أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    28-Jan-2026

الاستثمار في مواجهة الطبيعة.. أعباء مضاعفة على الأمن الغذائي

 الغد-فرح عطيات

 لم يعد التوقّف التدريجي عن الاستثمارات المضرّة، بهدف تحقيق عوائد مرتفعة، وخفض التعرّض للمخاطر، وتعزيز القدرة على الصمود مناخيا، يصب فقط في صالح حماية الموارد الطبيعية في الأردن، بل يخفف من تكلفة التدهور البيئي، ووقف استنزاف المصادر المائية.
 
 
وفي بلد تتقاطع فيه ندرة المياه مع التصحر وتراجع التنوع الحيوي وضغوط الاستثمار، تبدو المعادلة أكثر تعقيدا وحساسية، لتنطلق معها دعوات لإحداث تناغم بين الاقتصاد والبيئة، وتحذيرات من تدفقات مالية تُغذّي الوقود الأحفوري، وتستنزف الأحواض المائية، وتدعم ممارسات زراعية وصناعية ملوثة.
وهذه التحذيرات تدعمها أرقام عالمية صادمة تشير إلى أن مقابل كل دولار أميركي واحد يُستثمر عالميا في حماية الطبيعة، ينفق العالم 30 دولارا على تدميرها، وفق تقرير جديد لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. 
وجاء في التقرير أن التدفّقات الرأسمالية الخاصة التي تؤثر إيجابا على الطبيعة بلغت فقط 23 مليار دولار فقط، في وقت يجب أن تنمو فيه الاستثمارات في الحلول القائمة على الطبيعة 2.5 مرة لتصل إلى 572 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030، ويشكّل هذا الرقم فعليا 0.5 % فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وما يزال نهج التمويل العالمي، كما يصفه مختصون، محكوما برؤية غربية قصيرة النظر تُعلي من شأن العائد السريع على حساب التكلفة البيئية والاجتماعية بعيدة المدى، وتخلط بين مفهومي النمو والتنمية خلطا يختلّ معه الميزان.
إشكاليات بنوية
ويعاني نهج التمويل العالمي من إشكاليات بنيوية في ثنائية قياس النمو والتنمية، ووفق توصيف أستاذ سياسات الابتكار في جامعة الخليج العربي د. عودة الجيوسي، هناك رؤية كونية غربية تسعى لتعظيم الربح على المدى القصير بغض النظر عن الآثار طويلة المدى.
ولذلك، دعا الجيوسي في تصريحات لـ"الغد"، إلى إحداث "تناغم" بين علوم الاقتصاد والبيئة لقياس قيمة الخدمات البيئية بشكل "حصيف ومنصف".
ولفت إلى أن الأردن يمثل نموذجا "متقدما" في التوازن عند الحديث عن رعاية الموارد الطبيعية، لكن هناك "ضغوطا" اقتصادية يتعرض لها وتتمثل في ضرورة تحقيق استثمارات اقتصادية من التعدين على حساب البيئة، الأمر الذي يفرض معه ضرورة وجود معايير علمية، ومجتمع علمي لتمكين التنمية المستدامة، وتعزيز البصيرة البيئية في السياسات العامة.
بيد أن ثمة حاجة "مشروعة" للنمو الاقتصادي وتنويع الاستثمارات في الأردن، لكن أنماطا من التدفقات المالية ما تزال تُوجَّه نحو قطاعات وممارسات تُلحق "ضررا" مباشرا بالطبيعة، و"تفاقم" الضغوط على نظم بيئية هشّة"، بحسب المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد. 
وضرب عيد مثالا على ذلك باستمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتبنّي ممارسات زراعية "غير مستدامة"، والاستثمار في أنشطة صناعية ثقيلة لا "تدمج" الاعتبارات البيئية بشكل كافٍ. 
وهذه الأنماط، من وجهة نظره، لا "تُضعف" رأس المال الطبيعي فحسب، بل "تُعرّض" الاقتصاد نفسه "لمخاطر" طويلة الأمد، خصوصا في بلد يعاني من شحّ مائي وتدهور الأراضي وتراجع التنوع الحيوي.
واستند في رأيه ذلك إلى أن هذا الأمر يظهر جليا في قطاع المياه، حيث إن الاستثمار في بنى تحتية تعتمد على "الاستنزاف" المكثّف للمياه الجوفية، أو حفر الآبار دون "تنظيم ورقابة صارمة" يسرّع من تدهور الأحواض المائية.
ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن كل ذلك يؤدي إلى "تملّح" و "تلوّث" الموارد"، كما أن ضعف كفاءة شبكات التزويد، وارتفاع الفاقد المائي يعكسان توجّها استثماريا قصير الأمد كان يمكن استبداله ببرامج صيانة وتأهيل، وحلول طبيعية أقل تكلفة وأكثر استدامة، بحسبه.
وينطبق الأمر ذاته على القطاع الصناعي، وفق تأكيدات عيد لـ"الغد"، حيث تؤدي الاستثمارات التي "لا تُلزم" بتقنيات الإنتاج الأنظف، وإدارة المخلّفات إلى "تلوّث" التربة والمياه الجوفية. 
وأما في الزراعة، بحسبه، فإن دعم الاستخدام المكثف للمبيدات والأسمدة الكيميائية يُسهم في "تدهور" خصوبة التربة، و"الإضرار" بالتنوع الحيوي، وزيادة الضغط على الموارد المائية وغيرها الكثير من الأمثلة.
وأمام هذا الواقع، كما يرى، يصبح التحوّل في السياسات المالية والاستثمارية ضرورة لا خيارا، لذلك فإن رؤية التحديث الاقتصادي، وتحديدا محور البيئة المستدامة سيكون بمثابة البوابة العملية لإعادة توجيه الاستثمارات من أنشطة مضرّة بالطبيعة، إلى حلول خضراء ذات عائد اقتصادي واجتماعي واضح. 
كما تتضمن إعادة هيكلة الدعم بحيث تدمج الكفاءة البيئية وتحفيز الاستثمارات في الحلول القائمة على الطبيعة، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، مع ربط التراخيص والحوافز الصناعية والزراعية بالامتثال البيئي، وفق عيد.
الضرر على الأردن
ورغم أن الأردن قد لا يكون لاعبا رقميا مؤثرا في حجم التمويل العالمي، لكنه من أكثر الدول تضررا من نتائج هذا الخلل، وفق رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (الاتحاد النوعي) عمر الشوشان، الذي لفت لـ"الغد" إلى أن الأردن يعاني أصلا من شح مائي "مزمن"، وتصحر "متسارع"، وضغوط سكانية وحضرية "متزايدة"، إضافة إلى "هشاشة" النظم البيئية أمام التغير المناخي. 
وبالتالي، فإن أي استثمار يضر بالطبيعة في الأردن يراكم مخاطر مضاعفة على الأمن المائي والغذائي والاقتصادي والاجتماعي، بحسبه.
ولكن "المقلق" برأيه أن جزءا من هذه المخاطر يرتبط "بسياسات محلية"، لا "بعوامل خارجية" فقط، وعلى رأسها "عقود التنقيب والامتياز" التي تُمنح أحيانا في أو قرب مناطق ذات قيمة بيئية عالية، دون "تقييم" بيئي "إستراتيجي وحقيقي"، أو احتساب التكلفة طويلة الأمد على النظم البيئية والمجتمعات المحلية.
ووصف الشوشان الامتيازات في مناطق الطبيعة بأنها بمثابة "اختبار الجدية" في حماية الرأسمال الطبيعي، فالقضية هنا ليست "رفض" الاستثمار، بل ماهية نوع هذا الاستثمار وموقعه وشروطه. 
لذلك، ووفق الشوشان، لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة في ظل منح امتيازات في مناطق حساسة بيئيا، أو قرب محميات طبيعية ومناطق تغذية للمياه الجوفية. 
والمطلوب اليوم، بحسبه، اتخاذ "موقف وطني واضح" يقوم على "حظر" أي أنشطة تنقيبية، أو "استغلالية" داخل المحميات الطبيعية ومناطق الربط البيئي، و"إلزام" أي مشروع بوجود تقييم بيئي إستراتيجي مستقل، لا "شكلي".
ومن بين المطالب التي أكد عليها كذلك، احتساب التكلفة البيئية كجزء من الجدوى الاقتصادية، وإنشاء صناديق تعويض بيئي "حقيقية" لإعادة التأهيل، لا "نصوصا" فقط يتم تضمينها في العقود.
وحماية الطبيعة في الأردن لا يمكن أن تكون مسؤولية وزارة أو مؤسسة واحدة، بل سياسة دولة، تبدأ بوقف التمويل الضار، وتمر بإصلاح التشريعات، وتنتهي ببناء اقتصاد يرى في الطبيعة أصلا إستراتيجيا لا عبئا على التنمية، تبعا له.