سجل وطني موحد للبيانات الرئيسة" (Master Data Registry).
وقالت الخطة: "المشروع سيعمل كمرجع وحيد للبيانات المتعلقة بالأفراد والمنشآت والمواقع، مما ينهي عصر الازدواجية المعلوماتية (p. 29)".
وأكدت على مشروع بناء قواعد بيانات قطاعية الذي يستهدف إنشاء قواعد بيانات متخصصة في قطاعات حيوية، وربطها بمنصات تحليل ذكية تُمكّن صانع القرار من التخطيط الإستراتيجي المبني على الحقائق الرقمية الدقيقة.
وأشارت إلى مشروع تحديث بوابة البيانات المفتوحة: تسعى الحكومة لتحديث هذه البوابة لتكون المورد الأساسي للمبتكرين عبر توفير بيانات ضخمة بصيغ مفتوحة، مما يحفز الابتكار وتطوير الخدمات الرقمية الجديدة.
وبذلك تؤكد الإستراتيجية أن تعظيم الاستفادة من البيانات لن يكون على حساب "الخصوصية"، لذلك، ترتبط هذه المشاريع بآليات رقابية صارمة تضمن الامتثال لقانون حماية البيانات الشخصية رقم (24) لسنة 2023، وإن الهدف النهائي هو بناء بيئة رقمية آمنة تعزز ثقة المواطن، وتدفع بالأردن ليكون مركزا إقليميا متطورا للتكنولوجيا والابتكار بحلول عام 2028.