اقتصاد الحدس.. اقتصاد المعرفة*حسام عايش
الدستور
في كثير من الأحيان، يتم التعامل مع المؤشرات الاقتصادية بوصفها نتائج نهائية مكتملة ومستقلة عن السياق الذي انتجها، دون التوقف عند السؤال الاهم، كيف وصلت هذه المؤشرات الى هنا؟ وما القوى التي دفعتها للاستمرار في الاتجاه نفسه؟
هنا يبرز مفهوم السببية - يعني فهم العلاقة التي يكون فيها متغير او حدث اقتصادي (السبب) ويؤدي الى حدوث تغير في متغير آخر (النتيجة)، عبر آلية واضحة يمكن تتبعها داخل النظام الاقتصادي من خلال البحث عن ما الذي ادى الى حدوثه؟ وكيف انتقل اثره داخل الاقتصاد؟ وما النتائج التي ترتبت عليه لاحقا؟- ليس كأداة نظرية بل كمنهج تشخيصي يحدد مسار الظاهرة الاقتصادية منذ نشأتها وحتى تجليها في نسب وارقام.
في هذا الاطار، ووفق مفهوم السببية، يصبح اي مؤشر اقتصادي نتيجة لسلسلة من العلاقات والتشابكات والمداخلات وليس نقطة مستقلة.
فعندما يقال ان الايرادات السياحية لاول اربعة اشهر من 2026 تراجعت بنسبة 10.2% مقارنة بمثل الفترة من2025، فان هذه النسبة لا تصف حالة مستقلة بذاتها، بل تعبر عن محصلة عوامل جيوسياسية واقتصادية وسياسية خارجية وداخلية ادت اليها، حيث مفهوم السببية، يربط الاسباب بالنتائج، بما يتيح لصناع القرار تصميم سياسات تعالج جذور المشكلة وليس نتائجها الظاهرة، ويجعل التدخلات الاقتصادية اكثر دقة وفاعلية واستدامة.
هنا، يؤدي غياب الربط السببي الى ما يمكن تسميته بالتوقعات البسيطة، فسياسة رفع الضرائب قد تزيد الايرادات في المدى القصير، لكن دون وجود نموذج سببي لا يمكن ادراك ان هذه الزيادة قد تخفض الاستهلاك والاستثمار، وتؤدي الى تباطؤ النمو، ثم تراجع الايرادات الضريبية نفسها لاحقا، حيث المشكلة ليست في القرار نفسه بل بغياب ادراك الآلية التي ينتقل بها اثره داخل الاقتصاد.
اهمية مفهوم السببية، تظهر اكثر في قابلية الاختبار، حيث يمكن من خلال النموذج السببي طرح اسئلة دقيقة مثل هل ارتفعت كلفة راس المال فعلا؟ هل انخفض الاستثمار نتيجة لذلك، ام ان هناك عوامل اخرى مثل التضخم او السياسة النقدية؟ هذا النوع من الاسئلة يحول التحليل من قراءة وصفية الى تحليل قابل للتحقق، ما يعزز دقة السياسات الاقتصادية ويقلل من احتمالات الخطأ.
في السياق نفسه، يسهم الربط بين السبب والنتيجة في تحسين جودة السيناريوهات الاقتصادية، وجعلها اكثر واقعية واكثر فائدة لصناع القرار، حيث لا يكفي تقسيم المستقبل الى سيناريو افضل، واساسي، واسوأ، او متفائل/ متشائم، دون تحديد المحركات التي تقود كل سيناريو.
فزيادة النمو في سيناريو متفائل، لا يتحقق صدفة بل نتيجة تحسن الاستثمار او انخفاض كلفة التمويل او زيادة الانتاجية، بينما تراجع النمو في سيناريو متشائم، قد ينتج عن ارتفاع المخاطر او تراجع الطلب او صدمات خارجية.
في المقابل، يؤدي غياب الربط بين الاسباب والنتائج، الى فجوة واضحة بين التحليل وصناعة القرار، حيث يصبح التحليل قويا في التوقع لكنه ضعيف في التفسير البنيوي؛ ما يؤدي الى سياسات تعالج الاعراض دون الاسباب، فقد يتم التركيز على خفض البطالة عبر برامج تشغيل مؤقتة دون معالجة ضعف الاستثمار، او خفض عجز الموازنة عبر تقليل الانفاق الراسمالي، دون معالجة اسباب العجز الفعلية، ما يؤدي الى نتائج جزئية وغير مستدامة ومضرة بالعملية الاقتصادية في احيان كثيرة.
الاقتصاد، في جوهره، ليس مجموعة ارقام، بل نظام مترابط من الاسباب والنتائج، وكل قرار اقتصادي يمر عبر سلسلة من الآليات قبل ان يظهر اثره في المؤشرات المحتلفة، لذلك فالربط بين السبب والنتيجة ليس خيارا تحليليا بل شرط اساسي لفهم الواقع الاقتصادي وتوجيهه، فبدونه تتحول السياسات الاقتصادية الى ردود فعل قصيرة الاجل، وبادراكه واستخدامه يمكن بناء تدخلات وسياسات واتخاذ قرارات تذهب لجذور المشكلة، وتغير مسارها بشكل مستدام.
في عالم تتزايد فيه التعقيدات الاقتصادية، يصبح الربط بين السبب والنتيجة، هو الفارق الحقيقي بين اقتصاد يدار بالحدس، واقتصاد يدار بالمعرفة بوصفه شبكة علاقات سببية لا مجرد مؤشرات رقمية.