الغد
جاء الاجتماع الأول لمجلس إدارة مصرف البحرين المركزي لعام 2026 برئاسة الأخ العزيز حسن خليفة الجلاهمة ليعكس استمرار النهج المؤسسي الذي يقود السياسة النقدية والرقابية في المملكة. ويأتي هذا الاجتماع في وقت تتزايد فيه أهمية القطاع المصرفي باعتباره أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي.
وتكشف المؤشرات التي استعرضها المجلس عن صورة واضحة لقوة الجهاز المصرفي البحريني واستقراره، وهي مؤشرات تعكس في جوهرها متانة البنية المالية للمملكة وفعالية السياسات الرقابية التي ينتهجها مصرف البحرين المركزي منذ عقود.
أولى هذه المؤشرات تتعلق بمستويات السيولة في الاقتصاد الوطني. فقد بلغ عرض النقد الواسع (M3) نحو 16.7 مليار دينار بحريني في نهاية يناير 2026، بزيادة قدرها 0.7 مليار دينار مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. ويعد عرض النقد من أهم المؤشرات النقدية التي تعكس حجم السيولة المتاحة في الاقتصاد، إذ يشمل النقد المتداول والودائع بمختلف أنواعها في الجهاز المصرفي. وارتفاع هذا المؤشر يدل على توفر مستويات مريحة من السيولة داخل الاقتصاد، وهو عنصر أساسي لاستمرار النشاط الاقتصادي وتمويل الاستثمارات والأنشطة التجارية.
ويكتسب هذا الارتفاع أهمية إضافية إذا ما نظرنا إليه بالتوازي مع نمو ودائع القطاع الخاص في مصارف التجزئة، حيث بلغت 14.1 مليار دينار في نهاية يناير 2026، مسجلة نمواً سنوياً قدره 6.2%. ويعد نمو الودائع من أهم المؤشرات على الثقة في النظام المصرفي، إذ يعكس اطمئنان الأفراد والشركات إلى سلامة الجهاز المصرفي وقدرته على حماية أموالهم وإدارتها بكفاءة. كما أن هذه الودائع تمثل المصدر الرئيسي للتمويل الذي تعتمد عليه البنوك في تقديم القروض والتسهيلات الائتمانية للاقتصاد.
وفي جانب التمويل المصرفي، تشير البيانات إلى أن الرصيد القائم للقروض والتسهيلات الائتمانية المقدمة للقطاعات الاقتصادية المقيمة بلغ نحو 12.9 مليار دينار في نهاية يناير 2026، بزيادة سنوية بلغت 5.4 %.
ويعكس هذا النمو استمرار دور البنوك في دعم النشاط الاقتصادي وتمويل الشركات والأفراد.
أما على مستوى حجم القطاع المصرفي، فقد بلغت الميزانية الموحدة للجهاز المصرفي في البحرين نحو 250.3 مليار دولار أميركي في نهاية يناير 2026، بزيادة قدرها 1.6 % مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. ويعد هذا الرقم مؤشراً مهماً على المكانة المالية الدولية للبحرين، إذ يعكس حجم الأنشطة المصرفية والاستثمارية التي تستضيفها المملكة، كما يعكس الثقة الإقليمية والدولية في البيئة المالية والتنظيمية التي توفرها البحرين.
ومن أهم مؤشرات السلامة المالية أيضاً نسبة كفاية رأس المال في القطاع المصرفي، والتي بلغت 21.8 % في نهاية الربع الرابع من عام 2025 مقارنة بـ 21.2 % في الفترة نفسها من عام 2024. وتفوق هذه النسبة بكثير الحد الأدنى الذي تحدده المعايير الدولية في إطار اتفاقيات بازل، ما يعكس قدرة البنوك البحرينية على مواجهة المخاطر المحتملة وامتصاص الصدمات المالية. وتعني هذه النسبة عملياً أن البنوك تمتلك مستويات عالية من رأس المال مقارنة بحجم المخاطر التي تتحملها، وهو ما يعزز متانة الجهاز المصرفي واستقراره.
كما تظهر البيانات النمو القوي في الصناديق الاستثمارية الإسلامية التي ارتفعت أصولها إلى 2.338 مليار دولار بزيادة سنوية بلغت 21.45 %، ما يعكس استمرار نمو صناعة التمويل الإسلامي في البحرين وتعزيز موقعها كمركز إقليمي وعالمي في هذا المجال.
وفي جانب آخر يعكس تطور البنية المالية الحديثة، تشير بيانات أنظمة المدفوعات إلى استمرار التوسع في استخدام وسائل الدفع الرقمية. فقد بلغت نسبة العمليات التي تتم باستخدام البطاقات اللاتلامسية نحو 73.6 % من إجمالي عدد العمليات في نقاط البيع، و50.2 % من إجمالي القيمة. ويؤكد هذا التحول المتسارع نجاح إستراتيجية التحول الرقمي التي يقودها مصرف البحرين المركزي بالتعاون مع البنوك، والتي ساهمت في تطوير أنظمة المدفوعات وتسهيل المعاملات المالية للأفراد والشركات.
إن قراءة هذه المؤشرات مجتمعة تقدم صورة واضحة عن قوة ومتانة الجهاز المصرفي في البحرين. فارتفاع مستويات السيولة، ونمو الودائع، واستمرار توسع التمويل المصرفي، وقوة رؤوس الأموال، وتطور أنظمة المدفوعات الرقمية، كلها عناصر تعكس منظومة مالية متكاملة بُنيت على مدى عقود من السياسات الحكيمة والتشريعات المتطورة.
وفي ظل الظروف الإقليمية الراهنة، تكتسب هذه المؤشرات أهمية مضاعفة، لأنها تؤكد قدرة القطاع المصرفي البحريني على مواصلة أداء دوره الحيوي في حماية الاقتصاد الوطني والمجتمع. فالبنوك تواصل ضخ السيولة في الاقتصاد، وتوفير التمويل للأنشطة الاقتصادية، والحفاظ على أموال المودعين، إلى جانب ضمان استمرارية الخدمات المالية عبر القنوات الرقمية والأنظمة المصرفية الحديثة.
ولهذا فإن مجمل هذه المؤشرات تؤكد حقيقة واحدة واضحة: البحرين بخير، وجهازها المصرفي يمتلك من القوة والمرونة ما يمكنه من دعم الاقتصاد الوطني والحفاظ على استقراره حتى في أصعب الظروف.