تقلص حجم الأسرة الأردنية.. الاعتبارات الاقتصادية أكثر حضورا في قرار الإنجاب
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
لعل تقلص حجم الأسرة الأردنية خلال العقد الماضي كان من بين أبرز النتائج التي خلفتها الضغوط الاقتصادية من جهة والتغيرات الاجتماعية من جهة أخرى، ما أدى إلى تغيير ملامح خريطة المجتمع الأردني وأنماط حياته.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تراجع حجم الأسرة الأردنية خلال السنوات الأخيرة، باعتباره تحولًا ديموغرافيًا، لم يكن معزولًا عن مجموع عوامل متداخلة كان أبرزها تضخم كلف الحياة المعيشية وتوجه أنماط الحياة المعيشية نحو أسلوب "المدن الحديثة".
ويثير هذا التحول تساؤلات حول مدى تأثير الضغوط المعيشية المتصاعدة على الديموغرافيا والاقتصاد الوطني وعلى النتائج المستقبلية التي قد تفرزها هذه التحولات.
وأشار الخبراء في تصريحات لـ"الغد" إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة، لا سيما في مجالات السكن والتعليم والصحة، لعب دورًا محوريًا في إعادة صياغة قرارات الزواج والإنجاب، وجعلها أكثر ارتباطًا بالقدرة المالية والاستقرار الاقتصادي، بدلًا من كونها قرارات اجتماعية تقليدية كما في السابق.
ويؤكد الخبراء أن الأثر النهائي لهذا التحول يعتمد على قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل التغيرات الديموغرافية إلى فرصة تنموية، بدلًا من أن تتحول إلى عبء مستقبلي، داعين إلى تبني رؤية إستراتيجية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التحولات السكانية وانعكاساتها على سوق العمل والتنمية في الأردن.
في الوقت نفسه ثمة من يرى أن هذا التغير مؤشر إيجابي يرتبط بارتفاع مستويات التعليم واتساع نطاق التحضر وتغير طبيعة سوق العمل وهو ما يسهم في إعادة تشكيل نمط الحياة الأسرية ورفع سقف التوقعات تجاه جودة الحياة، مع انتقال واضح من التركيز على عدد الأبناء إلى الاستثمار في النوعية وجودة التربية والتعليم.
حجم الأسرة الأردنية
وكانت التقديرات السكانية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة قد أظهرت، وصول عدد الأسر في المملكة إلى 2,475,767 مليون أسرة في نهاية عام 2025، بمتوسط حجم أسرة 4.8 فرد، مقارنة بـ 5.4 فرد في تعداد 2004.
ولفتت "الإحصاءات" في بيان لها أصدرته الخميس الماضي، بمناسبة اليوم العالمي للأسرة الذي يصادف 15 أيار (مايو) من كل عام، إلى أن البيانات أظهرت أن 79.2 % يترأسها ذكور و 20.8 % من الأسر تترأسها إناث.
وبالانتقال إلى معطيات الخصوبة، انخفض معدل الإنجاب الكلي (متوسط عدد الأطفال الذين يمكن أن تنجبهم المرأة في سن الإنجاب 15–49 سنة) من 3.5 طفل عام 2012 إلى 2.6 طفل عام 2023، وفق نتائج مسح السكان والصحة الأسرية عام 2023، (أي بانخفاض طفل في عشرة أعوام) وهو ما يعزز الاتجاه نحو تكوين أسر أصغر حجمًا.
أما على صعيد الظروف السكنية، فبينت نتائج مسح السكان والصحة الأسرية عام 2023 أن 97.5 % من الأسر تقيم في شقق أو دور، مع توفر مرتفع للخدمات الأساسية داخل المنازل.
خليط من العوامل.. اقتصادية تنموية اجتماعية
واعتبر الخبير الاقتصادي حسام عايش أن العامل الاقتصادي يعد من أبرز العوامل المؤثرة في تراجع حجم الأسرة الأردنية، إلى جانب عوامل اجتماعية وتنموية أخرى، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا في مجالات السكن والتعليم والصحة، جعل قرارات الزواج والإنجاب أكثر ارتباطًا بالقدرة المالية والاستقرار الاقتصادي.
وأضاف عايش أن هذا التحول ترافق مع تغيرات اجتماعية واضحة، أبرزها ارتفاع مستويات التعليم، لا سيما بين النساء، واتساع التحضر وتغير طبيعة سوق العمل، إضافة إلى توسع مشاركة المرأة في التعليم والعمل، ما أسهم في إعادة تشكيل نمط الحياة الأسرية، ورفع سقف التوقعات تجاه جودة الحياة والاستثمار في الأبناء بدلًا من زيادة عددهم. وأشار إلى أن هذه التحولات دفعت العديد من الأسر إلى تفضيل عدد أقل من الأطفال، مع التركيز على التعليم والرعاية الصحية والتنشئة النوعية، في ظل تراجع القدرة الشرائية للدخول رغم ارتفاعها الاسمي، ما جعل الاعتبارات الاقتصادية أكثر حضورًا في قرارات الإنجاب.
كما يلفت عايش إلى ارتفاع نسبة الأسر التي تترأسها نساء، معتبرًا أن هذه النسبة قد تعكس من جهة تحسنًا في استقلالية المرأة اقتصاديًا، لكنها من جهة أخرى قد ترتبط بعوامل اجتماعية مثل الطلاق أو هجرة الذكور للعمل خارج البلاد، ما يجعل الظاهرة متعددة الدلالات بين التمكين الاجتماعي والهشاشة الاقتصادية في بعض الحالات.
في المقابل، أوضح عايش أن هذا التحول يحمل صورة إيجابية، إذ يمكن أن ينجم عن انخفاض حجم الأسرة تحول من عبء محتمل إلى فرصة تنموية تعزز الدخل والاستثمار في رأس المال البشري، لافتًا إلى أن الأثر النهائي لذلك يعتمد على قدرة الاقتصاد الوطني على توفير فرص عمل ذات إنتاجية أعلى، وتحسين جودة التعليم والتشغيل.
ويرى عايش ضرورة تحرك الحكومة والمؤسسات المختلفة إلى الاستثمار في هذا التحول الديموغرافي من خلال وضع الأطر اللازمة ليكون مكسبًا تنمويًا مستدامًا، إضافة إلى التركيز على تحسين نوعية الحياة لكل فرد داخل الأسرة.
تقلص حجم الأسرة من منظور تنموي.. مؤشر إيجابي
بدوره، أكد مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن تراجع متوسط حجم الأسرة الأردنية خلال السنوات الأخيرة لا يمكن تفسيره بعامل واحد، حتى لو بقي العامل الاقتصادي في مقدمة الأسباب الأكثر تأثيرًا.
فالانخفاض من 5.4 فرد عام 2004 إلى 4.8 فرد في نهاية عام 2025 يعكس تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والثقافية، التي أعادت تشكيل قرارات الزواج والإنجاب وتكوين الأسرة في الأردن.
وأوضح عوض أن الضغوط الاقتصادية التي عايشها الأردنيون في السنوات الأخيرة، لعبت دورًا رئيسا في هذا التحول، فارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف نمو الأجور، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، كلها عوامل جعلت تأسيس الأسرة أكثر صعوبة، ودفعت كثيرًا من الأسر إلى إعادة النظر في عدد الأطفال وقدرتها على تأمين متطلبات الحياة الكريمة لهم. لكن هذه ليست الصورة الكاملة.
ومن جانب آخر، يؤكد عوض أن الأردن شهد تحولات اجتماعية وتنموية مهمة خلال العقود الماضية. فارتفاع مستويات التعليم، خاصة بين النساء، واتساع الوعي بأهمية التخطيط الأسري، وتغير نظرة الأجيال الجديدة إلى الزواج والإنجاب، كلها عوامل ساهمت في تقليص حجم الأسرة.
كما لفت إلى أن كثيرًا من الأسر باتت تميل إلى التركيز على نوعية الحياة، والتعليم الأفضل، والرعاية الصحية الأفضل للأبناء، بدلًا من التركيز على العدد فقط، كذلك، لا يمكن تجاهل أثر الجهود الحكومية والمؤسسية، سواء من خلال وزارة الصحة أو عبر مؤسسات رسمية أخرى، إلى جانب دور مؤسسات المجتمع المدني، في نشر الوعي بالصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة وتسهيل الوصول إلى الخدمات المرتبطة بها.
ومن منظور تنموي، يرى عوض أنه يمكن النظر إلى هذا التغير بوصفه مؤشرًا إيجابيًا إذا ارتبط بتحسن نوعية الحياة، وارتفاع مستويات التعليم، وتعزيز مشاركة النساء، وزيادة قدرة الأسرة على الاستثمار في صحة أبنائها وتعليمهم، فالتنمية لا تقاس فقط بعدد السكان، بل أيضًا بنوعية الفرص المتاحة لهم وبقدرة الأسرة على توفير حياة أكثر كرامة واستقرارًا لأفرادها.
واعتبر عوض أن التحدي الأهم حاليًا، هو استغلال هذا التحول الديموغرافي كفرصة تنموية حقيقية عبر سياسات أكثر عدالة في الأجور، والسكن، والعمل، والحماية الاجتماعية.
جودة الاستثمار الأسري
من جانبه، يرى أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري أن العوامل الاقتصادية التي مر بها الأردن خلال السنوات الأخيرة لعبت دورًا بارزًا في تقليص حجم الأسرة، مشيرًا إلى أن ارتفاع كلفة الزواج وتزايد الأعباء المعيشية أسهما بشكل مباشر في تأخير سن الزواج مقارنة بما كان عليه الحال في العقود الماضية.
وأضاف "كان ما ينظر إليه سابقًا باعتباره سنًا "طبيعيًا" للزواج في العشرينيات، بات اليوم أكثر مرونة، إذ أصبح من الشائع امتداد سن الزواج إلى الثلاثينيات، في ظل تحولات اجتماعية جعلت المجتمع أكثر تقبلًا لهذا التغير".
وأشار الحموري إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة لا ينعكس فقط على سن الزواج، بل يمتد أيضًا إلى قرار الإنجاب، إذ ترتفع كلفة تربية الأطفال من تعليم ورعاية صحية واحتياجات أساسية، ما يدفع العديد من الأسر إلى تقليص عدد الأبناء والتركيز على ما يسمى بـ"جودة الاستثمار الأسري" في التربية والتعليم.
ولفت الحموري إلى أن هذا التحول يعكس تغيرًا في نمط التفكير الأسري، من الاعتماد على كثرة الأبناء كقوة داخل الأسرة، إلى التركيز على إعداد أبناء أكثر تأهيلًا لسوق العمل والحياة.
وفي المقابل، لفت إلى أن هذا المسار قد يحمل انعكاسات بعيدة المدى على البنية الديموغرافية وسوق العمل، مستشهدًا بتجارب دول شهدت انخفاضًا حادًا في معدلات النمو السكاني بعد سياسات تهدف إلى تقليل الإنجاب، ما أدى لاحقًا إلى تحديات في توفير القوى العاملة ودفعها إلى مراجعة سياساتها السكانية.
وشدد الحموري على أن هذه التحولات تستدعي الحيطة والحذر، داعيًا إلى أهمية وضع رؤية إستراتيجية واستشرافية على مستوى الدولة، تأخذ بعين الاعتبار التغيرات الديموغرافية المقبلة وانعكاساتها على الاقتصاد وسوق العمل في الأردن.