أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    07-Jan-2026

"المركزي" يقود ثورة صامتة في البنية التحتية المالية والرقمية

 الغد-د. حمزة العكاليك

 
 لم يعد البنك المركزي الأردني يكتفي بأدواره التقليدية في حماية العملة والحفاظ على الاستقرار النقدي، بل بات يقود ثورة صامتة في البنية التحتية للنظام المالي الوطني. فخلال العقدين الماضيين، انطلق البنك المركزي في بناء منظومة دفع متطورة، تستند إلى تبني أحدث التقنيات التي تساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية، مع ضمان كفاءة وسلامة هذه الأنظمة، وقدرتها على تلبية احتياجات العملاء. وقد نجح البنك في تحويل الأردن إلى واحد من أكثر الاقتصادات رقمنة في مجال المدفوعات الفورية على مستوى المنطقة.
 
 
التقارير تكشف أن المنظومة المصرفية الأردنية عالجت في العام 2023، حوالي 126.9 مليون معاملة إلكترونية بإجمالي قيمة بلغت 69.34 مليار دينار. واستمر هذا النمو المتسارع في العام 2024، حيث بلغت قيمة المعاملات عبر أنظمة "كليك"، "جومو باي" و"إي فواتيركم" نحو 27.35 مليار دينار في أول 11 شهرا من العام، بزيادة قدرها 53 % عن الفترة المقابلة من العام 2023. إن نمو معاملات التحويلات اللحظية بنسبة تجاوزت 327 %، يعكس تغيراً جذرياً في السلوك المالي للمواطن الأردني، حيث أصبح نظام كليك جزءا أصيلا من المعاملات اليومية.
يمتد هذا النجاح ليشمل نظام "إي فواتيركم"، الذي تجاوز عدد مستخدميه 4.15 مليون مستخدم، معالِجاً مدفوعات بقيمة 11.85 مليار دينار في العام 2024. هذا التطور الرقمي ليس مجرد رفاهية تكنولوجية، بل هو أداة استراتيجية لتعزيز الشمول المالي، خاصة بين النساء والشباب واللاجئين، تماشياً مع الاستراتيجية الوطنية للاشتمال المالي (2023-2028). فتقليص الاعتماد على النقد الورقي يقلل تكاليف الدورة الاقتصادية ويزيد شفافية التدفقات المالية، وهو ما يخدم أهداف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي عالم ترتبط فيه الأموال بالنبضات الإلكترونية، يصبح الأمن السيبراني هو الجبهة الأولى للدفاع عن السيادة الوطنية. ولقد أثبت البنك المركزي الأردني رؤية ثاقبة في هذا المجال، مما جعل الأردن يتبوأ المرتبة الأولى عربيا والعشرين عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني الوطني (NCSI).
وهذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة لسياسات صارمة وأطر تنظيمية متقدمة. فقد حقق الأردن قفزة هائلة في المؤشر العالمي للأمن السيبراني (GCI)، التابع للاتحاد الدولي للاتصالات، متقدما 44 مركزاً ليصل إلى المرتبة 27 عالميا في العام 2024. إن حصول الأردن على درجة كاملة (100 %) في ثلاثة من المعايير الخمسة للتقييم السيبراني يعكس قوة البنية التحتية الرقمية التي يقودها البنك المركزي، بالتعاون مع المركز الوطني للأمن السيبراني.
وتعد تعليمات حوكمة البيانات التي أصدرها البنك المركزي، والمتوافقة مع المعايير العالمية مثل (GDPR)، حجر الزاوية في حماية الخصوصية المالية. تفرض هذه التعليمات قيوداً مشددة على تخزين البيانات في السحابات الإلكترونية، وتمنع مزودي الخدمات من حق التصرف في البيانات أو نقل ملكيتها، مع اشتراط وجود سيادة رقمية كاملة للدولة على المعلومات المالية الحساسة. كما يلزم البنك المؤسسات المالية باتباع خفة الحركة التشفيرية (Cryptographic Agility)، لضمان القدرة على تحديث أنظمة الحماية لمواجهة التهديدات المستقبلية.
كما أن البنك المركزي الأردني يخطط لما بعد العام 2030، واضعا الأردن في مصاف الدول التي تستعد لثورة الحوسبة الكمومية. تهدف الاستراتيجية الوطنية للحوسبة الكمومية التي يتبناها البنك إلى تحصين النظام المصرفي ضد التهديدات المستقبلية، التي قد تنجم عن قدرة الحواسيب الكمومية على كسر أنظمة التشفير التقليدية.
إن تبني مفهوم التشفير ما بعد الكم (Post-Quantum Cryptography) يعد خطوة استباقية لحماية البيانات المالية من هجمات احصد الآن وفك التشفير لاحقاً (arvest Now, Decrypt Later). كما يقود البنك ثورة في مجال الخدمات المصرفية المفتوحة (Open Banking)، حيث كان الأردن سباقاً في إصدار تعليمات منظمة تسمح لشركات الابتكار المالي بالوصول الآمن لبيانات العملاء (بموافقتهم)، لتقديم خدمات مخصصة. ويعد قبول شركة Fintech Galaxy في المختبر التنظيمي (JoRegBox) العام 2025، دليلاً على جدية البنك في خلق بيئة حاضنة للابتكار تجتذب الاستثمارات وتخلق فرص عمل نوعية للشباب الأردني.
ختاماً، تؤكد المعطيات الرقمية والتحليلات المؤسسية أن البنك المركزي الأردني نجح في إدارة معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على الثوابت النقدية، من جهة، وبين الانفتاح على التحولات التكنولوجية الكبرى من جهة أخرى، ليثبت أنه ليس مجرد خزانة للأموال، بل هو العقل المُنظم والمحرك الأساسي للاستقرار والتحول الرقمي.