أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    13-May-2026

تنظيم الفضاء الرقمي.. دعم القرارات بالتوعية الأسرية

 الغد-إبراهيم المبيضين

وصف خبراء حزمة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتنظيم الفضاء الرقمي، خاصة فيما يتعلق بحجب المواقع الإباحية، بأنها "استجابة لنداء القيم والمسؤولية المجتمعية".
 
 
وأوضح الخبراء أن هذه الإجراءات التقنية والتشريعية الصارمة التي تضمنت حجب المواقع الإباحية والمحتويات المسيئة، وتطوير أطر لضبط الألعاب الإلكترونية الخطرة ووضع قيود عمرية على منصات التواصل الاجتماعي وخطوات لحجب إعلاناتها غير الأخلاقية، هي خطوات جادة لحماية المجتمع والأجيال القادمة.
غير أن الخبراء أشاروا إلى أن هذا وحده لا يكفي لمعالجة المشكلة، فالتجارب الدولية تظهر أن الحماية الفعالة تتطلب مزيجًا من الإجراءات يشمل التوعية الأسرية، والرقابة الأبوية، والتثقيف الرقمي، وتعزيز الصحة النفسية.
وكانت الحكومة اتخذت عدة إجراءات من بينها تفعيل آلية وطنية شاملة لحجب المواقع الإباحية عبر شبكات الإنترنت كافة  في المملكة.
ولفت هؤلاء إلى أن هذه التوجهات تضع الأردن في قلب حراك عالمي متسارع يسعى لاستعادة السيطرة على "الانفلات الرقمي" الذي بات يهدد الصحة النفسية والاجتماعية للمراهقين والأطفال في بلد يقدر فيه عدد مستخدمي الإنترنت بنحو 11 مليونا، وعدد حسابات التواصل الاجتماعي بنحو 6.5 مليون حساب.
وأوضحوا أن هذا التوجه الحكومي نحو تقنين المحتوى الرقمي الموجه للصغار وحجب المواقع الإباحية هو تجسيد للمسؤولية الوطنية تجاه حماية الأجيال القادمة.
ومع الإقرار بأهمية هذه الأدوات الرقابية، إلا أن الخبراء شددوا على أن الرهان الحقيقي يكمن في توفير مزيج من الإجراءات يشمل التوعية الأسرية، والرقابة الأبوية، والتثقيف الرقمي، وتعزيز الصحة النفسية، إلى جانب وجود تشريعات وآليات تقنية للحماية.
كما أن بناء وعي رقمي لدى الأطفال والمراهقين أصبح عنصرًا أساسيًا في الأمن المجتمعي الرقمي، بحسب الخبراء، خصوصًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات التفاعلية.
الخبيرة في مجال حقوق الإنسان المحامية د. نهلا عبد القادر المومني أكدت أن قرارات الحكومة من خلال هيئة تنظيم قطاع الاتصالات بالتعاون مع مزودي الخدمة، والبدء في حجب المواقع الإباحية تقنيًا عبر الشبكات كافة  في المملكة، هي " خطوة تضعنا أمام استحقاق وطني طال انتظاره".
فهذا القرار، بحسب المومني، يتجاوز كونه إجراءً تقنيًا بحتًا ليكون استجابة ضرورية لمواجهة التداعيات السلوكية والنفسية والاجتماعية الخطيرة التي تفرزها هذه المواقع على فئات المجتمع كافة، ولا سيما الأطفال والشباب.
وبينت المومني: "يستكمل هذا التوجه سلسلة تدابير حماية النشء التي بدأت العام الماضي بحجب أجزاء من لعبة «روبلوكس»، مما يؤكد وجود رؤية تسعى للحد من الآثار السلبية للفضاء الرقمي المنفلت على البناء القيمي للأسرة الأردنية".
ومع ذلك، ترى المومني أن هذا القرار على وجاهته، يفتح الباب أمام نقاش حقوقي وقانوني معمق حول حدود "الحجب" ومدى مواءمته للمعايير الدولية.
وأوضحت قائلة: "وفي إطار تأصيل هذا القرار دوليًا، تجدر الإشارة إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قد نص في المادة (19/3) منه على جواز تقييد حرية التعبير - بما في ذلك حرية النفاذ إلى الإنترنت - لحماية "النظام العام" والأخلاق العامة، وقد عززت التطبيقات القضائية الدولية هذا التوجه؛ حيث أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا سابقة مشروعية تقييد المنشورات التي تؤثر سلبًا على الأطفال.
وأشارت إلى أن  للدول سلطة تقديرية في تحديد ما هو ضروري لحماية "الأخلاق العامة".
وبناءً على ذلك، أكدت المومني أن تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي أو حجب المنصات التي تترك آثاراً ثقافية واجتماعية ضارة يقع ضمن "الهامش التقديري" للدول، والذي تمارسه استناداً لمنظومة قيمها الخاصة.
ورغم اختلاف هذه المنظومات بين المجتمعات، إلا أن هناك إجماعاً عالمياً على حتمية حماية الأطفال؛ إذ يتسع الهامش التقديري للدولة هنا ليصبح واجباً قانونياً نظراً لعدم اكتمال النمو النفسي والذهني للطفل، مما يجعله الأكثر عرضة للمخاطر في فضاء إلكتروني عابر للحدود والزمان، بحسب المومني.
وبينت أن هذه الإجراءات تتسق تماماً مع مبدأ "مصلحة الطفل الفضلى"، وهو الركيزة الجوهرية في اتفاقية حقوق الطفل التي تلزم الدول باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية كافة لمنع استغلال الأطفال وحمايتهم.
وأشارت إلى أن هذا القرار الذي طال انتظاره يحقق مصلحة عليا بحماية المجتمع وأفراده، وهو خطوة في الاتجاه الصحيح لتنظيم الفضاء الإلكتروني، غير أن المسؤولية لا تتوقف عند الجانب التقني؛ إذ لا بد من العمل بالتوازي على رفع الوعي وتحقيق "الحصانة والمنعة الذاتية" لدى الأفراد لتمكينهم من التعامل الرشيد مع هذا الفضاء الواسع.
وقالت: "كما أننا نترقب صدور تشريعات تضع تنظيماً واضحاً لاستخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، تيمناً بتجارب دولية جريئة اتخذت هذه الخطوة وقايةً للطفولة من مضار هذه الوسائل التي باتت عبئاً على كاهل الأطفال وذويهم على حد سواء".
وقال الخبير في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي م.هاني البطش: " إن العديد من الدراسات الدولية تشير إلى أن التعرض المبكر والمتكرر للمحتوى الإباحي قد يؤثر على التكوين النفسي والسلوكي للمراهقين، خصوصًا في المراحل العمرية التي لم يكتمل فيها النضج الإدراكي والعاطفي، وإن تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية ومنظمات حماية الطفل تشير إلى أن الوصول غير المنضبط لهذا النوع من المحتوى قد يساهم في تطبيع العنف الجنسي، وتشويه فهم العلاقات الإنسانية، ورفع احتمالية السلوكيات الخطرة أو العدوانية لدى بعض الفئات المعرضة للتأثر".
وبين أن جهات إنفاذ القانون في عدة دول تربط بين بعض شبكات الاستغلال الجنسي للأطفال واستخدام الإنترنت كقناة للاستدراج والتواصل.
وأضاف البطش قائلا: "ينظر إلى سياسات الحجب كطبقة حماية أولية تهدف إلى تقليل الوصول العشوائي أو غير المقصود، خصوصًا من قبل الأطفال والمراهقين، وليس باعتبارها حلًا مطلقًا، فالحجب يساهم في رفع “كلفة الوصول” وتقليل التعرض السهل والسريع للمحتوى الضار، وهو ما قد يحد من معدلات الاستخدام غير المقصود أو الفضولي لدى الفئات الأصغر سنًا".
لكن من الناحية التقنية، أكد البطش أنه لا يمكن اعتبار الحجب إجراءً كامل الفعالية بسبب انتشار تقنيات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) التي تتيح للمستخدم تجاوز القيود الجغرافية أو الرقابية عبر توجيه الاتصال من خلال خوادم خارجية. ومع ذلك، فإن استخدام VPN لا يخلو من تحديات تقنية تؤثر على تجربة الاستخدام، ومن أبرز هذه التحديات انخفاض سرعة الاتصال نتيجة إعادة توجيه البيانات عبر خوادم بعيدة، إضافة إلى زيادة زمن الاستجابة (Latency)، ما يؤدي إلى تقطع البث أو انخفاض جودة الفيديو، خاصة عند استخدام خدمات مجانية أو خوادم مزدحمة.
ولفت إلى أن بعض تطبيقات VPN تستهلك قدرًا أكبر من البطارية والبيانات، وقد تتسبب في انقطاع الاتصال أو ضعف استقرار الشبكة.
وبين قائلا: "إضافة إلى ذلك، فإن استخدام تطبيقات VPN غير الموثوقة قد يفتح الباب أمام مخاطر أمنية وخصوصية، إذ إن بعض الخدمات المجانية تجمع بيانات المستخدمين أو تعيد بيعها، بينما قد تحتوي تطبيقات غير معروفة على برمجيات ضارة أو أدوات تتبع خفية. 
وقال: "لهذا، فإن القضية لا تتعلق فقط بتجاوز الحجب، بل أيضًا بمخاطر رقمية إضافية قد لا يدركها المستخدم العادي".
ويرى البطش أنه من منظور استراتيجي، فإن الحجب وحده لا يكفي لمعالجة المشكلة، فالتجارب الدولية تظهر أن الحماية الفعالة تتطلب مزيجًا من الإجراءات يشمل التوعية الأسرية، والرقابة الأبوية، والتثقيف الرقمي، وتعزيز الصحة النفسية، إلى جانب وجود تشريعات وآليات تقنية للحماية.
كما لفت إلى أن بناء وعي رقمي لدى الأطفال والمراهقين أصبح عنصرًا أساسيًا في الأمن المجتمعي الرقمي، خصوصًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والمنصات التفاعلية.
وأشار إلى أن حجب المواقع الإباحية يمثل أداة وقائية مهمة لتقليل وصول الأطفال والمراهقين إلى المحتوى الضار، لكنه ليس حلًا تقنيًا كاملًا في ظل وجود أدوات تجاوز مثل VPN.
وبين أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء منظومة حماية متكاملة تجمع بين التقنية، والتوعية، والرقابة الأسرية، وحوكمة المحتوى الرقمي، بما يوازن بين الحماية المجتمعية والوعي الرقمي المسؤول.
خبير أمن المعلومات والجرائم الإلكترونية د.عمران سالم قال: "كثيرون يعتقدون واهمين أن بلوغ سن الثامنة عشرة يمنح صاحبه "درعاً واقية" ضد أخطار العالم الرقمي، لكن الواقع التقني يثبت أننا جميعاً، كباراً وصغاراً، نقف في خانة المبتدئين أمام  خوارزميات صُممت لسرقة الانتباه واختراق الوعي".
ولفت إلى أن التكنولوجيا تتطور بسرعة تفوق قدرة الدماغ البشري على المواكبة؛ فالخوارزميات لا تفرق بين طفل يتابع الرسوم المتحركة وطبيب أو مهندس يغرق لساعات في دوامة التصفح، فكلاهما ضحية لتآكل الصحة النفسية والإنتاجية تحت وطأة الإدمان الإلكتروني.
وأكد سالم أن التهديدات السيبرانية لا تستثني أحداً، بل تتشكل لتناسب كل فئة؛ فبينما يواجه الصغار خطر التنمر، يواجه الكبار اختراق البيانات البنكية والخصوصية المهنية، بل ويتحولون إلى وقود لنشر الأخبار الزائفة التي تزعزع الاستقرار المجتمعي.
والأخطر من ذلك، بحسب سالم،  هو "التوحد الرقمي" الذي لم يعد حكراً على اليافعين؛ فقد رأيت بيوتاً يسكنها بالغون يعيش كل منهم في فقاعته المنفصلة رغم وجودهم في غرفة واحدة، ولعل أغرب ما واجهته هو شكوى الطلبة من إدمان أولياء أمورهم، ما يؤكد أننا أمام أزمة وعي رقمي شاملة.
ويرى سالم أن حصر مفهوم "الحماية" في الأطفال وحدهم يضع الكبار في حالة استرخاء دفاعي خطير؛ لذا نحن بحاجة ماسة لتغيير المقاربة ليكون الأمان الرقمي حقاً مجتمعياً شاملاً.
ويبدأ ذلك بمحو الأمية الرقمية لجميع الفئات، من أرباب الأسر إلى الموظفين، وسن تشريعات تحمي "الإنسان" بغض النظر عن عمره، وصولاً إلى بناء "مناعة ذاتية" تعترف بضعفنا البشري أمام ذكاء الآلة، وتتبنى استراتيجيات "الديتول الرقمي" والتقنين الإرادي للاستخدام احتراماً لحياتنا الاجتماعية.
وقال: "التكنولوجيا بيئة نعيش داخلها وليست مجرد أداة، وكما أنه لا يمكننا إلقاء شخص في بحر هائج لمجرد أنه "بالغ" دون سترة نجاة، فإنه لا يمكننا ترك الكبار يواجهون أمواج العالم الرقمي دون حماية".