سلاسل التوريد.. أولوية وطنية لتحصين الاقتصاد
الغد-محمود خضر الشبول
دفعت توجيهات سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بالتعامل مع سلاسل التوريد كأولوية وطنية، الحكومةَ إلى تعزيز حزمة الإجراءات الهادفة إلى الحفاظ على تدفق السلع والمواد الأساسية، إذ أقر مجلس الوزراء إجراءات جديدة لمعالجة التحديات التشغيلية التي تواجه منظومة الموانئ وسلاسل الإمداد، في خطوة يتوقع مختصون أن تسهم في الحد من كلف التأخير والتخزين والشحن، وتعزيز مرونة المنظومة اللوجستية في مواجهة تداعيات الظروف الإقليمية.
وكان سمو ولي العهد، خلال ترؤسه جانبا من جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء الماضي، دعا إلى تسريع وتيرة العمل لمواجهة التبعات الاقتصادية للتصعيد في المنطقة، موجها بالتعامل مع سلاسل التوريد كأولوية وطنية واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مخزون إستراتيجي من المواد والسلع الأساسية.
حزمة إجراءات لتخفيف ضغوط سلاسل الإمداد
وشملت القرارات الجديدة زيادة فترة السماح للصادرات الوطنية في ميناء حاويات العقبة من 7 أيام إلى 14 يوما لمدة ستة أشهر، إضافة إلى تخفيض المبلغ المستوفى بدل إتلاف البضائع من 450 دينارا إلى 50 دينارا عن كل طن أو جزء منه لمدة ثلاثة أشهر، وفقا للشروط التي حددها مجلس الوزراء.
وتأتي القرارات استكمالا لحزمة إجراءات اتخذتها الحكومة لزيادة الطاقة الاستيعابية ومرونة منظومة الإمداد، تضمنت التوسع في ساحات التخزين والمراكز اللوجستية وتطوير البنية التحتية والخدمات المساندة، وتهيئة الممرات البديلة عبر النقل المتعدد البحري والبري، إلى جانب تسريع التخليص الجمركي وتقليص مدد مكوث البضائع ونقل جزء من عمليات التخليص إلى جمرك عمّان، واستثناء رحلات الترانزيت العاملة على المعابر الحدودية من عدد الرحلات المعمول به لمدة ثلاثة أشهر.
كما تضمنت الإجراءات رفع عدد الرحلات اليومية المسموح بها لشاحنات نقل الحاويات إلى 9 رحلات، والسماح للشاحنات المجهزة فنيا والمستوفية متطلبات السلامة العامة بنقل حاويتين بقياس 20 قدما على الشاحنة الواحدة، ومنح الأولوية في المناولة والتخليص والإخراج للغذاء الوطني والمستوردات المخصصة للسوق المحلية والصادرات الوطنية.
ارتفاع الطاقة الاستيعابية وتسريع خروج الحاويات
وتستهدف هذه الإجراءات، بحسب قرار مجلس الوزراء، رفع جاهزية موانئ العقبة ومنظومة النقل والخدمات اللوجستية في مواجهة تداعيات الظروف الإقليمية، وزيادة الطاقة الاستيعابية وتوفير مسارات بديلة للتوريد، بما يحافظ على تدفق السلع ويحد من الكلف الناجمة عن التأخير على المستهلك والقطاعات الاقتصادية.
وتظهر البيانات المرفقة أن الإجراءات السابقة بدأت تنعكس على بعض مؤشرات الأداء؛ إذ انخفض متوسط مكوث حاويات الترانزيت في الميناء من قرابة 15 يوما إلى نحو 12 يوما، فيما بلغ متوسط مكوث الحاويات المحلية الواردة قرابة 8 أيام.
وارتفعت القدرة اليومية لبوابات خروج الحاويات من نحو 900 إلى 1200 حاوية، ما أسهم في تخفيف الضغط على الميناء وتسريع وصول السلع، ولا سيما الغذائية، إلى الأسواق.
كلف التأخير والشحن تحت ضغط اضطرابات الملاحة
ويرى مختصون وممثلون للقطاع التجاري أن أهمية الإجراءات لا تقتصر على زيادة القدرة التشغيلية، بل تمتد إلى الحد من انتقال كلف اضطراب خطوط الملاحة والشحن والتأمين إلى المستوردين والمصدرين، ومن ثم إلى السوق المحلية.
وقال نائب رئيس غرفة تجارة الأردن، جمال الرفاعي، إن القرارات المتخذة إيجابية ومن شأنها تقليل الكلف على المستوردات والصادرات، خصوصا في ظل عدم انتظام برامج بعض خطوط الملاحة وما قد يترتب عليه من زيادة مدة مكوث البضائع وتحمل رسوم إضافية.
وأضاف الرفاعي أن القرارات تمثل خطوة للتعامل مع تداعيات الظروف الإقليمية التي أثرت على خطوط الملاحة وبرامج الإبحار والمسارات البحرية المباشرة وغير المباشرة، مشيرا إلى وجود تنسيق مستمر بين الحكومة والقطاعات المعنية لاتخاذ إجراءات تحد من انعكاسات هذه الظروف.
وبين أن الإجراءات العملية المتخذة تستهدف التخفيف من الكلف على القطاع التجاري، لافتا إلى أهمية استثمار الأردن في موقعه اللوجستي وحالة الاستقرار التي تتمتع بها منظومة ميناء العقبة.
ويكتسب جانب الكلف أهمية خاصة في الحزمة الحكومية؛ فزيادة فترة السماح للصادرات الوطنية تمنح المصدرين هامشا زمنيا أوسع في مواجهة أي اضطراب في مواعيد السفن، بما يمكن أن يحد من الرسوم الإضافية المرتبطة بتأخر الشحن، فيما تستهدف زيادة حركة الشاحنات وتسريع التخليص وتقليص مدة مكوث الحاويات الحد من الكلف التي تتراكم كلما طالت دورة انتقال البضائع من الميناء إلى السوق.
وكانت الحكومة اتخذت منذ آذار الماضي إجراءات أخرى لمواجهة تداعيات الاضطرابات الإقليمية، من بينها السماح مؤقتا باستيراد البضائع الواردة بالحاويات عبر المنافذ الحدودية البرية، بدلا من حصرها بميناء العقبة، إلى جانب إعفاء الزيادة التي طرأت على أجور الشحن البحري من الرسوم الجمركية والضرائب، في إجراءات استهدفت ضمان وصول الإرساليات المستعجلة والحد من أثر ارتفاع كلف الشحن، وتم تمديد القرار في السادس من أيلول الحالي.
التخليص المسبق وتنويع مصادر ومسارات التوريد
من جهته، قال نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع، الدكتور ضيف الله أبو عاقولة، إن توجيهات سمو ولي العهد تأتي في توقيت بالغ الأهمية في ظل التحديات الجيوسياسية واضطرابات الممرات اللوجستية العالمية وارتفاع كلف الشحن والتأمين.
وأكد أبو عاقولة أن الحفاظ على استدامة الإمدادات يتطلب تعزيز انسياب السلع وتسريع إجراءات التخليص والإفراج الجمركي وتفعيل أنظمة التخليص المسبق، إلى جانب توسيع الاستفادة من المسرب الأخضر للسلع الأساسية لضمان وصولها إلى الأسواق دون تأخير.
وأشار إلى أهمية تعزيز المخزون الإستراتيجي للسلع الأساسية والمواد الحيوية وتوفير تسهيلات للقطاع الخاص لزيادة قدراته التخزينية، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد ومسارات النقل وعدم الاعتماد على مسار أو منشأ واحد، وتطوير بدائل لوجستية تضمن استمرار تدفق البضائع في مختلف الظروف.
وشدد أبو عاقولة على أهمية معالجة الارتفاعات في كلف التأمين والشحن على السلع الأساسية للحد من انعكاساتها على السوق المحلية، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والرقابية والقطاع الخاص وتبادل البيانات المتعلقة بالمخزون وسلاسل التوريد.
الإعفاءات والتسهيلات لامتصاص الكلف الإضافية
بدوره، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن توجيهات سمو ولي العهد والإجراءات الحكومية تعزز القدرة على إدامة سلاسل الإمداد والتوريد والحفاظ على عمل المنافذ البحرية والبرية والجوية، بالتوازي مع المحافظة على مخزونات السلع والمواد الأساسية.
وأشار دية إلى أن تراكم الخبرات في التعامل مع الأزمات الإقليمية أسهم في تعزيز قدرة المملكة على التعامل مع اضطرابات الإمداد، لافتا إلى أهمية تنويع مصادر التوريد والحفاظ على مستويات آمنة من مخزونات السلع الأساسية والطاقة.
وبحسب دية، فإن الإجراءات الحكومية المتعلقة بالإعفاء من الرسوم والضرائب المترتبة على الارتفاع في أجور الشحن البحري وغيرها من التسهيلات تستهدف امتصاص جانب من الكلف الإضافية التي فرضتها زيادة أجور الشحن والتأمين، بما يساعد على الحد من انتقالها إلى أسعار السلع في السوق المحلية.
سلاسل التوريد منظومة تبدأ من الموانئ ولا تنتهي عند الأسواق
وأشار المختصون إلى أن الإجراءات المتتالية تعكس توجها نحو التعامل مع سلاسل التوريد كمنظومة مترابطة تبدأ من تعدد مسارات دخول البضائع ولا تنتهي عند الميناء، بل تشمل المناولة والتخزين والتخليص والنقل البري وصولا إلى الأسواق، بحيث يصبح تقليص الزمن والكلفة في كل حلقة عاملا أساسيا في حماية انسيابية الإمدادات.
وتزداد أهمية هذا النهج في ظل استمرار حالة عدم اليقين الإقليمية وارتفاع كلف الشحن والتأمين عالميا، إذ يصبح الحفاظ على مرونة الموانئ والمنافذ ومسارات النقل البديلة، إلى جانب المخزون الاستراتيجي، خط دفاع رئيسا أمام انتقال اضطرابات التجارة الخارجية إلى توافر السلع وكلفها في السوق المحلية.