الغد-عدنان أحمد يوسف
لم يكن تحرك وزارة الاقتصاد والسياحة في دولة الإمارات مؤخراً لتشجيع الشركات العائلية على التسجيل ضمن الإطار القانوني المنظم لها مجرد إجراء تنظيمي. فالوزارة ربطت هذا المسار بحماية ملكية الشركات من التفتت نتيجة الإرث، وتنظيم انتقال القيادة بين الأجيال، وإقرار الميثاق العائلي ومجالس العائلة والمكاتب العائلية. وهذه قضايا تلامس واحداً من أهم التحولات التي تواجه الاقتصادات الخليجية اليوم: انتقال الشركات والثروات التي بناها جيل المؤسسين إلى الأبناء والأحفاد.
وقد سبق أن تطرقنا إلى الشركات العائلية الخليجية وأهميتها وضرورة تعزيز حوكمتها وضمان استمراريتها. لكن القضية تستحق العودة إليها اليوم، ليس باعتبارها شأناً عائلياً أو إدارياً، وإنما قضية اقتصادية تتعلق باستدامة جزء مهم من رأس المال الوطني الخليجي.
فالشركات العائلية ليست قطاعاً هامشياً. تشير تقديرات متداولة في الدراسات المتخصصة إلى أن الشركات العائلية تمثل ما يقارب 90 % من شركات القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط، وتسهم بنحو 60 % من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف أكثر من 80 % من القوى العاملة في القطاع الخاص في المنطقة. وفي دول الخليج العربي تحديداً، ارتبط صعود عدد كبير من البيوتات التجارية والصناعية والمصرفية والعقارية الكبرى بعائلات أسهمت منذ عقود في بناء القطاع الخاص قبل الطفرات الاقتصادية الحديثة.
لكن هذه الشركات تدخل اليوم مرحلة مختلفة. فالشركة التي أسسها شخص واحد قبل خمسين أو ستين عاماً، وانتقلت بعد ذلك إلى عدد محدود من الأبناء، قد تصبح في الجيل الثالث موزعة بين عشرات الأحفاد، وفي الجيل الرابع بين أعداد أكبر من المساهمين الذين تختلف اهتماماتهم ومؤهلاتهم وعلاقتهم بالشركة.
وهنا يظهر اختبار الجيل الثالث. المشكلة ليست في انتقال الثروة ذاته، وإنما في انتقال الملكية دون انتقال موازٍ في أنظمة الحوكمة. فكلما ازداد عدد أفراد العائلة المالكة، أصبحت العلاقة بين العائلة والشركة أكثر تعقيداً: من يحق له العمل في الشركة؟ ومن يختار الرئيس التنفيذي؟ وهل تكون الأولوية لأفراد العائلة أم للكفاءة المهنية؟ وكيف تحدد الأرباح الموزعة؟ وماذا يحدث إذا أراد أحد الورثة بيع حصته؟ وكيف تمنع الخلافات العائلية من الانتقال إلى مجلس الإدارة؟
وتصبح المسألة أكثر أهمية عندما ندرك أن العالم، ومن ضمنه الخليج العربي، مقبل على واحدة من أكبر عمليات انتقال الثروة بين الأجيال. فالأصول التي راكمتها الأجيال التي بنت الشركات خلال النصف الثاني من القرن الماضي تنتقل تدريجياً إلى الأبناء والأحفاد. وفي الخليج العربي تشمل هذه الثروة الشركات والعقارات والمحافظ الاستثمارية والأسهم والحصص في المؤسسات الخاصة، ما يجعل انتقالها حدثاً اقتصادياً وليس مجرد عملية توريث.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشركة العائلية ليس ضعف أرباح سنة معينة، وإنما تفتت الملكية وانقسام القرار. فقد تكون الشركة رابحة وقوية مالياً، لكنها تبدأ بالتراجع عندما يتحول مجلس الإدارة إلى ساحة للتوازنات العائلية، أو عندما يصبح الانتماء العائلي بديلاً عن الكفاءة، أو عندما تضطر الشركة إلى بيع أصول منتجة لتوفير السيولة لبعض الورثة.
وتكشف نتائج مسح PwC العالمي للشركات العائلية لعام 2025، الذي شمل 1,325 شركة عائلية في 62 دولة وإقليماً، جانباً من هذه المفارقة؛ إذ وضع 78 % من المشاركين حماية الشركة و77 % المحافظة على إرث العائلة ضمن أهم أهدافهم طويلة الأجل، بينما لا تتجه سوى 3 % إلى إعادة ابتكار أعمالها بصورة جوهرية. وهذا يعني أن الرغبة في المحافظة على الإرث قوية، لكن الاستمرار لا يتحقق بالمحافظة على أساليب الإدارة نفسها.
والخليج العربي يمتلك بالفعل نماذج لشركات عائلية استطاعت تجاوز أكثر من جيل والمحافظة على حضورها، من خلال الفصل التدريجي بين الملكية والإدارة، واستقطاب التنفيذيين المحترفين، وتشكيل مجالس إدارة أكثر مؤسسية، وتنويع الأنشطة والاستثمارات. وتبرز في البحرين، على سبيل المثال، مجموعات عائلية عريقة مثل "كانو" و"فخرو" و"الزياني" و"المؤيد"، كما توجد نماذج مماثلة في السعودية والكويت والإمارات وعُمان وقطر استطاعت الانتقال من النشاط التجاري التقليدي إلى مجموعات متنوعة تعمل في قطاعات متعددة.
وهنا تكمن أهمية التطور التشريعي الذي نشهده في الإمارات وغيره من دول الخليج العربي. فالهدف ينبغي ألا يكون التدخل في الملكية العائلية، وإنما توفير الأدوات التي تساعدها على الاستمرار: ميثاق عائلي واضح، قواعد لانتقال الملكية، مجلس عائلة منفصل عن مجلس إدارة الشركة، سياسة لتوظيف أفراد العائلة، آليات لتخارج المساهمين، وخطة مكتوبة لتعاقب القيادة.