الغد-المحامي فراس ملحس
-في عام 2017، وتحديداً في 17 أيلول، تم استحداث "شركات رأس المال المغامر" وإدراجها ضمن أحكام قانون الشركات، وقد تَبِعَ ذلك صدور نظام تفصيلي في عام 2018، وتحديداً في 27 كانون أول، يُنظّم جميع الأمور المتعلقة بهذا النوع من الشركات.
وفي عام 2023، وتحديداً في 13 آب، تم إلغاء شركات التوصية بالأسهم – التي تم استحداثها في قانون الشركات لسنة 1989 واستمر وجودها في قانون الشركات لسنة 1997 حتى عام 2023- حيث تم استبدال هذا النوع من الشركات بشركات رأس المال المغامر.
في 10 حزيران 2023 قمت بنشر مقال في صحيفة الغد الغراء بعنوان (مصير "شركات رأس المال المغامر") تناولت فيه ضرورة الاستفادة من تجربة شركات التوصية بالأسهم التي لم يتم تسجيل أي شركة من هذا النوع خلال فترة تجاوزت الثلاثين عاماً قبل إلغائها من القانون. كما وقد خَلُصتُ في هذا المقال إلى أن تحسين نوعية التشريع وجعله أكثر جاذبية للاستثمار أولى من ظاهرة "التضخم التشريعي" لما لهذه الظاهرة من انعكاسات سلبية على كفاءة ونوعية التشريع، خصوصاً وأن هذه الظاهرة تخلق عراقيل في التطبيق السليم للتشريع من الناحية العملية.
اليوم، وبعد انقضاء أكثر من تسع سنوات من تاريخ استحداث شركات رأس المال المغامر في التشريع الأردني، وبعد ما يقارب الثلاث سنوات من تاريخ إدراجها في قانون الشركات كأحد أنواع الشركات، فإن عدد شركات رأس المال المغامر التي تم تسجيلها حتى هذه اللحظة بلغ "صفر". ولعل المسؤولية التضامنية والتكافلية الواردة في هذا النوع من الشركات تُعَدُّ أحد أهم الأسباب التي أدت إلى العزوف عن تسجيل هذا النوع من الشركات، خصوصاً وأن التشريع الأردني يتضمن أنواعاً أخرى تتيح للمستثمر التسجيل من خلالها كالشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة الخاصة المحدودة.
وفي ضوء أن قانون الشركات يعدُّ أحد أهم التشريعات الاستثمارية التي يدخل من خلالها الأشخاص والمستثمرون ورواد الأعمال ساحة الأنشطة التجارية والاقتصادية، فإنه من الأولى العمل على تحسين بعض النصوص التشريعية الواردة في القانون بدلاً من اتخامه بنصوص تشريعية لا تسمن ولا تغني من جوع. ولذلك، قد يكون من الأجدر التركيز على تحسين النصوص التشريعية الناظمة للشركات ذات المسؤولية المحدودة مثلاً بدلاً من وجود نصوص لن تدخل حيّز التنفيذ وتبقى حبراً على ورق. فهذا النوع من الشركات (أي الشركات ذات المسؤولية المحدودة) تحتاج -حقيقةً- إلى تحسين وتعديل لتواكب متطلبات العصر وتواكب ما نشهده من قرارات للمحاكم تضطر فيها إلى تطبيق بعض من أحكام الشركات المساهمة العامة عليها والتي قد تكون بطبيعتها غير متوافقة أو متوائمة مع متطلبات الشركاء في هذا النوع من الشركات.
ولا بد من الإشارة إلى أن عدد الشركات ذات المسؤولية المحدودة حسب بيانات دائرة مراقبة الشركات بلغ في عام 2026 ما يقارب 4658 شركة، وفي عام 2025 بلغ 5584 شركة، حيث تُعَدُّ هذه الشركة من الشركات الأعلى تسجيلاً وإقبالاً في الأردن، حيث تشكل النسبة الأكبر من الشركات المسجلة لدى دائرة مراقبة الشركات. ولعل هذا النوع من الشركات في الوقت الحالي هو من أكثر الشركات احتكاكاً مع الناس سواء العاديين منهم أو المتخصصين، بما في ذلك السادة القضاة والزملاء المحامين والمحاسبين.
وليس من الإنصاف القول إن المتخصصين في الأردن -وتحديدا في هذا المجال- غير قادرين على احتواء الأمور المرتبطة بالشركات ذات المسؤولية المحدودة أو الإحاطة بجميع جوانبها، بل على العكس، فإنهم قادرون على تحسين جودة النصوص التشريعية المتعلقة بهذا النوع من الشركات ومواكبة التطورات التي تخدم السوق الأردني، ولا نحتاج -بأي شكل من الأشكال- لخبراء من الخارج للقيام بهذه المهمة. فالعقول والخبرات والقامات الأردنية المهنية والمتخصصة قادرة على الخروج بمنظومة متكاملة للشركات ذات المسؤولية المحدودة، وقادرة على تلبية متطلبات السوق وخلق التوازن بين التنظيم وعلاقة الشراكة التي تربط الشركاء لتكون بديلاً عن الإحالة إلى النصوص التشريعية الناظمة للشركات المساهمة العامة. بمعنى آخر، بدلاً من تطبيق أحكام الشركات المساهمة العامة على الشركات ذات المسؤولية المحدودة، فإنه من الممكن إيجاد نصوص تشريعية شمولية كفيلة بتغطية جميع النواحي المتعلقة بهذا النوع من الشركات.
فبدلاً من الاثنتي عشرة مادة الواردة في قانون الشركات التي تنظم أحكام شركات رأس المال المغامر، يمكن الخروج باثنتي عشرة مادة بديلة تحكم الشركات ذات المسؤولية المحدودة وتنظم أمورها كافة بدلاً من التضخم التشريعي الذي يتعرض له قانون الشركات والتخمة التي تلازمه في نصوص تشريعية غير مستخدمة وقد لا ترى النور أبداً.
ما يزال الأمل معقوداً لنرى ولو تسجيلاً واحداً لشركة من شركات رأس المال المغامر خلال الفترة القادمة، ولكن تجربة شركات التوصية بالأسهم التي تم إلغاؤها بعد أكثر من أربع وثلاثين سنةً أثبتت خلاف ذلك.