أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    11-May-2026

"الناقل الوطني".. إعادة صياغة الخريطة الاقتصادية والتنموية لعقود

 الغد-إيمان الفارس

 في الأردن، لا تبدو المياه مجرد مورد طبيعي قابل للنقص أو الزيادة؛ فهنا، تتحول قطرة المياه إلى قضية ترتبط مباشرة بالاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي وقدرة الدولة على الصمود.
 
 
فالمياه في الحالة الأردنية لم تعد ملف خدمات أو تحديا فنيا يمكن احتواؤه بحلول مؤقتة، بل أصبحت واحدة من أعقد القضايا السيادية التي تواجه الدولة منذ عقود.
والأردن، الذي يقف منذ سنوات طويلة في قائمة أفقر دول العالم مائيا، لم يعد يواجه أزمة موسمية أو اختلالا مؤقتا يمكن احتواؤه بإجراءات تقشفية أو مشاريع جزئية، إنما ما يواجهه اليوم هو أزمة بنيوية عميقة تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة، والمناخ مع الاقتصاد، والديموغرافيا مع الأمن الوطني.
ومع اتساع الفجوة المائية عاما بعد آخر، وتراجع نصيب الفرد من المياه إلى مستويات حرجة، واستنزاف الأحواض الجوفية بوتيرة مقلقة، بات السؤال الذي يفرض نفسه داخل مؤسسات القرار؛ كيف يمكن لدولة محدودة الموارد، تقع وسط إقليم مضطرب، أن تؤمن احتياجاتها المائية وتحافظ في الوقت نفسه على استقرارها السياسي والاجتماعي؟
ووسط هذا المشهد الثقيل، يبرز مشروع "الناقل الوطني" باعتباره واحدا من أكثر المشاريع الإستراتيجية حساسية في تاريخ الأردن الحديث.
فالمشروع الذي يقوم على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى مختلف المحافظات، لا ينظر إليه فقط كمشروع بنية تحتية ضخم، بل كمحاولة لإعادة صياغة علاقة الدولة بالمياه، وإعادة رسم خريطتها الاقتصادية والتنموية لعقود مقبلة.
قرار سيادي
في النقاشات التقليدية، يجري التعامل مع المشاريع المائية باعتبارها أرقاما وكلفا وتمويلا وشبكات ضخ، لكن القراءة التي يقدمها مدير مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية د. عبدالله سرور الزعبي، تذهب إلى مستوى أبعد بكثير.
فالزعبي، لا يتحدث عن المشروع بوصفه خيارا فنيا أو استثمارا خدميا، بل باعتباره قرارا سياديا يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على الاستمرار في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ويقول الزعبي في ورقة دراسة، انفردت بنشرها "الغد"، إن المياه في الحالة الأردنية ليست "ملفا تقنيا"، بل "سؤال سيادي عميق"، وهي عبارة تختصر طبيعة الأزمة التي يعيشها الأردن؛ فالدولة التي تعاني من شح مائي مزمن، وتعتمد جزئيا على مصادر مائية عابرة للحدود، تبقى دائما معرضة لضغوط سياسية وجيوسياسية يصعب فصلها عن ملف المياه نفسه.
ومن هنا، فإن المشروع لا يقدم فقط مصدرا إضافيا للمياه، بل يسعى إلى تقليص مستوى الهشاشة الإستراتيجية التي فرضتها الجغرافيا لعقود طويلة، وفق الزعبي.
وفي جوهر الفكرة، يريد الأردن أن ينتقل تدريجيا من دولة تتحرك تحت ضغط الندرة، إلى دولة تمتلك قدرة أكبر على إدارة احتياجاتها المائية بصورة مستقلة نسبيا، ولهذا، فإن المشروع يحمل بعدا سياديا واضحا، حتى وإن جرى تغليفه بخطاب تنموي واقتصادي.
وعن أكثر الأسئلة التي أثيرت حول "الناقل الوطني" والتي ارتبطت بالتكلفة الضخمة للمشروع، في ظل أوضاع اقتصادية معقدة ومديونية مرتفعة، يقلب الزعبي المعادلة تماما حين يطرح سؤالا مختلفا؛ ماذا عن تكلفة عدم تنفيذ المشروع؟
ويوضح الزعبي في هذا السياق، أن الفكرة تبدو أكثر عمقا من مجرد مقارنة مالية؛ فاستمرار العجز المائي يعني، عمليا، مزيدا من الضغط على المياه الجوفية التي تقترب بعض أحواضها من مراحل خطرة، ومزيدا من التراجع في قدرة القطاعات الاقتصادية على التوسع، ومزيدا من الاختلال في توزيع المياه بين المحافظات.
كما يعني أيضا ارتفاع احتمالات التوتر الاجتماعي في بيئة تعاني أصلا من ضغوط اقتصادية وبطالة وتفاوت تنموي.
ولهذا يصف الزعبي المشروع بأنه "استثمار في الاستقرار"، لا مجرد مشروع تحلية ونقل، معتبرا أن الاستقرار هنا لا يقاس فقط بتوفر المياه في المنازل، بل بقدرة الدولة على منع تحول الندرة إلى عامل تفكيك اقتصادي واجتماعي تدريجي.
وتبدو هذه النقطة بالغة الحساسية إذا ما وضعت في سياق التغير المناخي، حيث تشير التقديرات إلى أن المنطقة مقبلة على مزيد من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الهطول المطري، ما يعني أن الضغوط المائية لن تتراجع في المستقبل القريب، بل ستزداد تعقيدا.
البعد الجيوسياسي
وفي واحدة من أكثر النقاط أهمية في الورقة، يتوقف الزعبي عند البعد الجيوسياسي للمشروع؛ ففي الشرق الأوسط، لم تكن المياه يوما مجرد مورد طبيعي، بينما ترتبط المياه هنا بالحدود، والاتفاقيات، وموازين القوة، والعلاقات الإقليمية.
ولطالما اعتمد جزء من الأمن المائي الأردني على ترتيبات مائية مشتركة ومصادر عابرة للحدود، وهو ما جعل ملف المياه حساسا في أي معادلة سياسية إقليمية.
لكن بناء منظومة تحلية وطنية تمتد من خليج العقبة إلى الداخل الأردني، قد يغير جزءا من هذه المعادلة؛ فالزعبي يرى أن المشروع ينقل الأردن من موقع "المستورد المقيّد" إلى "فاعل شبه مستقل"، بما يمنحه هامشا أوسع للمناورة السياسية ويقلل من مستوى الضغوط المرتبطة بالمياه.
وهذا التحول لا يعني بالطبع أن الأردن سيصبح مكتفيا مائيا، لكنه قد يقلل من هشاشته أمام التقلبات السياسية والإقليمية، ويمنحه قدرة أكبر على التخطيط بعيد المدى.
كما أن المشروع يعيد تسليط الضوء على موقع العقبة والبحر الأحمر في الحسابات الإقليمية الجديدة، خصوصا مع تصاعد التنافس الدولي على الممرات البحرية والطاقة والمشاريع اللوجستية الكبرى في المنطقة.
وبعيدا عن البعد السيادي، يحمل المشروع رهانا اقتصاديا ضخما؛ فالمياه في الأردن لم تعد فقط حاجة استهلاكية، بل أصبحت شرطا أساسيا للنمو الاقتصادي نفسه.
فالكثير من القطاعات الصناعية والزراعية والاستثمارية تواجه قيودا مرتبطة بشح المياه، وهو ما يحد من قدرتها على التوسع واستقطاب الاستثمارات.
فرص التوسع الزراعي
من هنا، يطرح مشروع الناقل الوطني باعتباره أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للدولة؛ فتوفر المياه قد يفتح المجال أمام صناعات جديدة كثيفة الاستخدام للمياه، ويعزز فرص التوسع الزراعي عالي القيمة، ويرفع قدرة المدن والمناطق التنموية على جذب الاستثمارات.
وتشير ورقة الزعبي إلى أن المشروع قد يضيف بصورة غير مباشرة ما بين 1 % إلى 2 % إلى النمو السنوي، إذا ما جرى دمجه ضمن إستراتيجية اقتصادية متكاملة.
لكن هذه الفوائد تبقى مشروطة بطريقة الإدارة؛ فالزعبي يحذر من أن المشاريع الكبرى لا تفشل غالبا أثناء الإنشاء، بل بعد ذلك، عندما تصطدم بارتفاع الكلف التشغيلية وضعف الإدارة وغياب التكامل مع الاقتصاد المحلي.
ولهذا، يؤكد ضرورة ألا ينظر لمشروع الناقل الوطني كمشروع هندسي معزول، بل كمشروع اقتصادي وتنموي شامل يرتبط بالطاقة، والصناعة، والاستثمار، والتخطيط العمراني، والسياسات الاجتماعية.
ورغم الطابع الإستراتيجي الذي تحمله الورقة، إلا أنها لا تتعامل مع المشروع بوصفه مشروعا مثاليا أو معصوما من الأخطاء؛ فالزعبي يقر بوجود تحديات حقيقية ومعقدة، تبدأ من كلف الطاقة والتشغيل، ولا تنتهي عند الحاجة إلى إصلاحات عميقة في إدارة قطاع المياه نفسه.
وفي مقدمة هذه التحديات، يبرز ملف فاقد المياه الذي يتجاوز، بحسب بعض التقديرات 40 %، وهي نسبة تعني أن جزءا ضخما من المياه يضيع قبل وصوله إلى المستهلك، سواء بسبب اهتراء الشبكات أو الاعتداءات أو ضعف الإدارة.
كما يطرح ملف تسعير المياه نفسه كواحد من أكثر الملفات حساسية، فكيف يمكن تحقيق تسعير عادل يضمن استدامة القطاع دون تحميل المواطنين أعباء إضافية في ظل أوضاع اقتصادية صعبة؟
إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة إلى ربط المشروع بالطاقة المتجددة لتخفيف الكلف التشغيلية المرتفعة، خصوصا أن مشاريع التحلية تعد من أكثر المشاريع استهلاكا للطاقة.
أبعد من نقاش
في الخلاصة، لا يبدو النقاش حول "الناقل الوطني" مجرد نقاش حول مشروع مياه ضخم، بل حول شكل الدولة الأردنية في العقود المقبلة.
والسؤال هنا: هل سيكون المشروع مجرد استجابة اضطرارية لأزمة متفاقمة؟ أم أنه سيتحول فعلا إلى نقطة تحول تؤسس لنموذج اقتصادي وتنموي أكثر قدرة على التكيف مع الندرة والتغير المناخي؟
ويختصر الزعبي هذه المعادلة بعبارة "نحن لا ندفع ثمن الماء فقط، بل ثمن الجغرافيا"، وهي عبارة تعكس إدراكا عميقا لطبيعة التحدي الأردني؛ فالأردن لا يواجه فقط نقصا في الموارد، بل يواجه أيضا حدود الجغرافيا السياسية والمناخية التي فرضت عليه واقعا شديد التعقيد.
لكن ورقة مدير مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية، تذهب أبعد من توصيف الأزمة؛ فهي تدعو ضمنيا إلى إعادة التفكير بطريقة إدارة المياه والاقتصاد معا، انطلاقا من فكرة أن الندرة لا تعني بالضرورة العجز، إذا ما جرى تحويلها إلى دافع لبناء سياسات أكثر كفاءة واستدامة.