مع صعود نجم الذكاء الاصطناعي.. هل انتهى عصر المبرمجين؟
الغد-إبراهيم المبيضين
بينما تزداد المخاوف يوما بعد يوم من تغول أدوات الذكاء الاصطناعي على العديد من الوظائف التي يشغلها البشر، يطفو على السطح سؤال حول إمكانية تأثير هذه التقنية الصاعدة على وظيفة المبرمج، التي ظلت حبيسة لسنوات طويلة للقدرات الشخصية لصاحب الوظيفة.
ويتردد سؤال جوهري اليوم في أروقة شركات التكنولوجيا.. هل اقتربت نهاية عصر المبرمجين؟ غير أن خبراء يؤكدون أنه لا يمكن الإجابة بـ"نعم" أو "لا" مطلقا.
وأشار الخبراء إلى أن الإجابة الشاملة الدقيقة تفيد بأن تسلل الذكاء الاصطناعي إلى عمليات البرمجة، يتضمن "عملية تحول جذري تعيد تعريف المهنة من جذورها".
وتعرف البرمجة بأنها "تلك المهنة التي يقوم صاحبها بكتابة وإدخال الأوامر والتعليمات بلغة يفهمها الحاسوب بهدف إنشاء برامج وتطبيقات ومواقع وأنظمة". والمبرمج هو الشخص الذي يقوم بهذه العملية لإخبار الحاسوب كيف يتصرف عبر إدخال "الكود".
وأكد خبراء لـ"الغد"، أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي وظيفة المبرمج، بل يعيد تشكيلها، وهو لا يقضي على وظائف البرمجة، إذ سيظل المبرمجون عنصرا أساسيا في عملية تطوير البرمجيات، لكن دورهم سيتركز أكثر على الإبداع والتصميم الاستراتيجي وإدارة التكنولوجيا الذكية، بدلا من كتابة "الكود" التقليدي فقط.
إلا أن الخبراء أكدوا أن الذكاء الاصطناعي سيلغي الأدوار التي تعتمد على التكرار والتنفيذ الميكانيكي من دون فهم، فالوظائف التي تعتمد على التفكير والتحليل واتخاذ القرار تتغير ولا تختفي، مثل مهندس البرمجيات الذي يفهم المشكلة ويصمم الحل ويقيم المخاطر، بينما تختفي الأدوار السطحية داخلها.
ويقدم الخبراء نصيحة للمبرمجين والمقبلين على هذه المهنة، بالتركيز على أساسيات علوم الحاسوب، وفهم الأنظمة، وليس على حفظ اللغات والأدوات واستخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد يزيد الإنتاجية، لا كبديل من التفكير، والتخصص العميق أصبح ضرورة وليس خيارا. وبالتالي، فإن المستقبل المهني للمبرمجين يعتمد على قدرتهم على تكييف مهاراتهم والتعلم المستمر لمواكبة هذه الثورة التقنية.
وبلغة الأرقام، وبناء على أحدث الدراسات والإحصائيات للعام الماضي، يبلغ عدد العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن حوالي 47,840 موظفا وموظفة، فيما لا يوجد تقدير أو أرقام عن حجم العاملين في مجال البرمجة، فيما تظهر أرقام أخرى، أن عدد خريجي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الأردن يناهز 12 ألفا في السنة، من مختلف التخصصات التقنية.
الخبير في مجال الذكاء الاصطناعي والميتافيرس رامي الدماطي، تحدث بشكل عام عن السؤال المتداول حاليا "هل سيلغي الذكاء الاصطناعي بشكل عام الوظائف؟"، وقال "إن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بشكل عام، لكنه يلغي الأدوار التي تعتمد على التكرار والتنفيذ الميكانيكي من دون فهم، فالوظائف التي تعتمد على التفكير والتحليل واتخاذ القرار تتغير ولا تختفي، بينما تختفي الأدوار السطحية داخلها".
الذكاء الاصطناعي والبرمجة
ورأى الدماطي أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل بالتأثير على مفاهيم "البرمجة"، موضحا أن الذكاء الاصطناعي يؤثر بشكل مباشر على البرمجة من خلال تسريع كتابة الكود، اقتراح الحلول، واكتشاف الأخطاء، وهذا قلل من قيمة البرمجة الروتينية، ورفع قيمة الفهم، التحليل وتصميم الأنظمة.
وردا على سؤال: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلغي وظيفة المبرمج؟ قال "إن الذكاء الاصطناعي قد يلغي دور المبرمج الذي يكتب الكود من دون فهم، لكنه لا يلغي دور مهندس البرمجيات الذي يفهم المشكلة، ويصمم الحل، ويقيم المخاطر، الإلغاء لا يستهدف المهنة، بل يستهدف المستوى".
وأضاف الدماطي "أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد المبرمج الجيد، بل يكشف المبرمج الضعيف. المستقبل ليس لمن يكتب أكوادا أكثر، بل لمن يفهم أكثر ويقرر أفضل".
نصائح للمبرمجين
وأكد الدماطي أن الذكاء الاصطناعي لن يكون بديلا للبرمجة، لكنه سيغير شكلها، مبينا أن البرمجة ستتحول من كتابة الكود إلى تصميم الحلول، والتحكم بالأنظمة، واتخاذ القرارات التقنية الصحيحة.
ونصح الشباب والمبرمجين، بالتركيز على أساسيات علوم الحاسوب، وفهم الأنظمة، وليس على حفظ اللغات والأدوات. استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون كمساعد يزيد الإنتاجية، لا كبديل عن التفكير، التخصص العميق أصبح ضرورة وليس خيارا.
الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة تكميلية
الخبير في مجال التحول الرقمي والبيانات الدكتور حمزة العكاليك، رأى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تكميلية، بل أصبح نظام تشغيل جديدا يتطلب مهارات وقدرات تتجاوز المعرفة التقنية التقليدية.
وأوضح أنه من الناحية التاريخية، قامت موجات الأتمتة بتحويل الأدوار بدلا من إبادتها، والذكاء الاصطناعي يتبع هذا النمط. فالبيانات تشير إلى أن الطلب على المبرمجين المهرة لم يقل، بل ازداد، ولكن نوعية المهارات المطلوبة هي التي خضعت لزلزال عنيف.
وبلغة الأرقام، بين العكاليك أنه في العام الماضي، تشير الإحصائيات إلى أن 84 % من المطورين يستخدمون أو يخططون لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ما يعكس تحولا شاملا في بيئة العمل.
وأضاف "أنه بدلا من الإلغاء، ستزيح الآلة الأعباء الروتينية لتمكن البشر من التركيز على استراتيجية النظم، وتصميم المعماريات، وحل المشكلات المعقدة التي تتطلب حسا إنسانيا وأخلاقيا، فقد أدى انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ أواخر العام 2022، إلى مضاعفة نمو الإنتاجية أربع مرات في القطاعات الأكثر تعرضا لهذه التقنيات، مثل تطوير البرمجيات والخدمات المالية، وهذا النمو لم يأتِ على حساب التوظيف بشكل مباشر، بل ترافق مع نمو قوي في الوظائف بنسبة 38 % في الأدوار المعرضة للأتمتة، مما يشير إلى أن الشركات تستثمر في القدرات البشرية، لتعظيم الاستفادة من الأدوات الذكية".
الفجوة في الأجور
وبين العكاليك أن الفجوة في الأجور تقدم دليلا دامغا على القيمة المضافة؛ حيث قفزت علاوة الأجر للمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من 25 % في العام 2023، إلى 56 % في العام 2024.
ولفت إلى أن هذا التطور يعكس ما يعرف بـ"زلزال المهارات"، إذ تتغير المهارات المطلوبة في الوظائف التقنية بنسبة 66 % أسرع من المهن الأخرى.
وأضاف أنه من المثير للاهتمام تراجع أهمية الدرجات العلمية الرسمية في هذه الوظائف، إذ انخفض اشتراط الشهادة الجامعية من 66 % إلى 59 %، ما يفتح الباب أمام الموهوبين والمبرمجين العصاميين الذين يتقنون التعامل مع الوكلاء الذكيين.
مرحلة انتقالية
وتابع قائلا "إن العالم يمر بمرحلة انتقالية من البرمجيات 1.0، حيث كان البشر يكتبون الأكواد يدويا، إلى البرمجيات 2.0 المرتبطة بتدريب النماذج، وصولا إلى البرمجيات 3.0 الحالية، حيث يطلب المبرمج النتائج عبر لغة طبيعية، ففي هذا النموذج، تصبح القيمة الجوهرية للمهندس ليست في حفظ القواعد النحوية للغات البرمجة (Syntax)، بل في القدرة على تنسيق الأنظمة البيئية للتطوير المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وقد أصبح المبرمج مديرا للإنتاج التقني يحدد ماذا ولماذا، بينما تتكفل الآلة بـ"كيف"، وهذا يتطلب مهارات غير تقنية بالأساس، مثل التفكير النقدي، استراتيجية الأعمال، معمارية الأنظمة والأخلاقيات".
وقال العكاليك "إنه رغم الزخم الكبير، ما يزال الذكاء الاصطناعي يواجه تحديات جوهرية تتعلق بالثقة والجودة، فالإحصائيات للعام الماضي، تشير إلى أن 46 % من المطورين لا يثقون في دقة مخرجات الذكاء الاصطناعي، و66 % منهم يعانون من مشكلة الحلول التي تبدو صحيحة ولكنها غير دقيقة تماما".
ولفت إلى أن هذا الأمر يؤدي إلى مفارقة في الإنتاجية؛ فبينما يعتقد المطورون أنهم أسرع بنسبة 20 %، أظهرت الاختبارات الواقعية أن المهام قد تستغرق وقتا أطول بنسبة 19 %، بسبب المراجعة اليدوية المكثفة وإصلاح الأخطاء المولدة آليا.
وأضاف أن تصحيح أخطاء الكود المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي يستغرق وقتا أطول بنسبة 45.2 % مقارنة بالكود البشري، وهذا يبرز أهمية الدور البشري كضامن للجودة وكخبير يستطيع رؤية ما وراء الكود المنفرد، ليفهم كيف تتفاعل أجزاء النظام مع بعضها بعضا.
وقدم العكاليك نصيحة مهمة للشباب، وقال "النصيحة الجوهرية للشباب ليست في الهروب من البرمجة، بل في إعادة تعريفها، فلم يعد كافيا إتقان لغة برمجة واحدة؛ بل يجب إتقان لغة التعامل مع الآلة، فالمبرمج الناجح في العام الماضي، هو مبرمج هجين يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والقدرة التقنية.
مهارات أساسية للنجاح
وبين العكاليك أن ثمة مهارات أساسية للنجاح تكمن في: هندسة التحفيز (Prompt Engineering) وهي القدرة على صياغة مدخلات دقيقة للحصول على مخرجات عالية الجودة، تحليل البيانات، حيث يقضي الموظفون أكثر من 30 % من وقتهم في مهام البيانات.
وأشار إلى مهارة التفكير التصميمي ومعمارية النظم، التي ترتكز على القدرة على تصميم المخطط الكبير وربط الخدمات المختلفة ببعضها بعضا.
ولخص العكاليك قائلا "إن الذكاء الاصطناعي ليس بديلا عن البرمجة، بل هو محرك جديد لها. نحن ننتقل من عصر كتابة الأكواد إلى عصر هندسة النتائج، فالمبرمج في العام الماضي وما بعده، ليس عاملا في خط إنتاج الكود، بل هو "مايسترو" يقود أوركسترا من الوكلاء الذكيين".
ومن جانبه، قال المتخصص في مجال التقنية والاتصالات وصفي الصفدي "إن سوق العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، وخصوصا في مهنة البرمجة، يشهد تحولا جذريا بفعل دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدية (Generative AI)".
وأوضح أن هذه التقنيات أصبحت قادرة على دعم أو تنفيذ أجزاء من كتابة الكود، إجراء الاختبارات وتقديم مقترحات تصميمية.
وقال الصفدي "إنه في ظل هذا التحول، يثار السؤال الأساسي حول مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على دور المبرمجين، هل سيؤدي إلى استبدالهم أو تعزيز قيمتهم؟ هذا التقرير يستند إلى بيانات وتحليلات متعددة من مصادر موثوقة، ويضع بين يدي القارئ صورة واضحة مدعومة بالأدلة، حول الاتجاهات الحالية والمستقبلية".
التوقعات حول إلغاء الوظائف
وأضاف "أنه رغم التقدم في أتمتة أجزاء من عمل المبرمجين، لا تشير الأدلة الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي سيلغي الوظائف كليا على المدى القريب، بل على العكس، من المرجح أن يحدث تحولا في طبيعة الأدوار والمهارات المطلوبة". وفي الواقع، هناك دراسات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع المهام بدلا من اختفاء الوظائف، ويمكن العاملين من التركيز على المهام التي تتطلب تفكيرا استراتيجيا وإبداعيا، هذا التحول يعزز الطلب على مهارات، مثل تصميم النظم المعقدة، هندسة الذكاء الاصطناعي، وإدارة المشاريع التقنية.
تأثير الذكاء الاصطناعي على البرمجة كأداء مهني
وأوضح الصفدي أن تأثير الذكاء الاصطناعي على البرمجة يختلف حسب مستوى الخبرة وسياق الاستخدام، فبينما تظهر بعض الدراسات تحسينات واضحة في السرعة والكفاءة، وجدت دراسات أخرى أن الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يزيد أعباء الصيانة على المطورين ذوي الخبرة، أو حتى يؤدي إلى بطء في بعض الحالات، إذا لم يصاحب استخدام الأدوات خبرة كافية في السياق التطويري.
وقال "إن هذا يشير إلى أن الأدوات ليست بديلا كاملا من الخبرة البشرية، بل تكمل قدرات المبرمجين، وتوفر لهم وقتا يمكن أن يستخدم في أعمال أكثر تعقيدا وتأثيرا".
البدائل المتاحة للمبرمجين للحفاظ على الأمان الوظيفي
ولضمان مكانة مهنية قوية في سوق العمل المتغير، ينبغي للمبرمجين تبني استراتيجيات تطوير مهني تشمل، وفقا للصفدي، التحول إلى أدوار تتطلب تفكيرا استراتيجيا وتصميما للأنظمة المعقدة، بدلا من كتابة الكود الروتيني فقط.
ولفت إلى أهمية تعميق المهارات في مجالات الأمن السيبراني وتحليل البيانات التي تظل ضرورية في بيئات العمل الرقمية، والاندماج في مجالات تطوير الذكاء الاصطناعي نفسها عبر تعلم كيفية تصميم وتدريب النماذج أو كيفية تحسين جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي، والمشاركة في مهام تتطلب تفاعلا بشريا متقدما، مثل إدارة المشاريع، التوثيق الفني المعقد، والتواصل بين الفرق متعددة التخصصات.
التوصيات للشباب لضمان الأمان الوظيفي في المستقبل
وللأجيال الشابة الراغبة في دخول مجال البرمجة، أكد الصفدي أهمية تبني الخطوات الآتية: الأساسيات القوية في علوم الحاسوب، الفهم العميق للمفاهيم الأساسية يعزز القدرة على التعامل مع المشكلات المعقدة، التعلم المستمر لأدوات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لأن استخدامها سيكون جزءا أساسيا من بيئة العمل المستقبلية، تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل الإبداعي التي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها بالكامل، التعاون والعمل الجماعي ضمن فرق متعددة التخصصات، بما يعزز قدرتهم على الاندماج في بيئات العمل المعقدة.