الاقتصاد الوطني.. شهادة دولية بنجاعة الإصلاح
الاقتصاد الوطني.. شهادة دولية بنجاعة الإصلاح
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
أجمع اقتصاديون على أن موافقة صندوق النقد الدولي على مستوى الخبراء على المراجعة الخامسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الأردني، تمثل شهادة ثقة دولية جديدة تعكس متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة.
وأكدوا في تصريحات لـ"الغد" أن هذه الموافقة تعكس التزام الأردن بتنفيذ برنامج إصلاحي متكامل تقوده رؤية التحديث الاقتصادي، وهو ما تجسد في مؤشرات إيجابية، أبرزها استقرار التضخم وتحسن النمو خلال الفترة الماضية.
ويرى هؤلاء أن أهمية هذا الاتفاق تأتي لكونها مرتبطة بالإصلاحات الهيكلية التي طرأت على الاقتصاد الوطني، حيث ساهمت في خلق قطاع خاص أكثر ديناميكية وقدرة على تحقيق النمو المطلوب وخلق فرص العمل، فضلا عن تحسين بيئة الأعمال وتعزيز المنافسة.
في الوقت ذاته، أوضح الخبراء أنه رغم الإطار المهم الذي تمثله مراجعات صندوق النقد الدولي في دعم الاستقرار المالي وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، إلا أن الاستفادة المثلى منها تتطلب مواءمتها بشكل أكبر مع الواقع الاقتصادي المحلي، بما يضمن انعكاس نتائجها إيجابا على المؤشرات المعيشية، لا سيما ما يتعلق بمعدلات الفقر والبطالة.
وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن عن التوصل إلى اتفاق مع الحكومة على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الخامسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم بترتيب تسهيل الصندوق الممدد، والمراجعة الثانية في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة.
وأكد الصندوق أن الاقتصاد الأردني واصل إظهار قدرته على الصمود، مدعوما بالتزام الحكومة الأردنية بسياسات حصيفة على مستوى الاقتصاد الكلي، إلى جانب الدعم الدولي القوي، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 2.8 % في عام 2025، كما تعزز زخم النمو في مطلع عام 2026.
وأشاد الصندوق بنجاح البنك المركزي في الإبقاء على معدل التضخم دون 2 %، بفضل التزامه الثابت والمستمر بالمحافظة على الاستقرار النقدي، مدعوما باحتياطي العملات الأجنبية الكبير، كما بقي القطاع المصرفي متينا، ويتمتع بمستويات مريحة من السيولة ورأس المال.
ولفت إلى التدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأردنية للتعامل مع أجواء الحرب الإقليمية والتخفيف من أثرها الاقتصادي، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل النشاط السياحي مع المحافظة على سياسات مالية ونقدية حصيفة. وأشار إلى أن هذه التدابير شملت إجراءات لحماية أمن الطاقة، وتيسير سلاسل الإمداد، وضمان توافر السيولة الكافية في الأسواق المالية، وتقديم دعم موجه للفئات الأكثر تضررا.
وأكد أن أداء البرنامج ما يزال قويا على الرغم من البيئة الخارجية الصعبة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، حيث تم إنجاز جميع معايير الأداء الكمي الخاصة بالمراجعة الخامسة في إطار تسهيل الصندوق الممدد بهوامش مريحة، كما أن جميع المعايير الهيكلية تسير على المسار الصحيح.
ولفت إلى التزام الحكومة الأردنية بتخفيض الدين العام إلى 80 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2028، من خلال تعزيز الإيرادات وكفاءة الإنفاق.
وسيؤدي استكمال المراجعة الخامسة بموجب اتفاق تسهيل الصندوق الممدد إلى توفير مبلغ قدره نحو 140 مليون دولار أميركي، كما أن استكمال المراجعة الثانية في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة سيتيح صرف نحو 57 مليون دولار أميركي.
وأكد أن الإصلاحات الهيكلية تبقى عنصرا أساسيا في دعم قطاع خاص ديناميكي قادر على تحقيق نمو أقوى وتوفير فرص العمل، لافتا إلى المبادرات التي تتخذها الحكومة لتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز المنافسة ومرونة سوق العمل، ودعم شبكة الأمان الاجتماعي.
شهادة ثقة دولية جديدة
وقال حسن الطباع، عضو مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال الأردنيين، إن المراجعة الخامسة لصندوق النقد الدولي تؤكد متانة الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الأردني وقدرته على الصمود في وجه العواصف، مبينا أن هذا الاتفاق، الذي سيتيح صرف ما يقارب 197 مليون دولار أميركي، يمثل شهادة ثقة دولية جديدة بالسياسات الحصيفة التي تنتهجها الحكومة والبنك المركزي، والتي مكنت الأردن من الصمود في وسط إقليم مضطرب.
فاستمرار نمو الناتج المحلي بنسبة %2.8 في عام 2025، والإبقاء على التضخم دون حاجز 2 %، وامتلاك احتياطيات أجنبية قوية، ليست سوى دليل على أن الاقتصاد الوطني يمتلك مناعة استثنائية تخفف من آثار الصدمات الخارجية، وتحميه وتحمي ما تحقق من مكتسبات.
وأكد الطباع أن الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها الحكومة منذ البداية للتعامل مع تبعات الحرب على المنطقة، بدءا من تأمين الطاقة وسلاسل الإمداد، وصولا إلى توفير السيولة الكافية ودعم القطاعات الأكثر تضررا، ساهمت بشكل كبير في توفير بيئة آمنة ومستقرة نسبيا للاستثمار والأعمال، مما يخلق أرضية صلبة لانطلاقة اقتصادية أوسع، ويؤكد أن الإصلاح مستمر رغم التحديات.
وبين الطباع أن أهمية هذا الاتفاق تأتي لكونها مرتبطة بإصلاحات هيكلية طالما دعت الجمعية إليها، لخلق قطاع خاص أكثر ديناميكية وقدرة على تحقيق النمو المطلوب وخلق فرص العمل، مشيرا إلى أن الإجراءات الحكومية لتحسين بيئة الأعمال وتعزيز المنافسة هي استثمار حقيقي في مستقبل الاقتصاد الوطني.
كما بين أن إصدار البنك المركزي الأردني، بدعم من البنك الدولي، للوائح التنفيذية المتعلقة بالإفصاح عن المناخ، يضع الأردن في مصاف الدول التي تستشرف المستقبل، متطلعين كقطاع خاص إلى ترجمة هذه الإنجازات المالية والنقدية إلى قصص نجاح اقتصادية ملموسة، ونمو قادر على توفير فرص عمل نوعية تلبي طموحات شبابنا.
تعزيز متانة الاقتصاد الوطني
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي منير دية أن الشهادة التي أصدرها صندوق النقد الدولي عقب التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الأردنية على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الخامسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، والمراجعة الثانية ضمن إطار تسهيل الصلابة والاستدامة، تمثل دعما واضحا لمتانة الاقتصاد الوطني وتعزز مكانته إقليميا ودوليا.
وأوضح دية أن هذه الإشادة تعكس التزام الأردن بتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي متكامل تقوده رؤية التحديث الاقتصادي، مشيرا إلى أن الاقتصاد الوطني نجح خلال الفترة الماضية في تحقيق مؤشرات إيجابية، أبرزها ارتفاع معدل النمو خلال عام 2025 ليقترب من 2.8 % إلى 2.9 %، إلى جانب الحفاظ على مستويات مرتفعة من الاحتياطيات الأجنبية التي تجاوزت 28 مليار دولار.
وبين أن تحسن الأداء الاقتصادي شمل عدة قطاعات رئيسة، حيث ارتفعت الصادرات الوطنية مع إعادة فتح الأسواق، خاصة السوق السورية، واستمرار تدفقها إلى مختلف دول العالم، إلى جانب تحسن أداء قطاعات التعدين والصناعات التحويلية والزراعة، والتي لعبت دورا محوريا في دعم النمو.
كما سجل الدخل السياحي ارتفاعا ملحوظا، مما أسهم في تعزيز الإيرادات.
وأشار دية إلى أن الاقتصاد الأردني أثبت قدرة عالية على التكيف مع التحديات، رغم تداعيات الحرب والاضطرابات الجيوسياسية، لافتا إلى أن الإجراءات الحكومية، بالتعاون مع البنك المركزي الأردني، ساهمت في الحفاظ على الاستقرار النقدي، من خلال ضخ سيولة تجاوزت 760 مليون دينار لدعم القطاعات الاقتصادية وضمان استمرارية سلاسل الإمداد والتوريد. وأكد دية أن هذه المؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد الأردني على امتصاص الصدمات والحفاظ على استقرار نسبي في معدلات النمو والتضخم، مما يعزز الثقة لدى المؤسسات الدولية والدول المانحة، ويفتح المجال أمام الحصول على تمويل بشروط ميسرة، وإعادة هيكلة الديون نحو كلف أقل.
رؤي متدرجة وواقعية
دعا أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري إلى تبني نهج إصلاحي أكثر عمقا وشمولا، يركز على معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، إلى جانب تبسيط الإجراءات وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة وقادرة على تحفيز النمو المستدام.
وأوضح الحموري أن مراجعات صندوق النقد الدولي تمثل إطارا مهما لدعم الاستقرار المالي وتعزيز ثقة المجتمع الدولي، إلا أن الاستفادة المثلى منها تتطلب مواءمتها بشكل أكبر مع الواقع الاقتصادي المحلي، بما يضمن انعكاس نتائجها إيجابا على المؤشرات المعيشية، لا سيما ما يتعلق بمعدلات الفقر والبطالة.
وأشار إلى أن بعض المؤشرات الكلية الإيجابية، مثل استقرار التضخم وتحسن الاحتياطيات، تشكل عناصر قوة مهمة، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية على مستوى الاقتصاد الحقيقي، من خلال رفع معدلات النمو الإنتاجي وتوسيع قاعدة القطاعات القادرة على توليد فرص العمل.
وأضاف الحموري أن إدارة ملف الدين العام تتطلب رؤية متدرجة وواقعية، تقوم على تحقيق توازن بين ضبط المالية العامة وتحفيز النمو، بما يسهم في خفض نسب المديونية إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مستدام، وليس فقط نظريا.
وشدد الحموري على أن الأردن يمتلك مقومات اقتصادية مهمة وخبرة تراكمية في التعامل مع التحديات، ما يتيح له البناء على ما تحقق، وتوجيه برامج الإصلاح نحو تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، وتعزز من متانة الاقتصاد على المدى الطويل.