أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Aug-2017

التقاعد المبكر.. أعمق من أزمة راتب!*ماجد توبة

الغد-على مدى نحو ساعتين استمعنا لمديرة عام مؤسسة الضمان الاجتماعي ناديا الروابدة وعدد من الخبراء والمعنيين، حول اتساع ظاهرة اللجوء للتقاعد المبكر من الضمان الاجتماعي. المؤسسة أطلقت حملة اعلامية تحت شعار "بكّير على تقاعدك"، للتحذير من أن التقاعد المبكر يؤثر على مصلحة المشترك نفسه، لجهة خفض ما يتقاضاه من تقاعد بحالة المبكر، ولتأثيره سلبيا أيضا على سوق العمل والاقتصاد الوطني جراء انسحاب فئات كبيرة ذات خبرة ومؤهلات من السوق.
الروابدة أشارت بجلسة حوارية إلى أن عدد المتقاعدين على نظام "المبكر" وصل إلى (95) ألفا، يمثلون نحو  (47 %) من إجمالي متقاعدي الضمان. وحذرت من أنها نسبة عالية جداً تؤدّي لاستنزاف حقيقي لفاتورة التقاعد؛ حيث يستحوذ متقاعدو المبكر على (58 %) من الفاتورة الشهرية للرواتب التقاعدية مجتمعة.
طبعا، ما لم تتحدث عنه الجلسة هو تأثير اتساع ظاهرة الإقبال على التقاعد المبكر، الذي يتيحه قانون الضمان وفق شروط وأسس معينة، على موازنة واستقرار موجودات الضمان على المديين المتوسط والبعيد، ولا شك أن تزايد أعداد المستفيدين من التقاعد المبكر يؤثر سلبيا على مثل هذا الاستقرار المالي للمؤسسة مستقبلا، ما يطرح على إدارة المؤسسة والحكومة، بل والمجتمع كله، تحديّات عديدة لمواجهة مثل هذا المستقبل.
وبعيدا عن لغة الأرقام، فإن ظاهرة الإقبال الشديد على التقاعد المبكر أمر ملموس ومحسوس في المجتمع الأردني، رغم ما يجره التقاعد المبكر على صاحبه من انخفاض مستوى الدخل حيث "ينخسف" الراتب التقاعدي إلى أقل من النصف في غالب الحالات إن لم يكن أكثر، إضافة لوقوع المتقاعد، وهو بعمر صغير نسبيا، في براثن البطالة وعدم العمل والفراغ شبه القاتل، خاصة أن الرهان على الراتب المتواضع للتقاعد المبكر والالتحاق بعمل آخر لم يعد مجديا، في ظل اتساع حجم البطالة وتراجع النمو الاقتصادي ومحدودية فرص العمل مع تزايد أعداد الخريجين والداخلين لسوق العمل.
لا يمكن لأحد أن يلوم الناس على اتخاذ قرارات، كما في موضوع التقاعد المبكر، في ظل حالة عدم اليقين التي تعيشها شرائح اجتماعية واسعة في المجتمع، في ظل التردّي الاقتصادي والمعيشي، وارتفاع كلف المعيشة وتآكل الدخول المتواصل منذ سنوات، بينما تتسع دائرة البطالة والتهميش الاقتصادي، وتضطر العديد من المؤسسات والشركات بمختلف القطاعات لترشيد نفقاتها وتخفيض أعداد موظفيها، وتقلّص فرص العمل التي يولدها الاقتصاد الأردني بمعطياته الحالية والمأزومة.
قد يفسر ذلك جانبا مهما من ظاهرة الإقبال على التقاعد المبكر، بحثا عن نوع من الأمان المتوهم في ظل هذا الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب، والذي يواصل تردّيه بلا أفق قريب للخروج من عنق الزجاجة.
جانب آخر، قد يلقي الضوء على اتساع ظاهرة اللجوء للتقاعد المبكر من قبل الأردنيين، هو ما يتعلق بالانطباع، ولا نقول الحقيقة أو الواقع، لدى أوساط شعبية واسعة بأن الوضع المالي لمؤسسة الضمان قد لا يكون مستقرا على المدى البعيد، وأن ثمة خشية من الوصول لمرحلة تتراجع فيها قدرة المؤسسة على تأمين التزامات المتقاعدين والمستفيدين من خدماتها. هو انطباع، وحتى لو كان غير صحيح، موجود لدى أوساط شعبية ويحتاج لعمل طويل للتقليل من آثاره السلبية، وقد نتج أساسا –حسب رأيي- عن تجارب استثمارية فاشلة ومتعثرة كثيرة أقدمت عليها المؤسسة والحكومات في سنوات سابقة، تركت مثل هذا الانطباع  السلبي.
حملة التوعية التي أطلقتها المؤسسة للحد من الإقبال على التقاعد المبكر أمر مهم، لكن من المهم أيضا تنويع وتعظيم الاستثمارات الآمنة لأموال الضمان، مع التشديد على الحوكمة والشفافية بالأداء، ما يزيل أية انطباعات سلبية خلفتها سنوات سابقة.
كما يجب أن ينظر لمواجهة هذه الظاهرة ضمن نظرة شمولية، لا تتوقف فقط عند مؤسسة الضمان وحملات التوعية، بل تشمل مجمل أداء الاقتصاد الوطني الذي يحتاج إلى سياسات وبرامج إنعاش حقيقية، تكون قادرة على تحفيز النمو وتوليد فرص العمل، والحد من رحلة الانحدار المتواصلة منذ سنوات لمستويات المعيشة!