الغد
"التمويل الإسلامي في عصر الأنظمة الوكيلة" كان هذا شعار المؤتمر الثاني عشر للمال الإسلامي الذي انعقد في الدوحة العاصمة القطرية في 16/6 من هذا العام الذي خلص فيه المؤتمر إلى التوصيف الفقهي للأنظمة الوكيلة الذكية "الذكاء الاصطناعي" على اعتبار أن العمليات التي تتم من خلالها تقع ضمن مفهوم "عقد الوكالة" بحيث تختلف أحكامه باختلاف صوره، انسجاما مع قرارات المجامع الفقهية والمعايير الشرعية والتي تؤكد بأن العقود الذكية تتوافر فيها "أركان العقد الشرعي، ويختلف الحكم الشرعي لهذه العقود بحسب تنوع استخداماتها والمنصات والوسائل التقنية التي يتم تنفيذ العقود الذكية عن طريقها".
فمع ما نشهده اليوم من تسارع في ثورة الاتصالات والطفرة التقنية المتمثلة بالذكاء الاصطناعي حيث يمكننا الحديث عن أنظمة أو تقنيات وكيلة ذكية يمكنها أن تتخذ القرارات نيابة عنا وبشكل مستقل بما يتلاءم وطبيعة الموضوع المطروح أمامها، وهذا الكلام ينسحب على كافة المؤسسات المالية والتمويلية بما فيها الصناعة المصرفية الإسلامية وهذا ينقلنا إلى نمط جديد من التفكير والوقوف عند هذه التحولات خاصة تلك التي تتعلق بصناعة التمويل الإسلامي وبحكم فلسفته المختلفة التي تخضع لأحكام الشريعة الإسلامية، إذا فالموضوع هنا أكثر حساسية من كونه تعامل مع أمر واقع وتطور تقني يجب مجاراته، فلا بد من التعامل مع هذه التحولات بكافة أطرها القانونية والتنظيمية والشرعية ويعزز دور مؤسساتنا المالية الإسلامية في المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة في إطارها الشرعي وبما يعزز من أهدافها في الابتكار والتجديد، في الوقت الذي نراه اليوم من تحول نوعي وسريع في التقنيات والبرامج الذكية وقدرتها الفائقة على التفاعل مع البيانات الهائلة وتحليلها ثم اتخاذ القرار المناسب نيابة عن العنصر البشري مما يجعل من هذه التقنيات أهم عامل في قدرة هذه المؤسسات المالية على التطور والجودة في المنتجات وركيزة للابتكار، ويجعل من دور مؤسسات الصناعة المالية الإسلامية الفاعل الرئيسي والمهم في "المساهمة في صياغة نموذج مالي يجمع بين الكفاءة التقنية والضبط القيمي، وامتلاك الرؤية، والدعوة لأن يكون التمويل الإسلامي فاعلاً لا متفعِّلاً في هذا المشهد المستقبلي".
وبهذا الخصوص يقول الدكتور قطب سانو، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، في رفضه "لمبدأ الثنائية الوهمية بين قبول الأنظمة الذكية أو رفضها"، ويقترح منطقا ثالثا: "التوجيه الرشيد والاستيعاب الواعي. ورأى أن مستقبل العلاقة بين المجتمع الإسلامي والأنظمة الوكيلة لن يكون صراعا بين الإنسان والآلة، بل نموذجا للتكامل تقدم فيه الآلة الخدمة والكفاءة، في حين تبقى المسؤولية الأخلاقية والشرعية حكراً على الإنسان".
ولا بد من القول بأن المؤتمر أكد على، "أهمية توظيف التقنيات الحديثة في تطوير قطاع الوقف خصوصا وتعزيز الحوكمة والاستدامة، مع مراعاة الأطر الشرعية"،على اعتبار انه يمثل منصة لبحث التحديات والفرص المرتبطة بالأنظمة الوكيلة، والخروج بتوصيات عملية تتصل بتطوير المؤسسات المالية الإسلامية، وإدارة الوقف لخدمة التنمية والمجتمع ،مع العلم أن المؤتمر العاشر كان قد ناقش موضوع "اندماج المبادئ والتكنولوجيا، وتهدف لاستكشاف التطورات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي وتأثيرها على الفتاوى والرقابة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية".
ما وددنا قوله هنا مع التأكيد على ما ورد في مداخلات المؤتمر المذكور وبعض توصياته باننا لا يمكن أن نقف متفرجين أو محايدين أمام هذه الثورة التكنولوجية الهائلة بل يمكن لنا توظيفها في اتمتة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية ثم تحليل المخاطر الاستثمارية وبكل دقة والتعامل السريع مع البيانات الضخمة وتحليلها لمتخذي القرار وتقييم الجدوى الاقتصادية للمشاريع الاستثمارية ومن المهم لكافة المؤسسات دائما البحث عن خفض الكلف التشغيلية مع المحافظة على جودة المنتجات من خلال التسريع في المعاملات المالية وتقليل الأخطاء البشرية الممكن حدوثها، ومن الأمور التي يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي فيها هو تصميم وابتكار منتجات مالية جديدة تنسجم مع فلسفة الصناعة المالية الإسلامية والتزامها بأحكام الشريعة الإسلامية.