أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    14-Jan-2026

إيران على حافة الانفجار.. عندما يلتقي خداع النفط مع جنون القوة*د.ميساء المصري

 الغد

ما يجري في هذه الساعات في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته كأحداث متفرقة أو ضجيج إعلامي أو سياسي عابر، بل هو لوحة واحدة مكتملة الأركان، عنوانها أن المنطقة تقف عند أخطر مفترق طرق منذ عقود. فتح إسرائيل للملاجئ النووية، وتسريب تعليمات للجيش الأميركي بدراسة سيناريوهات ضربة عسكرية ضد إيران، ليسا مجرد إجراءات احترازية، بل مؤشرات على أن ساعة الصفر تُقرَع بهدوء، وأن السكون الحالي هو بالفعل سكون ما قبل العاصفة. الأخطر في المشهد أن الشرارة هذه المرة لا تأتي فقط من حسابات الأمن أو النووي، بل من فشل اقتصادي وسياسي كبير تلقّاه دونالد ترامب في ملف نفط فنزويلا، فقرر أن يبحث عن تعويض بالقوة في مكان آخر.
 
 
إيران اليوم تعيش ضغطاً مركباً، داخلياً وخارجياً. في الداخل، هناك احتجاجات ذات طابع اقتصادي حقيقي ناتجة عن انهيار العملة والتضخم الخانق، وهي أزمات لا يمكن إنكارها. لكن تحويل هذه الاحتجاجات إلى مشهد ثورة شاملة هو جزء من حرب إدراك تُدار من الخارج بوضوح. قطع الإنترنت وعزل البلاد رقمياً لا يعكسان ضعفاً بقدر ما يعكسان استعداداً لسيناريو صدام كبير، ومحاولة لإغلاق ساحات الاختراق السيبراني التي لطالما استُخدمت لتفجير الفوضى من الداخل. نجاح إيران في تعطيل جزء كبير من اتصالات ستارلينك ليس تفصيلاً تقنياً، بل رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن زمن التفوق التكنولوجي الأميركي غير المحصَّن قد بدأ يتآكل.
في الخلفية، يتحرك محور دولي صاعد بثقة محسوبة. المناورات العسكرية المشتركة بين إيران والصين وروسيا وجنوب أفريقيا قرب طرق الملاحة الحساسة ليست استعراضاً فارغاً، بل إنذار مبكر بأن أي حرب على إيران لن تبقى محصورة جغرافياً. الحديث عن إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة في البحر الأحمر لم يعد من باب التهويل، بل بات جزءاً من معادلات الردع المعلنة. وعندما يخرج رئيس البرلمان الإيراني ليقول بوضوح إن أي ضربة أميركية ستُقابل باستهداف شامل للقواعد والسفن الأميركية، ومعها قصف مباشر لإسرائيل، فنحن أمام عقيدة ردع هجومية لا لبس فيها.
من هنا يمكن فهم الاستعداد الإسرائيلي. بفتح الملاجئ النووية في قلب الكيان الصهيوني وهو إجراء ثقيل الكلفة سياسياً ونفسياً، ولا يتم إلا عندما تكون القيادة مقتنعة أن الصواريخ قد تنطلق في أي لحظة. إسرائيل تدرك أن أي حرب مع إيران لن تكون كسابقاتها مع غزة أو لبنان، بل ستكون حرب أعماق، صواريخ دقيقة، ومدن صواريخ تحت الأرض، واستنزافاً وجودياً غير مسبوق.
فنزويلا لم تكن بالنسبة لترامب مجرد دولة نفطية منهكة، بل كانت رهانًا إستراتيجيًا لكسر أحد أهم شرايين الطاقة التي تغذي الصين. السيطرة على نفط فنزويلا كانت تعني عمليًا تجفيف مصدر حيوي من مصادر الإمداد الصيني، أو على الأقل إخضاعه للشروط الأميركية. لكن الصدمة جاءت قاسية، نفط ثقيل، مكلف، يحتاج إلى مصافٍ غير موجودة في الولايات المتحدة، بينما تملك الصين وحدها القدرة التقنية على تكريره. وتحول المشروع من أداة ضغط على بكين إلى عبء اقتصادي وسياسي بلا جدوى. وفي مثل هذه اللحظات، يلجأ السياسي الشعبوي إلى أقصر الطرق، افتعال معركة خارجية يعيد من خلالها رسم صورة القوة والقائد القوي.
تصريحات ترامب المتناقضة حول التفاوض مع إيران لا يمكن فصلها عن هذا السياق. هي إما محاولة لشراء الوقت، أو تكتيك تضليلي كلاسيكي لتهدئة الأسواق والرأي العام قبل الضربة. في كلتا الحالتين، الرسائل العسكرية على الأرض، من تحركات الإجلاء للرعايا الأجانب والقاذفات وطائرات التزوّد بالوقود إلى نشاط الطائرات المسيّرة، تقول إن خيار القوة موضوع على الطاولة بجدية.
الخطأ الإستراتيجي القاتل هنا هو الاعتقاد بأن إيران يمكن أن تُعامل كفنزويلا أخرى. إيران ليست نظاماً هشاً قائماً على شخص، بل بنية أيديولوجية وعسكرية واقتصادية متشابكة، عمودها الفقري الحرس الثوري، وامتداداتها الإقليمية والدولية عميقة. أي ضربة لن تفتح باب الانهيار، بل باب الفوضى الشاملة.
نحن إذاً أمام لحظة تاريخية دقيقة، حيث يتقاطع فشل النفط مع جنون الهيمنة، وحيث قد تُشعل ضربة واحدة سلسلة تفاعلات لا يمكن إيقافها. هذا التحول مرتبط أيضًا بحسابات داخلية خليجية. ترى أن أي انفجار إقليمي واسع سيضرب الاستثمارات، والملاحة، والاستقرار، وهو ما يفسر تجنبها دعم أي سيناريو قد يؤدي إلى انهيار مفاجئ في إيران. السؤال الذي يُطرح اليوم في الخليج ليس أخلاقيًا ولا أيديولوجيًا، بل أمني بحت، أيهما أخطر، تغيير غير محسوب في دولة بحجم إيران، أم تآكل بطيء يمكن احتواؤه؟ الغالبية تميل إلى أن الانفجار المفاجئ هو السيناريو الأسوأ.
 السؤال لم يعد هل ستقع الحرب، بل كيف سيكون شكل العالم بعدها، ومن سيدفع ثمن مقامرة جديدة تُدار من غرف مغلقة، بينما الشرق الأوسط كله موضوع على طاولة النار. لأنه كما يبدو من حسابات وتخوف دول الخليج، لا يحتمل مفاجأة كبرى جديدة، ولا دولة مركزية أخرى تسقط وتترك الجغرافيا مفتوحة على شهية القوة والفوضى معًا.