الغد-عبدالله الربيحات
تزامنا مع تعهدات وزارة الزراعة التي أطلقتها مؤخرا وأكدت فيها أن العام 2026 سيكون عام التحول الزراعي، وأنها بصدد إصدار قرارات تخص القطاع تأخذ بعين الاعتبار رؤية التحديث الزراعي، وإستراتيجياته، رأى خبراء زراعيون أن قدرة الجهاز التنفيذي في الوزارة على التطبيق المؤثر ما تزال محدودة، الأمر الذي يتطلب تحديث الأساليب والمنهجيات.
وقال هؤلاء الخبراء في تصريحات منفصلة لـ"الغد" إن تنفيذ التعهدات يتم عن طريق تعزيز التمويل والتخطيط العملي، وتحويل المشاريع النموذجية إلى برامج حقيقية، فضلا عن تطوير آليات متابعة وقياس للأداء؛ لضمان أن يتماشى التنفيذ مع حجم التحديات والطموحات الوطنية، ذلك أن التنفيذ الفعلي يظل هو المعيار الذي يحدد نجاح أي رؤية أو إستراتيجية، وليس مجرد وجودها على الورق.
مراجعات زراعية
وفي السياق، تساءل الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، عن مدى قدرة الجهاز التنفيذي في وزارة الزراعة على تحويل الرؤى والإستراتيجيات إلى واقع ملموس.
وأضاف الزعبي أن لدى مراجعة التجربة الأردنية، نجد أن هناك وفرة في الإستراتيجيات والرؤى، ومن ضمنها رؤية التحديث الاقتصادي، وإستراتيجيات قطاعية في التغذية، والصحة، والمياه، والزراعة، مشيرا إلى أن هذه الإستراتيجيات مصممة بشكل محكم، وتغطي مختلف الزوايا والتحديات لكل قطاع.
لكنه بين أنه "رغم جودة الإستراتيجيات، بيد أن نسبة تطبيقها لا تصل إلى المستوى المطلوب، حيث تظهر التجربة العملية تفاوتًا في التنفيذ بين القطاعات، وأحيانًا داخل القطاع نفسه، خصوصًا القطاع الزراعي، مرجعا هذا التفاوت إلى عوامل متعددة، منها التمويل، وأسلوب ونهج العاملين في كل من القطاعين العام والخاص.
وزاد أن كثيرا من أساليب العمل الحالية لم تتطور بما يتناسب مع رؤية التحديث، إذ إن المشاريع غالبًا ما تكون نموذجية أو أولية (Prototype) أو مشاريع ريادية صغيرة، لكنها لا تتحول إلى مشاريع حقيقية بحجم التحدي أو المبادرة المقترحة.
وأشار إلى أن تركيز العمل على المشاريع الريادية دون تحويلها إلى برامج شاملة، جعل الاستجابة محدودة ومرتبطة بالطرق القديمة، مبينا أن الجهود المبذولة من العاملين في القطاع، سواء في المجال الزراعي أو غيره، لا تصل إلى حجم التحدي المطلوب، والنتائج المحققة تبقى محدودة، وتفتقر إلى الاستجابة المؤثرة التي تتوافق مع الطموحات الوطنية.
وتابع: "لذلك لا بد من تطوير أساليب العمل والمنهجيات، والخروج من الطرق التقليدية التي تحد من فعالية التنفيذ، وتحويل المشاريع الريادية إلى برامج قابلة للتطبيق العملي، مع وضع مؤشرات أداء واضحة وحجم تأثير ملموس، وتعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص لضمان استجابة متكاملة لرؤية الدولة."
وقال الزعبي إنه رغم وجود رؤية وإستراتيجيات قوية، إلا أن قدرة الجهاز التنفيذي على التطبيق المؤثر ما تزال محدودة، ويتطلب الأمر تحديث الأساليب والمنهجيات، وتعزيز التمويل والتخطيط العملي لتحويل المشاريع النموذجية إلى برامج حقيقية، فضلا عن تطوير آليات متابعة وقياس الأداء لضمان أن يتماشى التنفيذ مع حجم التحديات والطموحات الوطنية، مبينا أن التنفيذ الفعلي هو المعيار الذي يحدد نجاح أي رؤية أو إستراتيجية.
محددات التنفيذ
من جهته، بين وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن قدرة الجهاز التنفيذي على تطبيق الإستراتيجيات والرؤى في القطاع الزراعي ليست سؤال "نوايا" أو "خططا مكتوبة"، بل سؤال حوكمة يتعلق بالقرار، والتمويل، والبيانات، والمساءلة، والتمكين الميداني، بحيث تكون هذه الحوكمة قادرة على تحويل الرؤية إلى نتائج قابلة للقياس.
وأضاف المصري أن اهم محددات القدرة التنفيذية، وضوح التفويض وتماسك الولاية، إذ إن الزراعة تتداخل مباشرة مع عناصر المياه، والبيئة، والطاقة، والصناعة والتجارة، والبلديات، والعمل، والنقل، والتمويل، وعندما تكون الولاية مجزأة أو متنازَعًا عليها، يصبح التنفيذ "توافقًا بيروقراطيًا" لا "قرارًا تنفيذيًا".
وأكد ضرورة وجود مؤشر قوة، داعيا لإيجاد جهة واحدة تقود ملف الزراعة كمنظومة "غذاء، وماء، وتجارة"، مرتبطة بسلطة تنسيق ملزمة، لا بمجرد لجان.
كما أكد أهمية ربط التمويل بالنتائج، حيث إن الخطط التي لا تُترجم إلى بنود موازنة أو برامج ممولة تبقى مجرد "وثائق".
وقال: "في الزراعة تحديدًا، يلزم وجود تمويل مرن وسريع للأزمات (صقيع، موجات حر، أمراض، إغلاق أسواق)، وتمويل استثماري للبنية (سلاسل تبريد، مختبرات، رقمنة، تأمين)، فضلا عن وجود مؤشر قوة، إذ إن تحويل الإستراتيجية إلى "برامج" سيكون ذا تكلفة ومخرجات زمنية، وليس مجرد عناوين عامة.
وبين ضرورو وضع بيانات وقياس وإنذار مبكر، إذ لا يمكن إدارة قطاع حساس للتقلبات دون بيانات إنتاج وتسويق وتكاليف ومدخلات، وكذلك خرائط مياه وتربة واستخدامات أرض، فضلا عن نظام إنذار مبكر للطقس والآفات والأسعار والطلب، كما يجب أن تكون لمؤشر القوة قرارات مبنية على لوحة مؤشرات (dashboard) تُراجع أسبوعيًا، وشهريًا.
وأضاف: "كذلك لا بد من التنبه للسلسلة الميدانية، فحتى لو كان القرار صحيحًا، فإنه يفشل إذا لم توجد ذراع ميدانية فعّالة كالإرشاد الزراعي الحديث (تقنيات، ري، وقاية، اقتصاديات مزرعة)، علاوة على وضع رقابة مدخلات (مبيدات، بذور، أسمدة) وخدمات بيطرية، ونظام تتبّع.
وقال المصري انه في ملفات الزراعة، غالبًا ما تضيع المسؤولية بين الجهات.
وبين أن الإستراتيجيات الزراعية في الأردن تتعطل عادةً بسبب الفجوة بين التخطيط والتمويل، وبين التداخل المؤسسي، إذ إن قطاعات المياه والزراعة والمياه والبلديات والتجارة تعمل كجزر منفصلة، وهناك أيضا ضعف أدوات السوق، فمعالجة التسويق تُترك غالبًا لردود فعل متأخرة بدل إدارة استباقية للعرض والطلب، وهناك هشاشة في إدارة المخاطر (الصقيع، الحر، الآفات، إغلاق الحدود) وهذه كلها تُدار كأزمات متكررة لا كنظام مخاطر، فضلا عن غياب البيانات الدقيقة في الوقت الحقيقي؛ إذ تأتي القرارات بعد فوات الأوان.
وأضاف المصري: "يبدأ رفع القدرة التنفيذية سريعًا من خلال حزمة إجراءات عملية تبدأ من غرفة عمليات تنفيذ زراعية دائمة لا موسمية تعمل أسبوعيًا، وتجمع قطاعات الزراعة، والمياه، والتجارة، والنقل، والجمارك، والمواصفات، والقطاع الخاص، ووظيفتها حل اختناقات التنفيذ، وليس النقاش العام، وتحويل الإستراتيجية إلى 6 - 10 برامج قابلة للإدارة.
وقال إن القطاع الزراعي في الأردن يمكن أن ينجح إستراتيجيًا عندما يتحول من منطق "مشاريع متناثرة" إلى منطق منظومة تنفيذ، تتضمن التفويض الواضح، والتمويل المرتبط بالنتائج، والبيانات الآنية، والذراع الميدانية القوية، فضلا عن المساءلة.
بدوره، أكد المستشار الدولي وزير الزراعة الأسبق محمود الدويري، أن الجهاز التنفيذي في وزارة الزراعة إضافة إلى الخبرات الوطنية والمنظمات العربية والدولية الموجودة في الأردن، قادر على تطبيق الإستراتيجيات والرؤى في القطاع الزراعي، ومن الخطأ ألا تؤخذ بعين الاعتبار الكفاءات الموجودة في الأردن بعين الاعتبار، والتي تشمل مؤسسات الإقراض الزراعي و"التعاونية" والمركز الوطني للبحوث الزراعية والوزارات المعنية، كالمياه والري، والبيئة وسلطة وادي الأردن وسلطة المياة والجامعات.
وبين الدويري أن الاستعانة بالكفاءات الوطنية والمؤسسات والمنظمات الدولية ضروري لتحقيق الأهداف الموضوعة والمرجوة، مؤكد أن وزارة الزراعة لا تعمل بمفردها لتحقيق أهداف التنمية الزراعية.
فيما أكد مدير عام اتحاد المزارعين، محمود العوران، أن القطاع الزراعي، في ظل الظروف الراهنة، أصبح مسؤولية جماعية تقع على عاتق الحكومة بأكملها، نظراً لارتباطه المباشر بأكثر من عشر جهات رسمية، تشمل وزارات ومؤسسات مختلفة، مشيرا إلى أن هذا التشابك يعكس أن الزراعة لم تعد شأناً قطاعياً محدوداً، بل قضية وطنية تتطلب تنسيقاً شاملاً بين مختلف الأطراف.
وأشار العوران إلى أن محدودية موارد وزارة الزراعة تفرض البحث عن بدائل عملية تمكنها من أداء دورها الحيوي، وفي مقدمتها المركز الوطني للبحوث الزراعية الذي يمثل الذراع العلمية لتطوير المحاصيل الزراعية وتحسين الثروة الحيوانية، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تضغط على الإنتاج الزراعي وتفرض تحديات غير مسبوقة.
وقال إنه ورغم ضعف الإمكانات، فإن حجم الإيرادات المتأتية من القطاع الزراعي، سواء من الإنتاج النباتي أو الحيواني، يبرهن على قدرته على النهوض بالاقتصاد الوطني إذا أُحسن استثماره، فعلى سبيل المثال، تسهم العمالة الوافدة في هذا القطاع بإيرادات مباشرة لخزينة الدولة عبر وزارة العمل، كما تحقق أمانة عمان الكبرى عوائد من حركة المبيعات، فيما تستفيد وزارة المالية من الضرائب المفروضة على مستلزمات الإنتاج الزراعي.
وأضاف أن هذه المؤشرات تؤكد أن الزراعة ليست قطاعاً ثانوياً، بل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني.
وشدد العوران على أن غياب التشاركية الفعلية بين وزارة الزراعة وبقية الوزارات، إضافة إلى ضعف التعاون مع منظمات المجتمع المدني، يحد من قدرة القطاع على التطوير والتكيف مع التحديات.
وقال إنه في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والأحداث السياسية والاقتصادية الضاغطة، يصبح تعزيز هذه الشراكات ضرورة ملحة لضمان استدامة الزراعة ودورها في تحقيق الأمن الغذائي الوطني.