الغد-رهام زيدان
أكد خبراء أن خفض نسبة الفاقد في قطاع الكهرباء الأردني يشكل رافعة أساسية لتقليص الكلف التي يتحملها النظام الكهربائي وتعزيز استدامة الشبكات ورفع مستوى جودتها وكفاءتها التشغيلية.
وبحسب هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، يُعرف الفاقد الكهربائي بأنه الفرق بين الطاقة التي تُشترى وتلك التي تُباع، وينقسم إلى فاقد فني ناتج عن خصائص شبكات النقل والتوزيع، وفاقد غير فني مرتبط بالسرقات والتلاعب بالعدادات والاستجرار غير المشروع.
ويعد خفض هذه النسبة تحديًا محوريًا يؤثر مباشرة في كفاءة النظام وكلفته، فيما تعمل الهيئة بالتعاون مع هيئة الطاقة الأردنية وشركات الكهرباء على الحد منه عبر إجراءات تنظيمية وفنية متكاملة.
وتشير آخر أرقام صادرة عن شركة الكهرباء الوطنية إلى أن نسبة الفقد على شبكة النقل بلغت عام 2024 نحو %1.76 مقارنة مع 1.81 % العام الذي سبقه، فيما تشير أرقام هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن إلى أن نسبة الفقد على شبكات التوزيع بلغت 11.85 % مقارنة مع %12.56 خلال فترة المقارنة ذاتها.
وقال الخبير في شؤون الطاقة د. فراس بلاسمة إن "البيانات التراكمية المتاحة تشير إلى أن نسبة الفاقد الكهربائي في الأردن ما تزال أعلى من المستويات المقبولة مقارنة بدول تمتلك هياكل شبكية وظروف تشغيل مماثلة".
وأوضح أن استمرار هذه النسب المرتفعة ينعكس بخسائر مالية مباشرة على شركات الكهرباء، ويُشكّل ضغطًا متزايدًا على التعرفة الكهربائية، فضلاً عن رفع الكلفة الفعلية للكيلوواط/ساعة، وزيادة غير مبررة في الحاجة إلى قدرات توليد إضافية كان بالإمكان تجنبها لو جرى ضبط الفاقد.
وأضاف بلاسمة: "الأبعاد الاقتصادية للفاقد الكهربائي تتجاوز الخسائر التشغيلية المباشرة، إذ يمثل استنزافًا للعملة الأجنبية نتيجة زيادة استيراد الوقود لتغطية طاقة مهدورة، كما يشكّل عبئًا ماليًا غير منتج على الموازنة العامة، وعاملاً مضاعفًا لعجز القطاع الكهربائي، إلى جانب كونه عائقًا أمام تنافسية القطاع الصناعي بسبب ارتفاع كلف الطاقة".
ولفت إلى أن التقديرات الفنية تشير إلى أن خفض الفاقد بنسبة 1 % فقط يمكن أن يحقق وفراً سنوياً يقاس بعشرات الملايين من الدنانير، دون الحاجة إلى أي توسع في قدرات التوليد. وعلى الصعيد الفني، بيّن بلاسمة أن أسباب الفاقد تتوزع بين شبكات النقل وشبكات التوزيع.
ففي شبكات النقل، يبرز طول الشبكة مقارنة بالأحمال، وقدم بعض المكونات، إضافة إلى محدودية أنظمة المراقبة اللحظية للأحمال والفواقد. أما في شبكات التوزيع، فتتمثل الإشكاليات في اختناقات المحولات، وعدم توازن الأحمال، وقدم الشبكات في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، إلى جانب ضعف تعميم أنظمة القياس الذكي، ما يحد من القدرة على الرصد والمعالجة المبكرة. وفيما يتعلق بالأبعاد الحوكمية والتنظيمية، أشار إلى أن أحد التحديات الرئيسية يتمثل في غياب التعامل مع الفاقد غير الفني باعتباره قضية اقتصادية وطنية، إضافة إلى تداخل الأبعاد الاجتماعية مع متطلبات حماية الشبكة، وضعف الردع القانوني في بعض الحالات، وغياب التكامل بين قواعد البيانات لدى الجهات الخدمية المختلفة، الأمر الذي يحد من فعالية المتابعة والمساءلة.
وأكد بلاسمة أن التجارب الدولية تظهر بوضوح أن خفض الفاقد بشكل مستدام لا يمكن أن يتحقق دون تبني مسار جاد للتحول الرقمي، يشمل تعميم العدادات الذكية، وتطبيق أنظمة متقدمة لإدارة شبكات التوزيع (ADMS)، واستخدام التحليل التنبؤي للأحمال، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف الفاقد غير الفني، إلى جانب إنشاء منصة وطنية موحدة لمراقبة الفاقد وتحليل بياناته بشكل لحظي.
وحول السياسة المقترحة، شدد على أهمية وضع أهداف واضحة ومحددة زمنياً، أبرزها خفض الفاقد الكهربائي الكلي إلى أقل من 10 % خلال فترة زمنية متفق عليها، وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة، وتقليل الكلف التشغيلية للقطاع، وحماية المال العام، ودعم استقرار التعرفة الكهربائية بما يحقق عدالة أكبر بين المشتركين.
ودعا بلاسمة إلى جملة من التوصيات التنفيذية، من بينها اعتماد خفض الفاقد كمؤشر وطني لأداء قطاع الطاقة، وإلزام شركات التوزيع بخطط خفض مرحلية قابلة للقياس، وربط الحوافز التنظيمية بتحقيق خفض فعلي للفاقد، وإطلاق برنامج وطني شامل للعدادات الذكية، وتشديد العقوبات على الاعتداءات على الشبكة، إلى جانب إنشاء وحدة مركزية لتحليل بيانات الفاقد، وتفعيل إشراف فني مركزي من شركة الكهرباء الوطنية على مؤشرات الفاقد.
وأكد بلاسمة أن خفض الفاقد الكهربائي لا يُعد مشروعًا تقنيًا محدودًا، بل يمثل سياسة إصلاح هيكلي تمس جوهر الأمن الطاقي والاستقرار المالي وعدالة التعرفة، مؤكدًا أن أي توسع في التوليد دون معالجة الفاقد هو إضافة كلفة جديدة دون التصدي لأصل الخلل في المنظومة.
وحاولت "الغد" الحصول على رد من هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، لكن الأخيرة لم تستجب.
وقال المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية م. عبدالفتاح الدرادكة إن "الفاقد الكهربائي يعتبر عنصرًا مهمًا من العناصر الرئيسة في كلفة إنتاج الكهرباء، ومع زيادة كلف إنتاج الكهرباء نتيجة ازدياد الطلب وارتفاع أسعار الوقود، وعليه فإن هناك أهمية كبيرة لتخفيض الفاقد من خلال رفع كفاءة الشبكة الكهربائية وتحسين أدائها".
ويندرج تحت ذلك أيضًا وفقًا للدرادكة اختيار مكونات الشبكة الكهربائية سواء في جانب النقل أو التوزيع من نواقل ومتممات ووصلات مناسبة، وكذلك تبني أنظمة نقل مناسبة.
كما أوضح الدرادكة أنه كلما ارتفع الجهد الكهربائي انخفض الفاقد الفني، علمًا أن الفاقد نوعان، أولهما فاقد فني يعتمد على طبيعة النظام الكهربائي من حيث الشبكة ونوعية المواد المكونة لها، وبشكل عام فإن النسب العالمية للفاقد الفني تكون ما يقارب 6 %، أما في النظام الكهربائي الأردني فتتراوح بين 6-8 %، من ضمنها 1.76 % فاقد شبكة النقل، والتي تعتبر من أقل النسب عالميًا.
أما الفاقد الإداري أو العبث، فهو عملية سرقة للتيار الكهربائي بكل معنى الكلمة، من خلال إيصال التيار بشكل غير قانوني أو إجراء توصيل يمكّن المستهلك من استهلاك تيار لا يمر بالعداد، وتتراوح النسبة في نظام التوزيع الكهربائي بين 4-5 %، علمًا أن جزءًا كبيرًا من هذا الفاقد تستردّه شركات التوزيع من خلال التحصيل بعد إيجاد أو اكتشاف العبث، بالإضافة إلى غرامة مرتفعة تطبقها شركات التوزيع، ومن المتوقع أن تتناقص نسبة هذا الفاقد بشكل كبير جدًا بعد إتمام تركيب العدادات الذكية.
من جانبه، وصف المدير العام الأسبق لشركة الكهرباء الوطنية، د. أحمد حياصات، ضبط الفاقد الكهربائي وخفض نسبته بأنه يعادل من حيث الأثر إضافة وحدات توليدية جديدة، نظرًا لحجم الطاقة التي يمكن توفيرها عبر إجراءات فعالة دون تكاليف إنشاء محطات توليد إضافية. وأوضح أن الطاقة الموفرة تعد طاقة قابلة للاستخدام على الشبكات، وتسهم في تحسين كفاءة الشبكات والمعدات، سواء في شبكة النقل التي تنقل الطاقة من مصادر التوليد إلى شبكات التوزيع، أو في شبكات التوزيع التي توصل الكهرباء إلى المستهلكين النهائيين.
وبيّن حياصات أن الفاقد يظهر في شبكات التوزيع أكثر من شبكات النقل نتيجة ارتفاع نسب الفاقد غير الفني، ولا سيما سرقات الكهرباء، التي قد تصل محليًا إلى نحو 12 %، مقارنة بمعدلات عالمية تتراوح بين 6 % و7 %.
وأشار إلى أن التوسع في استخدام العدادات الذكية وتطوير الشبكات الذكية يسهم بشكل مباشر في الحد من السرقات والتلاعب بالتيار، مؤكدًا أن تحقيق ذلك يتطلب استثمارات مالية كافية وبرامج تأهيل فني وتقني للبنية التحتية للشبكات.