الغد-عبدالرحمن الخوالدة
في وقت تتكاثف فيه الضغوط الجيوسياسية والمالية على اقتصادات المنطقة، أعادت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني تسليط الضوء على قدرة الاقتصاد الأردني على الصمود، بتصنيفه كأحد أكثر الأسواق الحدودية قدرة على مواجهة التحديات الإقليمية والمالية.
ويأتي هذا التقييم الإيجابي استنادا إلى سجل طويل من المرونة والتكيف مع أزمات متلاحقة، عكس واقعا متراكما من الإدارة الحصيفة للأزمات، جعل من الاستقرار الاقتصادي سمة راسخة للاقتصاد الأردني، رغم محدودية الموارد وتعقيد الجغرافيا السياسية المحيطة.
وفي هذا السياق، أكد خبراء اقتصاديون في تصريحات صحفية لـ"الغد" أن هذا التقييم يعكس حقيقة أثبتها الاقتصاد الوطني عبر عقود، بقدرته على امتصاص الصدمات الكبرى، بدءا من الحروب الإقليمية والأزمات المالية العالمية، مرورا بتداعيات اللجوء وجائحة كورونا، وصولا إلى الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة.
وأشاروا إلى أن السياسات النقدية المحافظة التي انتهجها البنك المركزي الأردني شكلت حجر الزاوية في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وأسهمت في منع انزلاق الاقتصاد إلى أزمات حادة.في المقابل، شدد الخبراء على أن أهمية شهادة "فيتش" لا تكمن في بعدها المعنوي فقط، بل في انعكاساتها العملية على مناخ التحديات البنيوية المزمنة، وفي مقدمتها البطالة والفقر وارتفاع المديونية، مؤكدين أن استدامة هذا التصنيف مرهونة بالانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة النمو وتعزيز الاعتماد على الذات، في ظل التحولات المتسارعة في سياسات الدول المانحة.
وكانت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني في تقرير حديث حول "الأسواق الحدودية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، أكدت أن الأردن يتمتع بنظرة مستقبلية مستقرة، مدعومة بعدة عوامل داخلية وخارجية، تعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود في بيئة إقليمية متقلبة.
وأشار التقرير إلى أنه، ورغم تسجيل معدلات نمو معتدلة مقارنة ببعض دول المنطقة، يواصل الأردن الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي، بما يسهم في احتواء التحديات المرتبطة بمستويات الدين العام المرتفعة.
ويستند هذا الاستقرار، وفقا للتقرير، إلى الدعم المالي المستمر من الشركاء الدوليين، وخصوصا الولايات المتحدة، إضافة إلى مرونة النظام المصرفي الأردني الذي يتمتع بسيولة مرتفعة وقدرة واضحة على امتصاص الصدمات.
استقرار "لا تخطئه الأعين"
وقال رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية السابق عمر النبر إن ثبات وصمود الاقتصاد الوطني وقدرته المستمرة على الاستجابة للأزمات المختلفة "لا تخطئه الأعين"، معتبرا أن هذا الواقع هو الأساس الذي استندت إليه وكالة "فيتش" في تصنيف الأردن كأحد الأسواق الحدودية الأكثر قدرة على مواجهة التحديات.
وأوضح النبر أن الاقتصاد الأردني واجه، على مدى العقود الماضية، أزمات جيوسياسية ومالية جسيمة، بدءا من غزو العراق واجتياح بيروت، والحروب المتعاقبة على غزة مطلع الألفية، مرورا بالأزمة المالية العالمية، وأحداث "الربيع العربي" وتداعياتها، وأزمة اللجوء السوري، ثم جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وصولا إلى موجات التضخم العالمية والعدوان الإسرائيلي على غزة خلال العامين الماضيين، إلا أنه تمكن في كل مرة من إظهار مرونة عالية في التكيف وتقليل حدة التأثر.
وأكد النبر أن هذه الشهادة الشاملة من وكالة "فيتش" سيكون لها انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني، من خلال رفع مستوى الثقة به محليا وخارجيا، وتحسين قدرته على الوصول إلى أسواق التمويل العالمية.
وأشار إلى أن السياسات النقدية الحصيفة والإدارة الحكيمة للبنك المركزي الأردني على مدى سنوات طويلة، شكلت حجر الزاوية في استقرار الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة التحديات.
ولفت النبر إلى أن استدامة هذا التقييم وتعزيزه في المرحلة المقبلة تبدو ممكنة في ظل الجدية الحكومية في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمضي قدما في المشاريع الكبرى، مثل مشروع الناقل الوطني ومشروعات البنية التحتية، بما ينعكس إيجابا على رفع معدلات النمو الاقتصادي إلى مستويات فاعلة تتجاوز 3 %، وتدعم خلق فرص العمل وتحسين الأجور.
وشدد على ضرورة مضاعفة الجهود الحكومية للنهوض بالواقع الاستثماري، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، إلى جانب وضع الدين العام على رأس الأولويات وتسريع الإصلاحات الهادفة إلى خفضه.
كما أكد أهمية تعزيز اعتماد الاقتصاد الوطني على الذات، في ظل التحولات السياسية والاقتصادية في الدول المانحة، ولا سيما الولايات المتحدة، والتغيرات في أوروبا التي تتجه نحو زيادة الإنفاق الدفاعي وتقليص المساعدات الخارجية.
نموذج للاستقرار النسبي
من جهته، أكد الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن تقييم "فيتش" يبرز الأردن كنموذج للاستقرار النسبي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تشهد تقلبات حادة نتيجة الصراعات والتوترات الجيوسياسية.
وبين المخامرة أن معظم دول المنطقة تواجه تحديات أكبر تتعلق بالنمو أو الديون أو الاضطرابات الاجتماعية، في حين يحافظ الأردن على نمو معتدل متوقع بين 2.5 % و2.8 % خلال عامي 2025–2026، إلى جانب استقرار مالي واقتصادي وسياسي.
ولفت المخامرة إلى أن تصنيف الأردن ضمن "الأسواق الحدودية" يشير إلى اقتصادات ناشئة صغيرة نسبيا ذات سيولة أقل ومخاطر أعلى، لكنها توفر فرص نمو واعدة، مؤكدا أن هذا التصنيف يتطلب خطوات عملية لتحويل الثقة إلى نمو مستدام، من خلال تعميق الإصلاحات، وتنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على المساعدات، وتعزيز قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية.
سمعة إيجابية عالميا
من جانبه، اعتبر أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري أن تأكيد وكالة "فيتش" تمتع الاقتصاد الأردني بنظرة مستقبلية مستقرة وقدرته على الصمود في بيئة إقليمية متقلبة، يمثل مؤشرا إيجابيا على سمعة الاقتصاد الوطني عالميا.
وأوضح الحموري أن الأثر الأبرز لهذا التقييم يتمثل في تسهيل وصول الأردن إلى المؤسسات التمويلية الدولية، وتشجيع المستثمرين على الدخول إلى السوق الأردنية.
وأشار إلى أن التركيبة المجتمعية الأردنية وقدرتها على الصمود والتكيف مع الظروف الاقتصادية المحيطة تعد من العوامل الرئيسة التي أسهمت في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات الماضية.
وفي الوقت ذاته، نبه الحموري إلى أن الاقتصاد الأردني ما يزال يواجه تحديات بنيوية، أبرزها البطالة والفقر وارتفاع المديونية وتواضع معدلات النمو، مؤكدا أن معالجتها تتطلب تدخلا حكوميا سريعا وجادا، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى المتوسط والطويل.