أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    10-Aug-2026

بين الثروات الدفينة وغياب فرص التشغيل.. أين النموذج التنموي لمحافظة معان؟

 الغد-هبة العيساوي

 تواجه المملكة تحديات متشابكة في سوق العمل، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة وضعف قدرة الاقتصاد على توليد وظائف مستقرة ومستدامة، بالتزامن مع فجوات في أنظمة الحماية الاجتماعية، وتفاوت في الوصول إلى فرص العمل والتنمية بين المحافظات.
 
 
وفي هذا الإطار، فإن هذا التحدي لم يعد مرتبطا بنقص تشخيص أسباب البطالة، بقدر ما يتعلق بقدرة السياسات الاقتصادية على تحويل هذه المعرفة إلى إجراءات عملية واستثمارات مولدة للوظائف.
وتقف محافظة معان في مقدمة المحافظات التي تعكس حدة هذه التحديات، وفق دراسة أطلقها المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول واقع البطالة فيها، والتي أظهرت ارتفاع معدل البطالة فيها لـ28.9 %، في وقت تواجه فيه المحافظة فجوة بين إمكاناتها الاقتصادية وفرص العمل المتاحة لسكانها. 
وتبرز الدراسة الحاجة لإعادة النظر في نمط التنمية المحلية، في ظل امتلاك معان موارد ومقومات مهمة بقطاعات التعدين والطاقة المتجددة والسياحة والزراعة والخدمات اللوجستية، دون أن تنعكس بالقدر الكافي على معدلات التشغيل والدخل والحماية الاجتماعية.
وتشير آراء خبراء إلى أن معالجة أزمة البطالة في معان تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى نموذج تنموي متكامل، يربط الاستثمار بالتشغيل، ويعزز سلاسل القيمة المحلية والصناعات المرتبطة بالثروات الطبيعية، ويربط التدريب باحتياجات السوق والتشغيل الفعلي، بالتوازي مع توسيع مظلة الحماية الاجتماعية. 
وبينوا أن ذلك يتطلب المرحلة المقبلة خططا تنفيذية واضحة بموازنات ومسؤوليات ومؤشرات قابلة للقياس، لضمان تحول موارد المحافظة ومشاريعها إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل مستدامة لأبنائها.
انحسار مظلة الحماية الاجتماعية
قال خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي، إن البيانات الاقتصادية والاجتماعية والتأمينية تكشف عن اختلالات واضحة في سوق العمل على مستوى المملكة، لكن هذه الاختلالات تبدو أكثر حدة في بعض المحافظات، ومنها معان، التي تواجه تحديا مزدوجا يتمثل بارتفاع معدلات البطالة من جهة، وانحسار مظلة الحماية الاجتماعية من جهة أخرى.
وأضاف أن دراسة المجلس الاقتصادي، التي كشفت عن أن معدل البطالة بالمحافظة وصل لـ28.9 %، بينما أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة للربع الأول من العام الحالي أن البطالة بين الأردنيين في المحافظة بلغت
26.6 %.
وأوضح الصبيحي أن الفارق بين الرقمين وقدره 2.3 نقطة مئوية، قد يعود لاختلاف منهجية المسح أو الفئات المستهدفة، إذ يقتصر رقم الإحصاءات العامة على الأردنيين، بينما تشمل دراسة المجلس المقيمين والعمالة غير الأردنية كافة.
وأشار إلى أن ارتفاع البطالة ينعكس مباشرة على حجم المشمولين بالضمان الاجتماعي بالمحافظة، مبينا أن إجمالي الفعالين عبر فرع الضمان في معان لا يتجاوز نحو 10 آلاف مشترك، يشكل الأردنيون منهم نحو 70 %.
وبين أن هذا العدد لا يمثل سوى نحو 0.6 % من إجمالي المشتركين الفعالين في المملكة، لتأتي معان في أدنى المراتب، إلى جانب محافظتي جرش والطفيلة، وفق آخر تقرير سنوي منشور لمؤسسة الضمان، ما يعكس ضعف وتيرة التشغيل وقلة فرص العمل الجديدة، واستمرار فجوة الحماية التأمينية.
وقال الصبيحي إن بالإمكان تحويل هذه المؤشرات من مجرد أرقام تعكس أزمة إلى فرصة لإحداث تغيير حقيقي في الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمحافظة، عبر إجراءات تحفز التشغيل وتوسع قاعدة المشمولين بالضمان.
وأضاف أن من أبرز هذه الإجراءات، توجيه جانب من استثمارات صندوق استثمار أموال الضمان نحو مشاريع إنتاجية في المحافظة، بما يسهم بخلق فرص عمل محلية، وإعادة ضخ عوائد في الاقتصاد المحلي وتعزيز المظلة التأمينية.
وأكد أهمية استثمار الموقع الجغرافي والسياحي للمحافظة، وقربها من المثلث السياحي الذي يضم: البترا ووادي رم والعقبة، عبر تطوير بنية سياحية ولوجستية متكاملة، يمكنها توفير فرص عمل مستدامة لشباب المحافظة، لافتا لضرورة إعادة دراسة أسباب تعثر وإغلاق مشاريع صناعية كبرى أثبتت نجاحها سابقا، وتحديثها وإعادة تشغيلها، مستشهدا بمصنع الزجاج، بما يمكن أن يرفد السوق المحلي بفرص العمل والتدريب.
وشدد الصبيحي على أهمية تعزيز المسؤولية المجتمعية لشركات التعدين واستخراج الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها شركات الفوسفات والبوتاس، بوضع إستراتيجيات واضحة تعطي الأولوية لأبناء المحافظة في التشغيل والتدريب والتأهيل، وتوفير بيئات عمل منظمة، تضمن شمول العاملين بمظلة الضمان والحماية الاجتماعية.
ارتفاع البطالة بالمحافظة
من جانبه قال رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة، إن ارتفاع البطالة بمحافظة معان لا يعود إلى افتقارها للموارد والفرص الاقتصادية، مشيرا إلى أن المحافظة تمتلك مقومات مهمة في قطاعات التعدين والطاقة المتجددة والسياحة والزراعة والخدمات اللوجستية، لكنها لم تتحول حتى الآن لاقتصاد محلي متنوع قادر على توليد عدد كافٍ من فرص العمل المستدامة.
وأضاف أبو نجمة أن كثيرا من المشاريع الكبرى بالمحافظة توفر فرص عمل مؤقتة خلال مراحل الإنشاء، قبل أن يتراجع حجم التشغيل لاحقا، إلى جانب محدودية ارتباط هذه المشاريع بالمنشآت والموردين المحليين.
وأوضح بأن مشكلة البطالة في معان لا يمكن اختزالها بعدم توافق تخصصات الباحثين عن عمل مع احتياجات السوق، برغم وجود فجوات فعلية في مهارات فنية ومهنية، مؤكدا أن المشكلة الأساسية تتمثل بمحدودية الوظائف الجيدة والمستقرة، وصعوبة الوصول لفرص بعينها، جراء بُعد مواقع العمل وضعف النقل العام وارتفاع كلفته.
وأضاف أبو نجمة أن تدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية، يجعل الفرص غير جاذبة، فيما تواجه النساء عوائق إضافية، أبرزها نقص وسائل النقل الآمنة وخدمات رعاية الأطفال وبيئات العمل الملائمة.
وقال أبو نجمة إن معالجة هذه التحديات تتطلب وضع برنامج تنمية وتشغيل خاص بمعان ضمن سياسة وطنية للتنمية المتوازنة، تشمل تطوير الطرق والنقل والربط اللوجستي والطاقة والمياه والاتصالات، وتوفير الأراضي الصناعية المخدومة، والخدمات الصحية والتعليمية والحضانات.
وأشار إلى ضرورة بناء سلاسل قيمة محلية، تربط التعدين بالتصنيع والصيانة والنقل، والطاقة المتجددة بالخدمات الفنية، والسياحة بالإقامة والحرف، والزراعة بالتصنيع والخدمات المرتبطة بها، مع ربط الحوافز والإعفاءات بعدد الوظائف المستدامة لأبناء المحافظة، ونسب تشغيل الشباب والنساء، ومستويات الأجور والشمول بالضمان الاجتماعي.
وأكد أبو نجمة أن التدريب يجب أن يرتبط بطلب اقتصادي وفرصة عمل محددة، وأن ينفذ بالتعاون المباشر بين المستثمرين والجامعات ومؤسسات التدريب، وينتهي بالتشغيل الفعلي، بدلا من تكرار دورات قصيرة لا يقابلها طلب حقيقي.
وشدد على أن معان لا تحتاج لبرنامج تشغيل مؤقت جديد، بل لاقتصاد قادر على إنتاج الوظائف باستمرار، ضمن خطة تنفيذية بموازنة وجدول زمنيين ومؤشرات تقيس انخفاض البطالة، وارتفاع مشاركة النساء، وزيادة الوظائف المستقرة والمشمولة بالضمان، وحصة أبناء المحافظة من القيمة الاقتصادية التي تنتجها مواردها ومشاريعها.
واقع السوق في معان 
مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، بين أن الدراسة التي أطلقها المجلس حول المحافظة تكتسب أهميتها لأنها تقدم قراءة معمقة لواقع السوق بالمحافظة وتؤكد مجددا أن معالجة البطالة والفقر لا يمكن أن تقوم على برامج عامة ومؤقتة، بل تحتاج إلى سياسات تنموية تستند للأدلة وتراعي الخصائص الاقتصادية والاجتماعية لكل محافظة.
وأضاف عوض أن ما توصلت إليه الدراسة من نتائج، لا يختلف كثيرا عن نتائج دراسات سابقة تناولت البطالة والتنمية المحلية في الأردن، موضحا بأن ضعف الاستثمارات المنتجة، ومحدودية التنوع الاقتصادي، والفجوة بين التعليم والتدريب واحتياجات السوق، وارتفاع كلف النقل والتشغيل، وضعف المشاركة الاقتصادية للنساء، كلها تحديات جرى تشخيصها مرارا السنوات الماضية.
وأكد أن المشكلة لم تعد تتمثل بنقص الدراسات أو غياب المعرفة بأسباب البطالة، بل بمدى قدرة المسؤولين وصناع القرار على تحويل هذه المعرفة لسياسات وتدخلات عملية، قادرة على إحداث تغيير ملموس.
وأشار عوض لأهمية التعامل بجدية مع نتائج هذه الدراسات، عند إعداد السياسات الاقتصادية والاجتماعية وبرامج مكافحة البطالة والفقر، وعدم ترك توصياتها حبيسة التقارير والنقاشات، مبينا أن السياسات الفاعلة يجب أن تنطلق من أولويات واضحة.
وأوضح بأن من أبرز هذه الأولويات، توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، وربط الحوافز الاستثمارية بعدد ونوعية فرص العمل التي يجري توفيرها، إلى جانب تطوير الصناعات المرتبطة بالثروات الطبيعية، بدلا من الاكتفاء باستخراجها، وبناء روابط أقوى بين التعليم والتدريب والاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
وقال عوض إن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة وغيرها من الدراسات ستظهر عندما تتحول نتائجها لخطط تنفيذية محددة، تتضمن برامج واضحة وموازنات ومسؤوليات مؤسسية ومؤشرات قابلة للقياس لتقييم النتائج، مشددا على أن الأردن أصبح يمتلك قدرا كبيرا من المعرفة حول أسباب البطالة والفقر، وما يحتاجه اليوم بدرجة أكبر هو الإرادة والسياسات والأدوات القادرين على نقل هذه المعرفة من صفحات الدراسات إلى واقع حياة الناس.