من الهامش إلى المركز.. هل تحوّل الأزمة الفنزويلية مسار أسواق النفط العالمية؟*لما جمال العبسه
الدستور
في مطلع العام الحالي، وجدت أسواق النفط العالمية نفسها أمام أزمة جديدة قادمة من فنزويلا، بعد اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وإعلان واشنطن نيتها الانخراط المباشر في قطاع النفط الفنزويلي، فبالرغم من أن إنتاج فنزويلا الحالي لا يتجاوز مليون برميل يومياً، أي أقل من 0.8% من الإمدادات العالمية، فإن امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم-يناهز 303 مليارات برميل- يجعل أي اضطراب سياسي فيها عاملاً مؤثراً على توقعات السوق المستقبلية.
المفارقة هنا أن هذا الاحتياطي الضخم لم يتحول إلى قوة إنتاجية فعلية، فمنذ العام 2013، تراجع الإنتاج إلى أقل من نصف مستوياته السابقة، بفعل العقوبات الدولية، انهيار الاقتصاد، ونقص الاستثمار والصيانة، ما أدى إلى تآكل البنية التحتية النفطية هناك وتقليص القدرة الإنتاجية، هذه الفجوة بين الإمكانات والواقع هي التي جعلت الأزمة الفنزويلية محط أنظار المستثمرين وصناع القرار.
على المستوى الفوري، ورغم الضجة السياسية التي أثارتها الأزمة، فإن تأثيرها المباشر على السوق ظل محدوداً بفعل عوامل أكبر حجماً، فسياسات منظمة أوبك+ التي تدير المعروض عبر تخفيضات وإعادة توزيع الحصص، وفرت مظلة استقرار نسبية حالت دون أن تتحول الأزمة إلى صدمة سعرية واسعة، كما أن فائض المخزونات العالمية وتزايد إنتاج بعض الدول الأعضاء في المنظمة، إلى جانب تباطؤ الطلب العالمي نتيجة التضخم وتراجع القدرة الشرائية في الأسواق الكبرى، كلها عوامل قللت من القلق بشأن فقدان الإمدادات الفنزويلية، بهذا المعنى، بقيت الأزمة حتى الآن في إطار مخاوف نفسية أكثر منها تحولاً هيكلياً في معادلة العرض والطلب.
لكن انعكست الأزمة في ارتفاع طفيف لعلاوة المخاطر، فيما بقي التأثير السعري محدوداً، فأسعار النفط استقرت قرب 61 دولاراً للبرميل، لكن طبيعة الخام الفنزويلي الثقيل، الذي يشكل أكثر من ثلثي الإنتاج، يعني أن أي انقطاع طويل قد يضغط على أسعار المنتجات المكررة، حتى لو بقي الأثر العام على السوق محدوداً.
البعد السياسي يضيف طبقة جديدة من التعقيد، البعض يرى في إعلان امريكا نيتها الانخراط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي يفتح الباب أمام سيناريو إعادة بناء البنية التحتية عبر الشركات الأميركية، وهو ما قد يجعل ما حدث نقطة تحول استراتيجية في سوق الطاقة العالمية، فيما توقعات ترجح أن يبقى الأثر الفعلي للإنتاج الفنزويلي هامشياً، وأن أي ارتفاع في الأسعار لن يتجاوز نطاقاً مؤقتاً بين 70 و80 دولاراً قبل أن يتراجع سريعاً.
هكذا، تتباين القراءات بين من يرى الأزمة مجرد صدمة نفسية قصيرة الأمد، ومن يتوقع أن تكون بداية لإعادة رسم خريطة النفوذ في قطاع الطاقة، وفي المدى المنظور، تبدو الأزمة الفنزويلية سياسية أكثر منها هيكلية، لكن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال توسع المواجهة إقليمياً، وتحول فنزويلا من ملف نفطي معزول إلى شرارة اضطراب أوسع في معادلة أمن الطاقة العالمي.
إن مستقبل النفط الفنزويلي يتأرجح بين سيناريو الانكفاء الداخلي وسيناريو الانفتاح الاستراتيجي، وكلاهما يحمل انعكاسات عميقة على أسواق الطاقة، وحتى وإن كان أثرها الحالي هامشياً، فإن امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم يجعلها رقماً صعباً لا يمكن تجاهله، لأن السياسة قادرة على تحويل الهامش إلى مركز في لحظة واحدة.