استمرار الحرب ينذر بموجة تضخم.. كيف يواجه الاقتصاد الأردني الواقع الجديد؟
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
بينما تقود التوترات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط إلى احتمالات اقتصادية أكثر سوءا خلال الفترة المقبلة، وعلى رأسها ارتفاع معدلات التضخم، يؤكد خبراء أن الاقتصاد الوطني سيكون أمام اختبار ليس سهلا يجب الاستعداد له جيدا.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء اقتصاديون أن التجربة الأردنية في مواجهة موجات التضخم خلال السنوات الماضية أظهرت قدرة على احتواء الضغوط، خاصة تلك المستوردة من الخارج، مستندين إلى استقرار معدلات التضخم عند مستويات معتدلة مقارنة بالعديد من دول العالم، رغم التحديات الإقليمية والدولية المتلاحقة.
وأشار هؤلاء إلى أن مخاطر موجة جديدة من التضخم ما تزال قائمة مع تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية عالميا، وارتفاع أسعار النفط والغاز، واستمرار التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد، وهي عوامل قد تعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، خصوصا في اقتصادات تعتمد على الاستيراد كالأردن.
وبيّنوا أن قدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع هذه التحديات ترتبط بتكامل السياسات النقدية والمالية، وتعزيز أدوات الحماية الاقتصادية، لا سيما في مجالات الطاقة والغذاء، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يسهم في تعزيز المرونة الاقتصادية والحد من أثر الصدمات المستقبلية.
ولفتوا إلى أن التعامل مع موجات التضخم المستورد يتطلب نهجا استباقيا، يقوم على تحقيق التوازن بين احتواء الضغوط السعرية والحفاظ على وتيرة النمو، في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بعدم اليقين وتزايد المخاطر.
ويُشار إلى أن الأسابيع الثلاثة الأخيرة شهدت بوادر لمسببات موجة تضخم جديدة، في مقدمتها ارتفاع أسعار النفط، التي ارتفعت بأكثر من 40 % منذ بداية شهر آذار (مارس) ليسجل أعلى مستوياته منذ عام 2022، وتعمقت الارتفاعات مؤخرا بعد أن دفعت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران طهران إلى وقف حركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو
20 % من إمدادات النفط العالمية، فيما لامس سعر برميل النفط مستوى 120 دولارا قبل أن يعود إلى ما دون 100 دولار أخيرا، كما طرأت ارتفاعات على أسعار الشحن البحري والجوي، ما يثير اضطراب التجارة العالمية وإمكانية انقطاع سلاسل الإمداد.
وتجدر الإشارة إلى أن المستوى التراكمي لمعدل التضخم خلال أول شهرين من العام الحالي في المملكة سجّل زيادة بنسبة
1.11 % مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي وفقا لبيانات دائرة الإحصاءات العامة.
وتأتي بوادر هذه الموجة الجديدة بعد أن شهد العالم خلال الأعوام الأخيرة (2021-2024) حالة من المد التضخمي، نجمت عن الاضطرابات الاقتصادية التي أحدثتها جائحة كورونا، إضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت سلبا على ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، لا سيما النفط والغاز الطبيعي.
وخلال موجة التضخم الأخيرة نجح الاقتصاد الأردني في الحفاظ على معدلات تضخم معتدلة قياسا بالارتفاعات الحادة للتضخم على المستوى الإقليمي والعالمي، إذ بقيت في المملكة ضمن نطاق 4-4.5 %، بينما تخطت في العديد من الدول حاجز
10 %.
مواجهة التضخم تتطلب تعزيز الإنتاج المحلي والأمن الطاقي
من جانبه أوضح أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري "أن التضخم لا ينشأ من مصدر واحد، بل يرتبط أساسا بنوعين رئيسين من الضغوط، الأول تضخم ناتج عن زيادة الطلب، عندما يفوق الطلب الكلي في الاقتصاد القدرة الإنتاجية، ما يؤدي إلى ارتفاع عام في مستوى الأسعار، وفي هذه الحالة، يملك البنك المركزي أدوات للتدخل، من خلال تقليص عرض النقد وامتصاص السيولة للحد من الضغوط السعرية".
وأضاف الحموري: "النوع الثاني، وهو المهم في السياق الحالي، يتمثل في التضخم الناتج عن تراجع العرض، كما يحدث في أوقات الأزمات والحروب واضطرابات سلاسل الإمداد، حيث تنخفض الكميات المتاحة من السلع والخدمات، في مقابل طلب قائم، ما يدفع الأسعار للارتفاع"، مؤكدا أن هذا النوع من التضخم يعد أكثر تعقيدا.
وأشار الحموري إلى أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، لا سيما في قطاع الطاقة، من خلال التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، بما يسهم في تقليل التعرض للصدمات الخارجية. وشدد الحموري على أن الأمن الطاقي لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي أو حتى الأمن الوطني، ما يستدعي استخلاص الدروس من الأزمات الحالية، والعمل على رفع مساهمة الطاقة البديلة في مزيج الطاقة في الأردن، باعتبارها خيارا إستراتيجيا طويل المدى.
أدوات فعالة للحد من الضغوط التضخمية
بدوره، قال الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة "إن المخاطر الحالية لارتفاع التضخم قائمة على جميع الاقتصادات، لا سيما في المنطقة، لكنها بالنسبة للأردن لن تكون كارثية سواء على المدى القصير أو المتوسط".
وأشار إلى أن التطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أدت إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة ورفعت أسعار النفط عالميا، مع مخاوف من تصعيد قد يدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، ما ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج ويغذي التضخم عالميا، وفق الخبير الاقتصادي.
وفي المقابل، أوضح المخامرة أن الاقتصاد الوطني، بوصفه اقتصادا يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة والغذاء والسلع الأساسية، يظل عرضة لانتقال هذه الضغوط عبر ارتفاع كلف الوقود والكهرباء، ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات، فضلا عن احتمالية ارتفاع ما يعرف بالتضخم المستورد نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد.
ورغم ذلك، يشير إلى أن البيانات الحالية تعكس وضعا مستقرا نسبيا، حيث بلغ التضخم خلال أول شهرين من العام نحو 1.11 %، وهو أقل من متوسط العام الماضي وبعيد عن الذروات التي سجلها في سنوات سابقة، ما يعكس قدرة الاقتصاد على احتواء جزء من الصدمات.
وبين المخامرة أن الاقتصاد الأردني أظهر مرونة في مواجهة صدمات سابقة، مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا والتوترات الإقليمية، مدعوما بنمو معتدل، واحتياطيات أجنبية مريحة، ومستويات تضخم منخفضة، إضافة إلى التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة، ما يعزز قدرته على امتصاص الصدمات.
وقدر المخامرة أن جاهزية الاقتصاد الأردني لمواجهة موجة تضخمية جديدة تتراوح بين المتوسطة والجيدة على المدى القصير إلى المتوسط، مستندا إلى عوامل قوة أبرزها احتياطيات البنك المركزي التي تتجاوز 26 مليار دولار، واستقرار السياسة النقدية، إلى جانب انخفاض التضخم الأساسي.
وبشأن دور السياسة النقدية، يوضح المخامرة أن البنك المركزي يمتلك أدوات فعالة للحد من الضغوط التضخمية قصيرة الأجل، من خلال إدارة أسعار الفائدة والسيولة والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وهو ما يتيح السيطرة على التضخم الداخلي، لافتا إلى أن التضخم المستورد بشكل مباشر من الخارج يتطلب فرض موازنة دقيقة بين احتواء التضخم والحفاظ على وتيرة النمو.
وأشار المخامرة إلى أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب تكاملا بين السياسة النقدية والمالية، من خلال إجراءات حكومية تشمل دعما موجها للفئات الأكثر تأثرا، وتعزيز المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية، وتسريع جهود تنويع مصادر الطاقة، ودعم الإنتاج المحلي، إلى جانب تعزيز التعاون الاقتصادي مع الشركاء الدوليين.
تجارب وطنية سابقة ناجحة في مواجهة موجات التضخم
أكد الخبير الاقتصادي زيان زوانة أن التجربة الأردنية في التعامل مع التضخم المستورد خلال السنوات الماضية يمكن وصفها بالناجحة، مستندا إلى بقاء معدلات التضخم دون مستوى 4 % منذ عام 2022 وحتى اليوم، في وقت شهدت فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة معدلات تراوحت بين 8 % و10 %، فيما سجلت بعض دول الإقليم معدلات أعلى من ذلك بكثير.
وفيما يتعلق بالمرحلة المقبلة، يلفت إلى أن هناك مخاوف من تجدد الضغوط التضخمية عالميا، في ظل تداعيات التوترات الجيوسياسية على أسعار النفط والغاز، واستمرار التحديات التي تواجه سلاسل التوريد، وهي عوامل قد تنعكس على مختلف اقتصادات العالم.
ورغم ذلك، رجح زوانة أن يبقى تأثير هذه التطورات على الأردن محدودا نسبيا، في ظل استمرار النهج الحذر في إدارة السياسة النقدية، إلا أنه يحذر من سيناريوهات أكثر تعقيدا في حال اتساع رقعة التوترات أو استمرار تعطل الممرات الحيوية، ما قد يؤدي إلى تداعيات أوسع لا تقتصر على التضخم، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية وميزانيات الدول.
ولفت زوانة إلى أن بعض المؤشرات الإقليمية بدأت تعكس هذه الضغوط، من بينها خروج تدفقات من العملات الأجنبية، والضغوط على أسعار الصرف، وتراجع مستويات السيولة، ما يستدعي متابعة دقيقة واستعدادا استباقيا للتعامل مع أي تطورات محتملة.