العقبة.. تطوير "الترانزيت" مفتاح لصعود المشهد اللوجستي العالمي
الغد-أحمد الرواشدة
العقبة- أمام مفترق طرق حاسم بين الاستفادة المؤقتة من الأزمات وتأسيس واقع اقتصادي مستدام، يفرض المشهد اللوجستي الإقليمي ضرورة ملحة لتحويل النمو الاستثنائي الذي تشهده الممرات التجارية الأردنية من استجابة لـ"طوارئ إقليمية" إلى "قاعدة اقتصادية دائمة" ترسخ مكانة المملكة كقلب نابض للتجارة العالمية.
ويتطلب الواقع اليوم استدامة هذه المكتسبات، وبقاء الأردن في صدارة خريطة الترانزيت الدولية، وضخ استثمارات نوعية لتسريع وتيرة تحديث البنية التحتية التكنولوجية، والتبني الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات المينائية، بالتوازي مع إقرار حزم غير مسبوقة من الحوافز الضريبية والجمركية الموجهة لشركات النقل متعدد الوسائط.
وتأتي هذه المتطلبات الإستراتيجية للبناء على المكتسبات التي حققتها الإجراءات الاستباقية الحكومية والجهود التنسيقية العالية، والتي أضفت مرونة فائقة على سلاسل التزويد، وفعّلت دور المملكة كممر لوجستي حيوي قادر على امتصاص صدمات التجارة العالمية وضمان تدفقها بكفاءة.
وفي سياق هذا التحول الهيكلي، يقول خبراء ومراقبون إن أمام صناع القرار والمستثمرين الإستراتيجيين "نافذة تاريخية لن تتكرر"، تفرض قراءة متأنية ومغايرة للمشهد الاستثماري، واستغلالا أمثل للفرص المتاحة، مؤكدين أن موانئ العقبة برزت كمنظومة اقتصادية وتجارية متكاملة الأركان، تعتمد على النقل متعدد الوسائط، الذي تتناغم فيه القدرات الاستيعابية للموانئ البحرية مع الإمكانات المتصاعدة لمطار الملكة علياء الدولي كمركز إقليمي للشحن الجوي، مدعومة بشبكة طرق برية دولية حديثة تربط قارات العالم القديم.
وأشاروا إلى أن هذا التكامل اللوجستي الشامل يخلق بيئة خصبة لتعظيم القيمة المضافة لتجارة الترانزيت، ويوفر بدائل تنافسية عالية الكفاءة للمستثمرين الباحثين عن تقليل التكاليف التشغيلية، واختصار مدد التوريد، وتأمين مسارات بديلة ومستدامة للتجارة العابرة للحدود.
وأضافوا أن هذه الديناميكية الاقتصادية تكتسب زخمها الأكبر في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة والاضطرابات الحادة التي تعصف بقطاعات الشحن الإقليمية والممرات الملاحية الإستراتيجية المعتادة، فاليوم تتجه أنظار كبريات شركات الملاحة وإدارة سلاسل التوريد العالمية نحو العقبة كشريان نابض وبوابة إستراتيجية لا غنى عنها لاختراق الأسواق الناشئة وتأمين تدفق البضائع.
مؤشرات نمو قياسية
وبحسب الخبير في قطاع اللوجستيات محمد عمرو، فإن العقبة أثبتت قدرتها التنافسية العالية كمنارة للاستقرار المالي والتجاري، مسجلة مؤشرات نمو قياسية نجحت من خلالها في إعادة توجيه بوصلة الخطوط الملاحية الكبرى، واستقطاب عمليات لوجستية ضخمة لشركات عالمية رائدة بحجم "توتال" و"إيرباص"، مما يعيد رسم خريطة تجارة الترانزيت في الشرق الأوسط، ويضع الاقتصاد الأردني في صدارة المشهد التجاري الدولي.
ومن زاوية أخرى، تقف التشريعات الاقتصادية كحجر زاوية لاستثمار هذه "النافذة التاريخية"، حيث يرى عمرو أن رأس المال اللوجستي جبان بطبعه ويبحث عن البيئات الأقل تعقيدا، مؤكدا أن التحول نحو النقل متعدد الوسائط (بحري-بري-جوي) يتطلب ثورة تشريعية موازية، تتمثل في إقرار مناطق لوجستية حرة معفاة من الرسوم لغايات الترانزيت حصرا، وتطبيق نظام (البيان الجمركي الموحد) الذي يسمح بانتقال البضائع من باخرة في العقبة إلى طائرة شحن في مطار الملكة علياء في غضون ساعات من دون تعقيدات بيروقراطية. وهذه الحوافز غير المسبوقة هي ما سيحول مرور البضائع من حالة اضطرارية إلى خيار استراتيجي دائم للشركات.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، يمثل الاستقرار الأمني والسياسي للمملكة "العملة الأغلى" في بورصة التجارة العالمية الحالية، حيث يقول عمرو إن الخريطة الملاحية في البحر الأحمر والشرق الأوسط يعاد رسمها اليوم بناء على مؤشر (الملاذ الآمن)، مبينا أن ما نشهده اليوم في العقبة هو إعادة تقييم شاملة للمخاطر من قبل مديري سلاسل التوريد حول العالم. وعندما تختار كيانات صناعية عملاقة تحويل مساراتها عبر الأردن، فهي تشتري "اليقين" في منطقة تعج باللايقين، لكن التحدي الأكبر أمام الحكومة والقطاع الخاص اليوم هو تحويل هذه العقود التشغيلية قصيرة الأجل إلى شراكات استراتيجية لعقود مقبلة، عبر تقديم ضمانات سيادية وتجارية تجعل من تفكير هذه الشركات في مغادرة الموانئ الأردنية مستقبلا أمرا غير مجد اقتصاديا.
ومن وجهة نظر الخبير الإستراتيجي في سلاسل الإمداد والنقل متعدد الوسائط، الدكتور طارق الخطيب، فإن العقبة تقف اليوم أمام فرصة ذهبية لتحويل التحديات الإقليمية إلى مكاسب إستراتيجية طويلة الأمد، مشيرا إلى أن تطوير منظومة الترانزيت هو المفتاح لصعود العقبة إلى صدارة اللوجستيات، عبر منظومة متكاملة من التخزين، وإعادة التصدير، والقيمة المضافة.
وأضاف أن تحول شحنات ضخمة، مثل شحنة المصنع الألماني من موانئ مجاورة إلى العقبة، يعد شهادة ثقة عالمية بمرونة الميناء الأردني وقدرته على تقديم حلول لوجستية متكاملة حتى في أصعب الظروف الإقليمية.
من جهته، يؤكد أمين عام نقابة ملاحة الأردن، الكابتن محمد الدلابيح، أن العقبة أنجزت حزمة من الإصلاحات المنظومية، شملت تسريع إجراءات التخليص الجمركي، وتعزيز الرقمنة في سلاسل الإمداد، إضافة إلى توسعة طاقتها الاستيعابية وتطوير منظومة الربط البري.
وأوضح الدلابيح، أن هذه الإجراءات مجتمعة أفضت إلى تقليص أوقات الانتظار، وخفض التكاليف التشغيلية، ورفع مستوى موثوقية الميناء لدى شركاء الشحن العالميين، مشيرا إلى المفارقة اللافتة المتمثلة في أن موجة الاضطرابات التي ضربت طرق الشحن الإقليمية في البحر الأحمر والممرات البحرية الأخرى لم تضعف موقع العقبة، بل عززته؛ إذ وجدت الشركات الباحثة عن بدائل موثوقة في ميناء العقبة خيارا جاهزا بفضل ما سبق إعداده من بنية تحتية وإطار تنظيمي ملائم، في حين اعتبر أن هذه التجربة تقدم نموذجا يحتذى به في إدارة القطاع الملاحي.
انتظام حركة البواخر
وبين أن نتائج التقرير الإحصائي الصادر عن النقابة لحركة السفن والبضائع عبر موانئ العقبة لشهر آذار (مارس) الماضي، مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2025، أظهرت ارتفاعا ملحوظا في عدد من المؤشرات الرئيسة، مقابل تراجع طفيف ومبرر في بعض القطاعات التصديرية، مؤكدا أنه رغم الظروف الإقليمية الراهنة، لم تتأثر واردات المملكة، بينما أشار إلى انتظام واضح في حركة البواخر الواصلة إلى ميناء العقبة، سواء عبر مضيق باب المندب أو من خلال طريق رأس الرجاء الصالح، ما يعكس مرونة سلاسل التزويد وقدرة القطاع البحري على التكيف مع المتغيرات.
وكانت نقابة ملاحة الأردن، أكدت أن دراسة خيار ميناء العقبة ومطار الملكة علياء الدولي ليكون مركزا للعمليات اللوجستية والشحن لعدد من الشركات الكبرى وصلت مراحل متقدمة، حيث أكد أمين سر النقابة، محمد عبد الهادي، أن شحنة لمصنع ألماني ضخم تم تحويلها من ميناء أم قصر إلى ميناء العقبة، لافتا إلى تشكيل لجنة لتطوير عمل الترانزيت في العقبة وإزالة أي عقبات قائمة.
وأشار عبد الهادي إلى استقرار سلاسل التوريد القادمة إلى المملكة، وعدم وجود أي نقص في المستوردات طوال الفترة الماضية، لافتا إلى وجود شحنات تجريبية ترسل حاليا عبر ميناء العقبة، مضيفا أن هناك اتصالات تجرى مع بعض الدول الخليجية لاعتماد ميناء العقبة لاستقبال وارداتها، بالإضافة إلى أن شركات أجنبية قررت اعتماد مدخل آمن ومستقر لبضائعها عبر الأردن، حتى في حال انتهاء الأزمات في مضيق هرمز أو توترات البحر الأحمر.
من جهته، يوضح أستاذ الاقتصاد البحري الدكتور سليمان النعيمات، أن اعتماد العقبة كمدخل آمن ودائم حتى بعد انتهاء الأزمات يمثل ما يعرف باستدامة الميزة التنافسية، مؤكدا أن تجربة الشركات العالمية للكفاءة الأردنية في التخليص وسرعة المناولة والأمان ستقود إلى إعادة صياغة عقود طويلة الأمد، في حين لفت إلى أن الشحنات التجريبية اليوم قد تتحول إلى استثمارات مليارية في المستقبل.
إلى ذلك، أكد رئيس مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، شادي رمزي المجالي، أن الإجراءات التي تبنتها الحكومة منذ بداية الأزمات المتلاحقة شكلت عاملا حاسما في الحفاظ على مكانة العقبة كمحور لوجستي رئيس في المنطقة.
وقال إن السلطة انتهجت مقاربة استباقية مدروسة تقوم على الاستعداد قبل وقوع الأزمات، مشيرا إلى أنه مع تصاعد التوترات الإقليمية، أطلق مجلس الوزراء منظومة متكاملة من الإجراءات الاحترازية، إلى جانب تقديم حزمة من الحوافز الاقتصادية لتعزيز سلاسل التوريد، شملت دعم قطاع النقل البحري وتكثيف التنسيق مع الجهات المعنية لتسهيل استقبال السفن وضمان استمرارية سلاسل الإمداد لمختلف أنواع البضائع عبر منظومة موانئ العقبة.
وبين المجالي أن هذه الإجراءات أسهمت في ضمان استمرارية عمل الموانئ دون انقطاع، مسجلة ارتفاعا ملحوظا في حجم مناولة البضائع، ما ساعد على توفير احتياجات السوق الأردنية من السلع الأساسية، لافتا إلى أن التسهيلات الاقتصادية الطارئة شجعت شركات الشحن على الإبقاء على العقبة ضمن مساراتها الملاحية.