أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    29-Jan-2026

ملف الأمن الغذائي: استجابة واعية للتحديات وخيار يرتقي بالسيادة والاستقرار

 الغد-عبد الله الربيحات

في سياق الرصد التحليلي لمسار الإنجازات المتحققة في العام الأول من ممارسة جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، يبرز قطاع الأمن الغذائي، كأحد أكثر القطاعات التي شهدت تحولات مؤسسية وإستراتيجية عميقة، تجاوزت منطق المعالجة الظرفية للأزمات، نحو بناء منظومة وطنية قادرة على التنبؤ بالمخاطر وإدارتها. 
 
 
وقد جاءت هذه التحولات، استجابة واعية لتحديات عالمية غير مسبوقة، لكنها في جوهرها تعكس خيارًا وطنيًا واضحًا، بوضع السيادة والأمان الغذائي في صميم منظومة الأمن الوطني الشامل والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستباقي 
يمثل التحول في منهج إدارة ملف الأمن الغذائي، أحد أبرز إنجازات العام الماضي، إذ انتقلت الدولة من نمط الاستجابة بعد وقوع الأزمات، إلى نموذج استباقي يعتمد على البيانات والتحليل والإنذار المبكر. وفي هذا الإطار، جرى إطلاق أول منظومة وطنية متكاملة، لرصد ومتابعة الأمن الغذائي، تستند على قاعدة بيانات ديناميكية، تجمع مؤشرات الإنتاج المحلي، والمخزون الإستراتيجي، والاستهلاك، والتجارة، والهدر الغذائي. وقد مكّن هذا التحول صانع القرار، من امتلاك أدوات دقيقة لرصد الاختلالات المحتملة في الوقت الفعلي، والتدخل المبكر لمعالجتها قبل أن تنعكس سلبًا على الأسواق أو المواطن.
قيادة ملكية وإجراءات استباقية مؤسسية
تجلّت الرؤية الاستباقية لجلالة الملك عبدالله الثاني في توجيهاته الواضحة بضرورة بناء منظومات قادرة على الاستشعار المبكر للمخاطر، وعدم الاكتفاء بضمان التوافر الآني للغذاء. وأوكلت متابعة هذه التوجيهات إلى المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات الذي اضطلع بدور محوري في الربط بين الرصد والتحليل واتخاذ القرار، بما عزز جاهزية الدولة للتعامل مع أي اضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد أو الأسواق الغذائية.
وفي هذا السياق، جرى تطوير أدوات متقدمة لرصد مراكز ومصادر الغذاء، وطرق الإمداد محليًا وخارجيًا، وتحليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، وتحديد نقاط الاختناق المحتملة في النقل والتخزين. ما أسهم بتحويل الأمن الغذائي من ملف يتأثر بالأزمات إلى ملف يُدار بمنطق التنبؤ وتقليل المخاطر.
المرصد الإقليمي للأمن الغذائي
وفي خطوة إستراتيجية تعكس انتقال الأردن من إدارة شأن وطني إلى دور إقليمي فاعل، وجّه جلالته بإنشاء المرصد الإقليمي للأمن الغذائي، الذي أصبح فعّالًا مع بداية هذا العام. ويشكّل هذا المرصد منصة متقدمة لتبادل البيانات وتحليل الاتجاهات الغذائية على مستوى الإقليم، ما يتيح للأردن قراءة المخاطر العابرة للحدود، مثل التقلبات في الأسواق العالمية، أو الأزمات المناخية في دول الجوار، والتخطيط الاستباقي للتعامل معها، بما يعزز أمنه الغذائي ويدعم الاستقرار الإقليمي في آن واحد.
حوكمة المخزون
ومن بين التحولات العملية المهمة، إطلاق لوحة وطنية ذكية لمراقبة مخزونات المملكة من السلع الغذائية الأساسية، تعتمد على التحديث الدوري والربط بين الجهات المعنية. وقد نقلت هذه اللوحة إدارة المخزون من نمط الجرد الدوري إلى نظام مراقبة لحظي، يوفّر صورة دقيقة عن مستويات التخزين، وفترات الأمان، ومصادر التوريد، وتوقيتات التدخل، ما عزز القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة، وحافظ على استقرار السوق رغم التقلبات العالمية.
الهدر الغذائي
وفي إنجاز معرفي غير مسبوق، أطلقت نتائج أول ثلاث دراسات وطنية شاملة لرصد هدر الغذاء عبر سلسلة القيمة، شملت الأسر، وقطاع الضيافة، والمؤسسات العامة. وأظهرت أن متوسط الهدر بلغ نحو 81.3 كغم للفرد سنويًا، مع تمركز النسبة الأعلى في القطاع المنزلي. كما أتاحت هذه البيانات المحلية الدقيقة، الانتقال من الخطاب العام إلى سياسات موجهة، تستهدف تغيير السلوك الاستهلاكي، وتقليل الفاقد، وحماية القوة الشرائية للأسر، فضلًا عن الحد من الاستنزاف غير المرئي للمياه والطاقة والموارد المالية.
تكامل مؤسسي وتشريعي
ترافق هذا التحول مع تعزيز ملموس للتنسيق المؤسسي، عبر تفعيل دور المجلس الأعلى للأمن الغذائي كإطار جامع لصناعة القرار، وتحسين التشريعات الداعمة لسلاسل الإمداد الغذائي. وقد انعكس ذلك بتسهيل إجراءات الاستيراد، وتعزيز التخزين الإستراتيجي، وضمان توافر السلع الأساسية للمواطن على مدار العام، رغم الاضطرابات في الأسواق العالمية.
كما اتجهت السياسات في هذا العام إلى تعزيز الإنتاج المحلي النوعي والمرن، خصوصًا في قطاعات الدواجن، والألبان، والزراعات المحمية، بما يسهم في رفع نسب الاكتفاء النسبي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد. كما جرى ربط الحد من الهدر الغذائي بمفاهيم الاقتصاد الدائري، عبر تشجيع تحويل المخلفات العضوية إلى أسمدة أو مصادر طاقة، ما يحول التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية واستثمارية.
إن ما تحقق في قطاع الأمن الغذائي العام الماضي، لا يُقاس فقط بمستويات المخزون أو استقرار الأسعار، بل بإعادة هندسة شاملة لفلسفة إدارة ملف الأمن الغذائي، قائمة على القيادة الاستباقية، والحوكمة الذكية، والتكامل بين الوطني والإقليمي. فقد انتقل الأمن الغذائي من ملف طوارئ إلى ركيزة من ركائز الأمن الوطني، ومن التقديرات العامة، إلى الرصد المحلي الدقيق، ومن العمل المجزأ إلى منظومة متكاملة.
وتؤسس هذه الإنجازات لمرحلة جديدة، يصبح فيها المواطن شريكًا في نظام غذائي أكثر ذكاءً ومرونة، تحمي فيه البيانات والسياسات المبنية على الأدلة دخله وصحته، وتضمن استدامة لقمة عيشه في مواجهة أي ظروف مستقبلية.