الناقل الوطني يعيد تشكيل الزراعة من كلفة الندرة إلى اقتصاد الإنتاج المستدام*رندا حتاملة
الدستور
الأردن يواجه فجوة مائية تُقدّر بنحو 400 مليون متر مكعب سنويًا في ظل توفر يقارب 950 مليوناً مقابل احتياجات تصل إلى 1.4 مليار متر مكعب ولا يملك ترف التعامل مع هذا الملف كخدمة، بل كقضية سيادية تمسّ صميم الإنتاج والاستقرار.
من هنا، يكتسب مشروع الناقل الوطني معناه الحقيقي، كمشروع يعيد تعريف العلاقة بين الندرة والنمو، وليس مجرد خط لتحلية ونقل المياه.
فحين يضخ المشروع نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً، فهو لا يقلّص الفجوة فحسب، بل يعيد ضبط معادلة الاقتصاد، ويفتح الباب أمام قطاع الزراعة الذي ظلّ طويلاً رهينة التقلبات.
فالزراعة الأردنية لم تكن يوماً تعاني مشكلة الكفاءة، بقدر ما كانت مشكلة محدودية الموارد. فالماء كان دائماً العامل الحاسم حضوراً وغياباً، ومع كل موسم مطري متذبذب، كانت المخاطرة ترتفع، والإنتاجية تتراجع، ويزداد الاعتماد على الخارج، لكن مع مورد مائي مستقر، تتغير القاعدة ويصبح بالإمكان التوسع في المساحات المروية، ورفع إنتاجية الدونم، وتبني تقنيات ري أكثر كفاءة، دون الخوف من انقطاع مفاجئ يعصف بالموسم.
صحيح أن كلفة المياه سترتفع بفعل التحلية والنقل، لكن الاقتصاد لا يُقاس بالكلفة المباشرة وحدها، فكلفة العطش أعلى بكثير، وتتلخص التكلفة بمواسم زراعية مهدورة، وإنتاج غير مستقر، واستثمارات مترددة. وفي المقابل، يقدّم الناقل الوطني ما هو أثمن من الماء ذاته، يقدم اليقين، وهو العملة الأهم في أي اقتصاد، فالأثر لا يتوقف عند الحقول، فحين تستقر الزراعة، تستقر معها سلاسل كاملة؛ الصناعات الغذائية، النقل، التشغيل الريفي، وحتى الميزان التجاري عبر تقليص فاتورة الاستيراد، وتقديرات دولية تشير إلى أن كل دولار يُستثمر في المياه يمكن أن يحقق عوائد مضاعفة، لأن أثره يتسرب إلى كل مفصل إنتاجي.
ما يحدث اليوم يتجاوز مشروعاً مائياً إنه انتقال من إدارة الندرة إلى إدارة الاستدامة. والأردن، الذي لطالما أتقن التكيّف مع محدودية موارده، يخطو خطوة أبعد، تحويل هذا التحدي إلى رافعة نمو، وفي المحصلة، ليست القصة عن مياه تُنقل من البحر إلى الداخل، بل عن اقتصاد يُعاد تشكيله من الجذور، وحين تصل المياه إلى الحقول الزراعية بثبات، يصل معها فرصة حقيقية لزراعة الاستقرار ذاته.