الغد-عبدالرحمن الخوالدة
مع إعلان الحكومة برنامجها التنفيذي للأعوام المقبلة، والذي يتضمن حزمة واسعة من المشاريع والمبادرات، تعود الاستثمارات والشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) إلى واجهة المشهد الاقتصادي، بوصفها أحد المسارات التي تعول عليها الحكومة في تنفيذ برامجها دون تحميل الموازنة أعباء إضافية.
غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان البرنامج يمهد فعلا لمرحلة جديدة من الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، ومدى قدرة مشاريع الشراكة على أن تشكل نموذجا فاعلا لتعزيز التنمية على المستوى المحلي، في ظل تساؤلات موازية بشأن جاهزية بيئة الأعمال الوطنية لاستقطاب الاستثمارات عبر هذا النوع من المشاريع.
ويجمع خبراء اقتصاديون على أن التوسع في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) يشكل خيارا واقعيا للاقتصاد الأردني في ظل محدودية الحيز المالي وارتفاع كلف الاقتراض.
ومشاريع الـPPP هي الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وذلك من خلال عقود طويلة الأمد بين جهة حكومية وشركة خاصة لتصميم، بناء، تمويل، تشغيل، وصيانة مشاريع أو تقديم خدمات عامة، حيث يتقاسم الطرفان المخاطر والمكاسب.
وأكد هؤلاء في تصريحات خاصة لـ"الغد" أن هذا النموذج يمكن أن يسهم في تسريع تنفيذ المشاريع الكبرى، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات، بما يعزز فرص النمو وخلق فرص العمل.
في المقابل، يرى هؤلاء أن نجاح هذا التوجه يبقى مرهونا بجملة من الشروط، في مقدمتها تحسين الحوكمة، وضمان الشفافية، وتوضيح آليات تقاسم المخاطر والعوائد، إلى جانب تسريع الإجراءات وتخفيف التعقيدات الإدارية، وتوفير بيئة تشريعية وتنظيمية مستقرة ومحفزة.
وشدد الخبراء على أن تحويل مشاريع الشراكة إلى رافعة تنموية حقيقية يتطلب الانتقال من إدراج المشاريع في الخطط إلى إدارتها بمنهجية استثمارية متكاملة، تضمن تحقيق أثر اقتصادي وتنموي ملموس على المستوى المحلي.
وكانت أعلنت الحكومة أول من أمس تفاصيل البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029، الذي جرى إطلاقه تحت الرعاية الملكية السامية، حيث تضمن البرنامج حزمة واسعة من المشاريع والمبادرات المندرجة ضمن محركات رؤية التحديث، إلى جانب الكلف التأشيرية المخصصة لتنفيذها خلال الأعوام 2026–2028.
ووفقا للبيانات الحكومية، بلغت الكلفة التأشيرية الإجمالية للبرنامج للأعوام 2026–2028، قرابة 3.8 مليار دينار، توزعت على موازنة الوزارات والدوائر الحكومية بقيمة 2.2 مليار دينار، وموازنة الوحدات الحكومية والتمويل الذاتي بقيمة 343 مليون دينار، والمساعدات الخارجية بقيمة 1.2 مليار دينار.
مشاريع الـPPP خيار واقعي
وقال وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق يوسف منصور إن توجه الحكومة إلى التوسع في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) يعد خطوة ذكية ومناسبة للواقع الاقتصادي الوطني وقدراته المحدودة، مشيرا إلى أن هذه المشاريع يمكن أن تشكل أداة رئيسية لخلق التنمية الاقتصادية والخدمية المنشودة.
وأضاف منصور أن أهمية هذا النوع من المشاريع تكمن في مساهمته في تحسين قدرة الحكومة على إنجاز المشاريع الكبرى بوقت أسرع، إلى جانب استقطاب الاستثمارات اللازمة للمشاريع التطويرية والخدمية التي يحتاجها الاقتصاد المحلي، لافتا إلى أن العديد من الدول حققت نهضتها التنموية والاقتصادية من خلال هذا النموذج.
وأوضح أن مشاريع الشراكة تعد بمثابة توسيع فعلي للموازنة العامة وموارد الدولة، بما يخفف العبء المالي عن الحكومة، ويمنح العملية الاقتصادية بعدا حيويا ومرونة أكبر لتنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالقطاعات الأكثر حاجة لهذا النوع من المشاريع، أكد منصور أن مشاريع الشراكة غالبا ما تتركز في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية، مبينا أن الحاجة المحلية الملحة تنصب على قطاعي الطاقة والنقل، لما لهما من دور محوري في دفع عجلة الاقتصاد.
وأشار إلى أن ارتفاع كلف الطاقة محليا يفرض تبعات سلبية على الاقتصاد الوطني والقطاعات الإنتاجية، ما يستدعي التوسع في استقطاب مشاريع الشراكة إلى هذا القطاع، خاصة في مجالات الطاقة الخضراء والبديلة، بما يسهم في خفض كلف الطاقة على مختلف القطاعات، وزيادة الإنتاجية والقدرة التصديرية، بما ينعكس إيجابا على النمو الاقتصادي.
ولفت منصور إلى أن استقطاب الشراكة لتنفيذ هذا النوع من المشاريع يمر بمراحل متعددة ويخضع لجملة من الشروط التي تراعي المصالح الاقتصادية للدولة، مؤكدا أن طول أمد هذه المشاريع، والذي قد يتجاوز 30 عاما، يفرض تطبيق أعلى درجات الدقة والشفافية في صياغة الشروط والتفاهمات، لضمان حماية المصالح العليا للدولة.
ونوه منصور إلى وجود فرق جوهري بين الخصخصة ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، موضحا أن الخصخصة تعني نقل ملكية الأصول العامة كليا أو جزئيا إلى القطاع الخاص، في حين تقوم مشاريع الشراكة على عقود طويلة الأمد تحتفظ الحكومة بموجبها بملكية الأصول، بينما يتولى القطاع الخاص التمويل والتصميم والتشغيل والصيانة لفترة محددة، قبل أن تعود الأصول إلى الدولة.
وأكد أن نموذج الشراكة يتيح تقاسم الاختصاصات والمخاطر مع الحفاظ على السيطرة الحكومية على الأصول الاستراتيجية، بعكس الخصخصة التي تنتقل فيها الملكية والمخاطر والأرباح إلى القطاع الخاص.
ودعا منصور الحكومة إلى ضرورة تفادي الأخطاء التي رافقت خصخصة عدد من الشركات الحكومية سابقا، لا سيما في قطاعات الكهرباء والاتصالات والمياه، والتي ما يزال الاقتصاد الوطني يتحمل تبعاتها حتى اليوم.
إدارة حكيمة
بدوره، أكد المدير العام لجمعية رجال الأعمال الأردنيين طارق حجازي، أن مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) المطروحة في البرنامج التنفيذي تمثل خطوة مهمة نحو تحديث نموذج التنمية في الأردن، خاصة مع دخول مرحلة المشاريع الكبرى (2026 -2029)، مما يوفر حلولا تمويلية وتسهم في خلق فرص عمل في قطاعات حيوية مثل السياحة والخدمات، شريطة تحسين الحوكمة، وضمان الشفافية، وتقاسم المخاطر بشكل عادل، وتفعيل دور الجهاز الإداري الحكومي.
وأضاف أن نجاح هذه المبادرات يتطلب إدارة حكيمة للتوقعات وربطا مباشرا بين إنجاز المشاريع وتطوير قدرات الدولة للانتقال من الرؤى إلى الواقع العملي، مع ضرورة وضوح الآليات التنفيذية لتعظيم أثرها على الاقتصاد الوطني. كما أكد أن نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص يوفر إطارا مناسبا لتوزيع المخاطر وتحفيز الاستثمار، لكنه يحتاج إلى التكيف مع خصوصيات الاقتصاد الأردني الحالي، بما في ذلك حجم السوق، والتحديات التمويلية، وإطار التشريعات الداعمة.
وعلى الرغم من الفرص الكبيرة، أشار حجازي إلى وجود تحديات أساسية ما تزال تعيق مشاركة القطاع الخاص، أبرزها التعقيدات الإدارية، وتأخر إصدار التشريعات المنظمة، وصعوبات التمويل، وعدم وضوح العوائد المالية المتوقعة.وأوضح أن مشاريع PPP تمتلك إمكانات حقيقية لتعزيز التنمية الإقليمية وتحفيز الاقتصاد المحلي إذا تم اختيار القطاعات الاستراتيجية بعناية، مثل البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والسياحة، حيث يمكن أن يكون لها أثر مباشر على خلق فرص عمل مستدامة ودعم الصناعات المحلية.
وشدد على أهمية توفير بيئة تشريعية وتنظيمية محفزة، مع تعزيز الشفافية والمساءلة، لضمان ألا تقتصر الشراكات بين القطاعين العام والخاص على مشاريع محدودة التأثير، بل تصبح أدوات فعالة لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
توسيع قاعدة الاستثمار
من جانبه، أوضح مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن إدراج مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص يأتي ضمن البرنامج التنفيذي للأعوام 2026–2029 في سياق سعي الحكومة إلى توسيع قاعدة الاستثمار وتسريع تنفيذ مشاريع كبرى في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والسياحة والخدمات الرقمية.
وبين أن نموذج الشراكة ليس جديدا على الأردن، إذ صدر له قانون خاص قبل عدة سنوات وأُجريت عليه تعديلات لمواءمته مع ديناميات الاقتصاد الوطني، في المرحلة الحالية وسعت الحكومة نطاق القطاعات التي يجري إدماجها ضمن هذا النموذج وربطها مباشرة بمحركات رؤية التحديث الاقتصادي.
ويرى عوض انه يمكن أن يكون هذا تحولا حقيقيا في نموذج التنمية إذا ارتبط بقدرة الحكومة على الانتقال من مجرد إدراج المشاريع في الخطط إلى إدارتها بمنهجية استثمارية متكاملة، تقوم على إعداد حزم مشاريع قابلة للتمويل، وتقاسم واضح للمخاطر، وتسريع الإجراءات، وتحويل هذه المشاريع إلى رافعة حقيقية للنمو وفرص العمل.
وأضاف أنه من حيث المبدأ، يعد نموذج الشراكة مناسبًا للواقع الاقتصادي الأردني، في ظل محدودية الحيز المالي وارتفاع كلفة الاقتراض، والحاجة إلى استثمارات كبيرة في بنى تحتية استراتيجية كثيفة رأس المال مثل الطاقة والمياه والنقل. ويتيح هذا النموذج تعبئة موارد القطاع الخاص المحلي والأجنبي للمساهمة في تمويل وتنفيذ هذه المشاريع، بما يخفف العبء عن الموازنة العامة ويُسرّع وتيرة الإنجاز.
في المقابل أشار إلى أنه رغم وجود إطار تشريعي ناظم للشراكة وحزمة من الإصلاحات المؤسسية والإجرائية التي أعلن عنها البرنامج التنفيذي، ما تزال هناك تحديات تحد من حماس القطاع الخاص، ولا سيما المستثمر المحلي الكبير، للدخول في هذا النوع من المشاريع. وتتمثل أبرز هذه التحديات في بطء الإجراءات وتعدد المرجعيات، وطول دورة الترخيص والتعاقد.
ولفت عوض إلى أن هنالك حاجة إلى مزيد من التسهيلات العملية في الممارسات على الأرض، وتخفيف الأعباء البيروقراطية، بما يضمن تحويل مشاريع الشراكة إلى استثمارات منتجة تولّد فرص عمل لائقة وتُسهم في تحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز مسار التنمية الاقتصادية المستدامة.