مع ارتفاع الطلب الغذائي.. هل تكفي الرقابة الموسمية لحماية المستهلك؟
الغد-منى أبو حمور
منذ بدء شهر رمضان المبارك، تتسارع وتيرة الاستهلاك الغذائي في الأردن، خصوصا اللحوم والدواجن والمواد التموينية الأساسية وبعض الأصناف التي أصبحت تقليدا خلال الشهر الفضيل.
هذا الارتفاع الموسمي في الطلب يدفع الجهات الرقابية إلى تكثيف حملاتها الميدانية، في محاولة لمنع تسرب منتجات فاسدة أو غير مطابقة للمواصفات إلى موائد الأردنيين.
قبيل شهر رمضان، نفذت المؤسسة العامة للغذاء والدواء مئات الجولات التفتيشية في مختلف المحافظات ضمن خطة رقابية استباقية استعدادا لرمضان، شملت الملاحم، والمستودعات، ومحال الحلويات، والسوبرماركت.
ونفذت كوادر الرقابة والتفتيش المختصة في المؤسسة العامة للغذاء والدواء، عبر فروعها في مختلف مناطق المملكة، 304 جولات رقابية ميدانية على منشآت غذائية خلال الفترة الماضية وذلك ضمن حملاتها الرقابية المستمرة، والتي تنفذها الفرق الرقابية للفترة الليلية وما تزال مستمرة حتى ساعات الفجر طوال شهر رمضان.
الجولات التي قامت بها الكوادر التفتيشية أدت إلى إيقاف 26 منشأة عن العمل نتيجة تدني مستوى الالتزام بالاشتراطات الصحية والنظافة، وإغلاق منشأة واحدة، إضافة إلى إتلاف 996 كغم من المواد الغذائية المتنوعة شملت معلبات منتهية الصلاحية وعصائر رمضانية.
المديرة العامة لمؤسسة الغذاء والدواء الدكتورة رنا عبيدات أوضحت في تصريح صحفي سابق أن الرقابة والحملات على الأسواق التي تقوم بها المؤسسة "لا تُعلن كلها" عادة حفاظا على سمعة الاقتصاد الوطني، لضمان أن السائحين والمواطنين يثقون بجودة المنتجات الغذائية دون التأثير على صورة الأردن الاقتصادية.
مئات الجولات..
وإنذارات وإغلاقات
وفق بيانات رسمية، أسفرت حملات حديثة عن تنفيذ أكثر من 300 جولة رقابية في عدد من المحافظات وتوجيه عشرات الإنذارات لمنشآت مخالفة، وإيقاف وإغلاق منشآت عن العمل، وإتلاف كميات كبيرة من المواد الغذائية غير الصالحة.
وكانت المؤسسة قد أغلقت عددا من المحال في إحدى الحملات على الملاحم في العاصمة بعد ضبط مخالفات صحية خطيرة، وإتلاف نحو 1500 كغم من اللحوم والمواد غير الصالحة للاستهلاك، بينها لحوم منتهية الصلاحية وأخرى معروضة بطرق مخالفة.
كما كشفت حملات أخرى عن إتلاف ما يقارب طنين من المواد الغذائية الفاسدة، شملت لحوما ودواجن ومنتجات مخزنة بظروف غير صحية.
ويبقى السؤال: لماذا تتزايد المخالفات قبل رمضان؟.. ويشير مختصون في سلامة الغذاء إلى أن المواسم المرتبطة بارتفاع الطلب، وعلى رأسها رمضان، قد تشهد محاولات من بعض التجار لتصريف بضائع راكدة أو قريبة من انتهاء الصلاحية، مستفيدين من كثافة الحركة الشرائية.
وأوضحوا أن زيادة الطلب تعني ضغطا على سلاسل التوريد والتخزين، وارتفاعا في كميات الاستيراد والعرض، وفرصا أكبر لحدوث تجاوزات في شروط النقل والتبريد، وهنا تصبح الرقابة المشددة عنصرا حاسما في منع تحوُّل الأسواق إلى منفذ لتصريف بضائع فاسدة.
الرقابة الميدانية..
وماذا عن الرقمية؟
إلى جانب الجولات الميدانية، تعتمد المؤسسة العامة للغذاء والدواء على قنوات التواصل الرقمي لتلقي الشكاوى والإبلاغ عن المخالفات، عبر الخط الساخن ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن تحليل المحتوى الرقمي المرتبط بالحملات يظهر أن التركيز ما يزال منصبا بشكل أكبر على نشر بيانات الإغلاق والإتلاف، مقابل حضور أقل للمحتوى التوعوي التفاعلي الذي يشرح للمستهلكين كيفية التحقق من سلامة اللحوم والدواجن قبل الشراء.
في بيئة استهلاكية رقمية متسارعة، قد يكون لتعزيز الحملات التوعوية عبر السوشال ميديا دور مواز للرقابة الميدانية، خصوصا مع انتشار عروض “رمضان” والتخفيضات التي تجذب المستهلكين.
الرقابة الموسمية تقليدية ونتائجها محدودة
الخبير الاقتصادي حسام عايش يبين لـ"الغد" أن الرقابة الموسمية التي تقوم بها مؤسسة الغذاء والدواء لا تسمح بمتابعة كل ما هو موجود بالسوق من مواد غذائية ومواد مغشوسة.
ويوضح أن النتائج المترتبة على هذا النوع من الرقابة هو التعامل مع الأمور على سطحها وليس في العمق، فضلا عن أن الذين تشملهم هذا النوع من الرقابة على علم بموسميتها ومحدوديتها وطرق التحايل عليها أيضا.
وحاولت "الغد" الحصول على رد من المؤسسة العامة للغذاء والدواء حول هذه التفاصيل لكن دون جدوى.
ويقول عايش: "الأسواق وإن شهدت إتلافات لا يؤثر على الكمية الحقيقية الموجودة في الأسواق فهي تستهدف أماكن معينة لذلك فإن أثرها الحقيقي محدود"، إلى جانب التقليدية بالإعلان عن الإتلاف.
الرقابة الغذائية بحسب عايش تستدعي تغييرا في السياسات والإجراءات وطرق الإعلان عن الجولات التفتيشية وتنفيذها في جميع الأوقات على مدار العام، وألا يكون أفرادها معروفين مسبقا، ويفترض أن تكون هناك محكمة تصدر أحكاما فيما يتعلق ببيع مواد غذائية فاسدة وفق عايش.
ويتفق في ذلك الناطق الإعلامي في مؤسسة حماية المستهلك ماهر الحجات، موضحا لـ"الغد" أن الأصل في هذه الجولات الميدانية التي تقوم بها الكوادر الوظيفية العامة أن تكون يوميا على مدار العام وفي جميع محافظات المملكة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ولا تعتمد على موسم رمضان أو أعياد.
التغيير بحسب الحجات يبدأ من تعديل القوانين والتشريعات وتغليظ العقوبات المنصوص عليها؛ لأنها لا تكفي لردع المخالفين وضرورة تفعيل قانون الغذاء والدواء الذي يقضي بنشر أسماء المحلات والتجار المخالفين بالإعلام الرسمي ليتمكن المواطن من معرفة أماكن البيع المخالفة والابتعاد عنها.
ويؤكد عايش أن الكلف المترتبة على وجود هذه الأغذية غير الصالحة للاستخدام ليست مرتبطة باكتشافها وإتلافها، وإنما النتائج المترتبة على استيرادها، لافتا إلى أن الأوان قد آن لوجود وسائل وتقنيات وإجراءات للتعامل مع الغش الغذائي.
ويضيف: "اليوم نحن بحاجة لكوادر أكثر عددا وتدريبا وقدرة على التعامل مع الأسواق واستخدام الأدوات الرقمية والتقنية لمراقبة الأسواق"، منوها إلى أن الأمور أخطر من مجرد إعلان عن نجاحات قليلة مقارنة بالواقع الغذائي، وهو ما يتعلق بالصحة العامة، خصوصا مع عدم قدرة الكوادر الرقابية على اكتشاف جميع المواد الغذائية والسيطرة على جميع الأسواق.
وبين الردع والوقاية يبقى السؤال المهم: هل تكفي الحملات الموسمية لردع المخالفين، أم أن المطلوب هو نظام رقابي أكثر استدامة وشفافية في نشر البيانات؟ خلال فترة المواسم، لا سيما شهر رمضان المبارك الرقابة حاضرة، لكن مسؤولية حماية المستهلك تبدأ من السوق ولا تنتهي عند باب المنشأة المخالفة.
فتعزيز الشفافية في نشر أرقام المضبوطات، وتكثيف التوعية الرقمية، وتفعيل دور المستهلك في الإبلاغ، قد تكون عناصر أساسية لضمان أن تبقى موائدنا آمنة.