أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    05-Aug-2026

التنمية الريفية.. كيف تغدو طريقا لتحقيق الأمن الغذائي؟

 الغد-عبدالله الربيحات

 بينما يكثر الحديث حول ضرورة صب الجهود لتطوير التنمية في الريف الأردني بهدف البدء بتحقيق الأمن الغذائي من هناك، رأى خبراء زراعيون أن هذا الأمر يتطلب تبني نهج تنموي متكامل يركز على تعزيز الإنتاج الزراعي المستدام، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، ودعم صغار المزارعين من خلال توفير التمويل والتقنيات الحديثة وخدمات الإرشاد الزراعي. 
 
 
وبين الخبراء أن الاستثمار في الإبداعات الزراعية، وإدارة الموارد المائية، والحد من الفاقد والمهدر من الغذاء، فضلا عن تمكين المرأة والشباب الريفيين، إلى جانب تطوير السياسات الداعمة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، تعد من أهم الركائز لتحقيق تنمية ريفية شاملة ومستدامة.
وقالوا إن المرحلة المقبلة تستدعي إطلاق "الإستراتيجية الوطنية للتنمية الريفية والأمن الغذائي 2027–2035"، لتوحيد سياسات المياه والزراعة والبيئة والتنمية المحلية والاستثمار والرقمنة ضمن إطار واحد، وربط الأمن الغذائي بالتنمية الاقتصادية والعدالة المكانية، ليصبح الريف أحد محركات النمو في الاقتصاد الأردني، وليس مجرد قطاع خدمي أو زراعي تقليدي.
تحويل الريف لاقتصاد منتج
في هذا السياق، رأى وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أنه إذا أردنا أن ننظر إلى التنمية الريفية والأمن الغذائي في الأردن بمنظور إستراتيجي، فإن التحدي لم يعد يقتصر على دعم المزارع، بل أصبح يتمثل في تحويل الريف إلى اقتصاد منتج ومستدام قادر على توفير فرص العمل وتحقيق الأمن الغذائي والحفاظ على الموارد الطبيعية في آن واحد.
وأضاف المصري أن ذلك يمكن أن يقوم على عشرة محاور مترابطة منها الإدارة المتكاملة للمياه، بحيث يبقى الماء أساس التنمية الريفية، ولذلك ينبغي التوسع في مشاريع الحصاد المائي من خلال السدود الترابية والحفائر، وإعادة تغذية الأحواض الجوفية بالحقن المستمر للمياه، وزيادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة، وعند اكتمال مشروع الناقل الوطني، ينبغي إعادة توزيع المياه بحيث تخصص المياه المحلاة للاستخدامات الحضرية، بينما تعتمد الزراعة بصورة أكبر على المياه المعالجة والأحواض الجوفية التي تجري تغذيتها بالحصاد المائي.
أما المحور الثاني، بحسبه، فيكمن في التحول نحو الزراعة الذكية، إذ ينبغي أن تصبح التكنولوجيا جزءاً من كل مزرعة عبر توظيف الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالإنتاج والأسعار، واستخدام الطائرات المسيّرة للمراقبة والرش، وكذلك المجسات الذكية لقياس رطوبة التربة، فضلا عن اتباع الزراعة الدقيقة (Precision Agriculture)، وإنشاء Digital Twin للقطاع الزراعي يربط البيانات المناخية والمائية والإنتاجية بمنصة وطنية واحدة لدعم القرار.
وأضاف: "اما المحور الثالث فيتضمن حوكمة القطاع الزراعي، ذلك أن نجاح التنمية الريفية يتطلب مؤسسات قوية من خلال إعادة تفعيل اتحاد المزارعين، وإنشاء غرفة زراعة فاعلة تمثل القطاع، وتعزيز دور الجمعيات التعاونية الزراعية، وبناء شراكة مؤسسية بين المزارعين ووزارات الزراعة والمياه والبيئة."
وتابع: "ويشمل المحور الرابع التخطيط الوطني للإنتاج الزراعي، فبدلاً من فوضى الإنتاج يجب الانتقال إلى قاعدة بيانات وطنية للإنتاج، والتنبؤ بالطلب المحلي والخارجي، وتوجيه المزارعين للمحاصيل ذات الجدوى، علاوة على الحد من الاختناقات التسويقية والانهيارات السعرية."
التصنيع الغذائي
وأشار المصري إلى أن المحور الخامس يتضمن التصنيع الغذائي في الريف، إذ إن القيمة المضافة أهم من بيع المنتج الخام، وذلك عبر إنشاء مصانع صغيرة للتعبئة والتغليف، وتصنيع الألبان، وتصنيع الخضار والفواكه، والتجفيف والتجميد، إضافة إلى الصناعات الغذائية المنزلية المنظمة، وبذلك يتحول الريف من منتج للمواد الخام إلى منتج للغذاء المصنع.
وفي المحور السادس بين أنه يعتمد على تنويع مصادر دخل الأسر الريفية، إذ لا ينبغي أن يعتمد الريف على الزراعة وحدها، بل تضاف إليها السياحة الريفية، والسياحة البيئية، والطاقة الشمسية، والحرف التقليدية، وكذلك التجارة الإلكترونية للمنتجات الريفية، وتربية النحل والأسماك والمواشي وفق نماذج اقتصادية حديثة.
وقال إن المحور السابع يتضمن تمكين الشباب والمرأة، ويشمل حاضنات أعمال زراعية، والتمويل الأصغر، والتدريب المهني، وريادة الأعمال الزراعية، إضافة إلى تشجيع الشركات الناشئة في التقنيات الزراعية (AgriTech).
وحول المحور الثامن أوضح أنه يشمل بناء سلاسل القيمة، حيث ينبغي أن تدار المنتجات الزراعية وفق سلسلة متكاملة تشمل الإنتاج، والفرز، والتعبئة، والتخزين المبرد، والنقل، عدا التسويق، والتصدير، وهو ما يرفع من دخل المزارع ويقلل الفاقد الغذائي.
وتابع: "أما المحور التاسع فيشمل الأمن الغذائي المحلي، ويتطلب ذلك زيادة إنتاج السلع الإستراتيجية، وإنشاء مخزون غذائي احتياطي، ودعم إنتاج البذور الوطنية، وتطوير الثروة الحيوانية، وتعزيز الصناعات الغذائية الوطنية."
وقال المصري إن المحور العاشر يشمل الحوكمة الرقمية للتنمية الريفية التي يقصد بها إنشاء منصة وطنية موحدة تربط وزارات الزراعة، والمياه، والبيئة، والبلديات، واتحاد المزارعين، والجمعيات التعاونية، والمستثمرين، بحيث تعتمد القرارات على البيانات اللحظية، وليس على التقديرات التقليدية.
ولخص الرؤية في معادلة واحدة قوامها أن "الريف الأردني المنتج"، هو ريف يعتمد على المعرفة والرقمنة والابتكار، ويوفر فرص عمل مستدامة، ويحافظ على موارده الطبيعية، ويحقق الأمن الغذائي الوطني، ويصبح شريكاً رئيسياً في النمو الاقتصادي، لا مجرد منطقة تعتمد على الدعم الحكومي.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تستدعي إطلاق "الإستراتيجية الوطنية للتنمية الريفية والأمن الغذائي 2027 - 2035"، بحيث توحد سياسات المياه والزراعة والبيئة والتنمية المحلية والاستثمار والرقمنة ضمن إطار واحد، وتربط الأمن الغذائي بالتنمية الاقتصادية والعدالة المكانية، ليصبح الريف أحد محركات النمو في الاقتصاد الأردني، وليس مجرد قطاع خدمي أو زراعي تقليدي.
تبني نهج تنموي
من جهته بين الدكتور في كلية الزراعة بالجامعة الأردنية والخبير في التنمية الريفية والأمن الغذائي د نائل الظاهر، أن تطوير التنمية في الريف الأردني وتحقيق الأمن الغذائي يتطلب تبني نهج تنموي متكامل يركز على تعزيز الإنتاج الزراعي المستدام، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، ودعم صغار المزارعين من خلال توفير التمويل والتقنيات الحديثة وخدمات الإرشاد الزراعي. 
وأضاف الظاهر أن الأمر يتطلب أيضا تنويع مصادر الدخل الريفي عبر تشجيع المشاريع الزراعية وغير الزراعية، وتعزيز دور التعاونيات الزراعية وسلاسل القيمة، وتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما في ذلك النقل والتسويق والتخزين. 
وقال إن الاستثمار في الابداعات الزراعية، وإدارة الموارد المائية، والحد من الفاقد والمهدر من الغذاء، وتمكين المرأة والشباب الريفيين، إلى جانب تطوير السياسات الداعمة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، كلها تعد من أهم الركائز لتحقيق تنمية ريفية شاملة ومستدامة، مبينا أنها تسهم في زيادة الإنتاجية الزراعية، وتحسين مستويات المعيشة، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التحديات الاقتصادية والمناخية، بما يدعم تحقيق الأمن الغذائي الوطني والتنمية المستدامة في الأردن.
مراحل مفصلية
بدوره، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي، أن الريف الأردني يُشكل صمام الأمان للأمن الغذائي في المملكة، وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني التي تتقاطع فيها تحديات الواقع مع طموحات التطوير؛ حيث يمر هذا القطاع بمرحلة مفصلية تتطلب إعادة النظر في آليات تمكينه وتحويله إلى بيئة جاذبة ومُنتجة بدلاً من كونه بيئة طاردة للسكان والفرص.
وأضاف العسوفي إن جهود التنمية في الريف تصطدم بجملة من التحديات الجسيمة، ويأتي على رأسها الفقر المائي الحاد، والتغير المناخي الذي أثر مباشرة على حصص الري، يُضاف إلى ذلك الارتفاع الباهظ في كلف الإنتاج مثل الأعلاف والطاقة والأسمدة، فضلاً عن ضعف التمويل الميسر وصعوبات التسويق التي تلتهم أرباح صغار المزارعين، ما يرفع معدلات البطالة ويدفع الشباب للهجرة نحو المدن الكبرى.
وأشار إلى أنه ورغم هذه الصعوبات المعقدة، يزخر الريف الأردني بفرص واعدة ومكامن قوة غير مستغلة بالشكل الأمثل، وتبرز منها الزراعات النوعية ذات القيمة المضافة كالنباتات الطبية والعطرية وتوسيع قطاع معاصر الزيتون، إلى جانب الفرص الاستثمارية في السياحة البيئية والريفية التي بدأت تجذب الزوار محلياً ودولياً، والاعتماد المتزايد على الطاقة المتجددة لتقليل الكلف التشغيلية، فضلاً عن الطاقة الإنتاجية الهائلة التي تمتلكها المرأة الريفية في مجال التصنيع الغذائي المنزلي.
ودعا العسوفي إلى تضافر الجهود الحكومية والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني لترجمة هذه الفرص إلى واقع ملموس، وذلك من خلال إدخال تقنيات الزراعة الذكية مناخياً كالزراعة المائية والحصاد المائي، وتوفير قروض ميسرة عبر صندوق التنمية والتشغيل، ومشاريع تنمية المجترات الصغيرة بالتعاون مع المنظمات الدولية، بالإضافة إلى رقمنة الإرشاد الزراعي وتطوير حاضنات الأعمال الريفية لتنويع مصادر دخل الأسر.
وقال إن النهوض بالريف الأردني وتعزيز أمننا الغذائي لم يعد مجرد خيار تنموي، بل هو استثمار إستراتيجي ملح يتطلب الانتقال من عقلية المساعدات المؤقتة إلى عقلية الشراكات التنموية المستدامة، لمنح أبناء وبنات الريف الأدوات والمعارف الحديثة التي تمكنهم من الإنتاج والاعتماد على الذات، بما يضمن استقرار المجتمعات المحلية وازدهارها.