الغد-رهام زيدان
يسعى الأردن إلى تعزيز حضوره في سوق الكهرباء الإقليمية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الإستراتيجي وشبكات الربط الكهربائي القائمة مع عدد من دول الجوار، في وقت تتزايد فيه الحاجة الإقليمية إلى تبادل الطاقة نتيجة تفاوت قدرات التوليد وارتفاع الطلب في عدد من دول المنطقة.
ويرى خبراء في قطاع الطاقة أن تحول المملكة إلى مركز إقليمي فعلي لتجارة الكهرباء ما يزال مرهونًا بقدرتها على تحقيق فائض إنتاج منخفض الكلفة، إلى جانب تطوير الأطر التنظيمية والتجارية اللازمة، وتوافر ظروف سياسية واقتصادية مستقرة تضمن استدامة عمليات التبادل الكهربائي عبر الحدود.
ويرتبط الأردن ومصر بشبكة ربط كهربائي منذ عام 1999، فيما بدأ الأردن في شباط (فبراير) 2024 تزويد الشبكة العراقية بالكهرباء عبر مشروع الربط بين البلدين الذي دُشّن في ذلك التاريخ، في خطوة تُعد بداية فعلية لدخول السوق العراقي كمستورد للكهرباء الأردنية.
كما يزوّد الأردن مناطق في فلسطين عبر شبكة شركة كهرباء محافظة القدس بنحو 80 ميغاواط، في حين وقعت شركة الكهرباء الوطنية عام 2020 اتفاقية لزيادة كميات الطاقة المصدّرة إلى الجانب الفلسطيني ضمن مشروع تعاون بدأ عام 2008، يشتري بموجبه الجانب الفلسطيني نحو 40 ميغاواط تُستخدم في إنارة مدينة أريحا ومنطقة الأغوار.
وكانت وزارة الطاقة والثروة المعدنية قد أعلنت في وقت سابق جاهزية المملكة لتصدير الكهرباء إلى سورية، في حال استكمال جاهزية خط الربط مع دمشق وتوافر الظروف الفنية اللازمة للتشغيل.
فائض الإنتاج منخفض الكلفة شرط أساسي
في هذا السياق، قال رئيس مجلس إدارة جمعية إدامة للطاقة والبيئة والمياه الدكتور دريد محاسنة إن قدرة الأردن على تصدير الكهرباء إلى الأسواق الإقليمية ترتبط أساسًا بوجود فائض إنتاج، وهو أمر لا يتحقق بصورة دائمة نتيجة التذبذب الموسمي في الطلب المحلي، حيث يرتفع الاستهلاك بشكل ملحوظ خلال فصل الصيف مقارنة ببقية فترات العام.
وأوضح أن ما يجري حاليًا مع بعض الدول المجاورة، وعلى رأسها مصر، يعتمد في كثير من الأحيان على مبدأ تبادل الإمدادات وفق الحاجة المتبادلة، وليس على تصدير ثابت ومستمر، مؤكدًا أن التصدير المجدي اقتصاديًا يتطلب توفر كهرباء منخفضة الكلفة تُمكّن الأردن من المنافسة في الأسواق المجاورة.
وأشار محاسنة إلى أن تباطؤ التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة الكبيرة خلال السنوات الأخيرة قلل من فرص امتلاك فائض كهرباء منخفض الكلفة يمكن توجيهه للتصدير، لافتًا إلى أن إلغاء عطاءات المرحلة الثالثة من مشاريع الطاقة المتجددة، التي كانت تنتج الكهرباء بكلفة تقل عن قرشين لكل كيلوواط ساعة، حرم المملكة من فرصة مهمة لتعزيز قدرتها التصديرية للكهرباء النظيفة.
وبيّن أن الفرصة ما تزال قائمة لتوسيع دور الأردن في سوق الكهرباء الإقليمي، بما في ذلك إمكانية تزويد دول مجاورة مثل سورية بالكهرباء، شريطة تسريع تنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة مستقبلًا، مؤكدًا أن الاعتماد على الغاز أو الطاقة المستوردة لإعادة تصدير الكهرباء يحقق جدوى اقتصادية محدودة مقارنة بإنتاج طاقة محلية منخفضة الكلفة.
الأردن كمحور لتبادل الكهرباء
من جانبه، قال مدير عام شركة الكهرباء الوطنية الأسبق الدكتور أحمد حياصات إن الموقع الجغرافي للأردن يمنحه فرصة حقيقية ليكون مركزًا إقليميًا لعدد من الأنشطة المرتبطة بقطاع الطاقة، وفي مقدمتها الربط الكهربائي وتبادل الطاقة بين الدول المجاورة.
وأوضح أن الأردن بدأ منذ مطلع الألفية تبادل الكهرباء مع مصر، وشهدت تلك المرحلة عمليات تبادل بأحجام كبيرة حققت فوائد اقتصادية وفنية للمملكة، إضافة إلى تبادل محدود مع سورية قبل أن يتوقف نتيجة الأحداث التي شهدتها هناك.
وأشار إلى أن الربط عاد تدريجيًا مع بدء تزويد سورية بالكهرباء، مع إمكانية إيصال الطاقة إلى لبنان عبر الأراضي السورية متى توفرت الظروف والقرارات السياسية اللازمة.
وأضاف حياصات أن هناك خططًا لرفع قدرة الربط الكهربائي بين الأردن ومصر إلى نحو 1000 ميغاواط، ما يفتح مجالًا أوسع لتبادل الطاقة، خاصة في ظل توجه مصر للربط الكهربائي مع السعودية، إلى جانب مشروع الربط الكهربائي القائم بين الأردن والسعودية، فضلًا عن استمرار تزويد منطقة أريحا بالكهرباء منذ سنوات.
وأكد أن فوائد الربط لا تقتصر على العوائد الاقتصادية المباشرة، بل تشمل أيضًا تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية في حالات الطوارئ أو الأعطال، من خلال الاستفادة من شبكات الدول المرتبطة.
وبيّن أن الأردن يمتلك فائضًا في بعض فترات العام، إذ رغم استهلاك معظم القدرة المركبة خلال ذروة الطلب الصيفية، فإن فترات أخرى تشهد فائضًا قد يصل أحيانًا إلى نحو ألف ميغاواط، ما يتيح فرصة لتصدير الكهرباء وتحقيق عوائد مالية إضافية.
تجارة الكهرباء تتطلب أطرا تنظيمية واضحة
بدوره، قال الخبير في شؤون الطاقة الدكتور فراس بلاسمة إن ملف الربط الكهربائي الإقليمي لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية، بل بات جزءًا من معادلة سياسية واقتصادية أوسع تتعلق بموقع الأردن في خريطة الطاقة الإقليمية ودوره المحتمل في تجارة الكهرباء العابرة للحدود.
وأكد أن الأردن يمتلك مقومات فنية جيدة، إلا أنه لم يحسم بعد خياره الإستراتيجي للتحول إلى لاعب إقليمي رئيس في تجارة الكهرباء، موضحًا أن هذا التحول يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا يعتبر تجارة الطاقة جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني.
وأشار إلى ضرورة تطوير الأطر التنظيمية، والاستثمار في أنظمة التحكم والقياس، وبناء تحالفات إقليمية تحمي الشبكة الكهربائية من التحول إلى أداة ضغط سياسي، مؤكدًا أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى سوق كهرباء منظمة ومحكومة بالقانون والعقود والإرادة السياسية.
وأوضح بلاسمة أن الربط مع مصر يُعد الأكثر استقرارًا وتشغيلًا حاليًا، ويسمح بتبادل مئات الميغاواط، مع توجه رسمي لرفع القدرة التبادلية مستقبلًا، مبينًا أن هذا الربط لا يقتصر على التصدير أو الاستيراد، بل يلعب دورًا مهمًا في موازنة الشبكة الكهربائية، خاصة مع ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة.
وبيّن أن الربط مع العراق يمثل أكبر فرصة تصديرية محتملة للأردن في ظل الفجوة الكبيرة بين الطلب العراقي وقدرات التوليد، إلا أن هذه الفرصة تبقى مشروطة باستكمال المراحل الفنية للربط، وتوفير ضمانات مالية وسيادية تقلل المخاطر التجارية والسياسية.
أما الربط مع سورية، فما يزال محدود التشغيل نتيجة الأوضاع الأمنية والعقوبات الدولية، ما يجعل أي توسع فيه قرارًا سياسيًا أكثر منه فنيًا.
وأكد أن التحول الحقيقي يكمن في الانتقال من التبادل الثنائي إلى تجارة كهرباء إقليمية منظمة، تقوم على قواعد واضحة تشمل تسعير استخدام الشبكات، وأنظمة قياس وتسوية دقيقة، وعقودًا قانونية ملزمة، وأطرًا تنظيمية لفض النزاعات العابرة للحدود.
نمو صادرات الكهرباء الأردنية ووفق أحدث بيانات صادرة عن شركة الكهرباء الوطنية، بلغت صادرات الشركة من الكهرباء خلال العام الماضي 379.1 جيجاواط ساعة، مقارنة بـ265.8 جيجاواط ساعة في العام الذي سبقه، بزيادة بلغت نسبتها 42.6 %.
وشملت الصادرات 227.3 جيجاواط ساعة إلى شركة كهرباء القدس، مقابل 168.1 جيجاواط ساعة في العام السابق، بزيادة نسبتها 35.2 %.
كما صدّرت الشركة 144.1 جيجاواط ساعة إلى الشبكة العراقية عبر الشركة العامة لنقل الطاقة في العراق، مقارنة بـ90.2 جيجاواط ساعة في العام الذي سبقه، بزيادة بلغت 59.2 %، إضافة إلى 7.8 جيجاواط ساعة إلى المركز الحدودي العراقي (طريبيل)، مقابل 7.2 جيجاواط ساعة في العام السابق.