أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    25-Apr-2026

السياحة البيئية.. نموذج تنموي يستثمر الموارد الطبيعية دون استنزافها

 الغد-فرح عطيات

 تفرض السياحة البيئية نفسها اليوم كأحد أكثر المسارات الواعدة لإعادة صياغة القطاع السياحي في الأردن، بوصفها نموذجا تنمويا يقوم على استثمار الموارد الطبيعية دون استنزافها، ويوازن بين حماية الأنظمة البيئية وتمكين المجتمعات المحلية.
 
 
يأتي ذلك في ظل ما يمتلكه الأردن من تنوع طبيعي فريد يمتد من غابات الشمال إلى الصحارى والواحات والبحار، ما يفتح المجال أمام نشاط سياحي مستدام على مدار العام، ويعزّز الاقتصاد الريفي، ويوفر فرص عمل، إلى جانب ترسيخ ثقافة بيئية تعيد وصل الإنسان بمحيطه الطبيعي.
ويتعزّز هذا التوجه مع زيارة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدﷲ الثاني إلى محمية غابات اليرموك الأسبوع الماضي، التي حملت دلالات تتجاوز البعد البروتوكولي، لتؤكد أهمية هذا القطاع كخيار وطني يرتبط مباشرة بمسارات التنمية المستدامة.
وعكست الزيارة، عبر الحضور الميداني والتفاعل مع الناشطين، اهتماما رسميا بدعم السياحة البيئية وتطويرها، بما يضمن حماية التنوع الحيوي وتحويله إلى رافعة اقتصادية واجتماعية تعود بالنفع على المجتمعات المحلية.
خيار وطني
وتؤكد زيارة سمو ولي العهد إلى محمية غابات اليرموك أهمية السياحة البيئية "كخيار وطني" يعزّز التنمية المستدامة، خاصة في ظل ما يتمتع به الأردن من تنوع طبيعي فريد، وفق رئيس اتحاد الجمعيات البيئية عمر الشوشان.
ويمتد هذا التنوع، بحسبه، من الغابات الشمالية إلى سلسلة الأودية والتنوع الجيولوجي في البادية، مثل وادي رم والضاحك، والواحات المائية في الأزرق، وفرادة البحر الميت، والميزة العالمية للشعاب المرجانية في محمية العقبة البحرية، ما يتيح فرصا سياحية على مدار العام.
وأشار لـ"الغد" إلى أن السياحة البيئية تقوم على ثلاث ركائز رئيسة؛ أولها حماية الأنظمة البيئية، وهي الأساس الحقيقي لهذا القطاع، ويتم ذلك عبر صون الغابات والتنوع الحيوي والموارد الطبيعية، وتنظيم الاستخدام السياحي للمواقع الحساسة.
وثانيها الركيزة المجتمعية؛ إذ إن نجاح السياحة البيئية يرتبط بإشراك المجتمعات المحلية وتمكينها عبر فرص العمل، والإرشاد السياحي، وبيوت الضيافة، والحرف اليدوية، والمشاريع الصغيرة المرتبطة بالمكان.
أما الركيزة الثالثة، وفق الشوشان، فهي تطوير المنتج السياحي البيئي ليكون "جاذبا وعصريا ومنسجما" مع البعدين البيئي والمجتمعي، عبر مسارات المشي، والتخييم المنظم، ومراقبة الطيور، والسياحة الزراعية، والتجارب الثقافية المحلية.
وأكد أن الأردن يملك اليوم "نماذج ناجحة"، في مقدمتها المحميات الطبيعية التي أثبتت قدرة حقيقية على الدمج بين حماية الطبيعة وتحقيق التنمية المحلية، ما يجعلها نموذجا يمكن توسيعه في مناطق أخرى.
وفي ظل استمرار عدم الاستقرار في المنطقة، تُعد السياحة البيئية "ملاذا آمنا" يعزّز ارتباط الأردنيين بأرضهم، وينمّي الثقافة البيئية والروح الوطنية، كما يقدم صورة الأردن المستقر والغني بموارده الطبيعية.
وأضاف أن السياحة البيئية تشكل أحد أهم روافد الاقتصاد الريفي عبر خلق فرص العمل، وتحريك الأسواق المحلية، وتمكين الشباب والنساء.
غير أن الشوشان ربط نجاح هذا المسار بتكثيف حملات التوعية لحماية المواقع الطبيعية، وترسيخ ثقافة احترام البيئة، والمحافظة على النظافة والموارد، لأن استدامة السياحة البيئية تبدأ من "وعي الإنسان بقيمة المكان".
الأردن تتناغم
فيه الأنظمة البيئية
ومن وجهة نظر المختص في التنوع الحيوي إيهاب عيد، فإن زيارة سمو ولي العهد إلى محمية غابات اليرموك تتجاوز بعدها البروتوكولي لتغدو "رسالة حيّة" تعكس جمال الأردن وفرادته البيئية.
وأضاف لـ"الغد" أن الأردن تتناغم فيه أنظمته البيئية، رغم تباينها، في انتقال سلس يرسم لوحة طبيعية فريدة تجمع بين الاختلاف والانسجام ضمن مساحة جغرافية محدودة؛ من غابات الشمال إلى تنوع الجنوب وصحاري الشرق، في مشهد يؤكد غناه وتفرّده.
ومن هذا المنطلق، لا تقف هذه الزيارة عند حدود تسليط الضوء على موقع بعينه، بل تقدّم الأردن بالصورة التي يستحقها كوطن غني بالتنوع الحيوي، جدير بأن يكون في "قلب خريطة السياحة المستدامة"، حيث تصبح حماية الطبيعة "التزاما وطنيا" يحمل بعدا استراتيجيا يتجاوز الحاضر إلى المستقبل.
لكن، ولضمان ذلك، شدد عيد على ضرورة "إعادة الاعتبار" لجوهر السياحة البيئية وأسسها الحقيقية، التي لا يمكن اختزالها في إقامة أو تجربة ترفيهية عابرة، أو حتى استمتاع مؤقت، بل هي نهج متكامل يبدأ بحماية التنوع الحيوي كركيزة أساسية.
وكل ذلك يتطلب، كما أوضح عيد، من المؤسسات المعنية صون عناصره النباتية والحيوانية وتعزيزها، واستعادة المناطق المتدهورة، وصولا إلى تمكين المجتمعات المحلية، وضمان تحقيق تجربة واعية تحترم المكان وتاريخه الطبيعي وتثري الإنسان.
وحذّر من غياب هذه الركائز، لأن ذلك سيفقد السياحة البيئية مضمونها، لتتحول إلى نشاط استهلاكي بلا أثر مستدام.
وعليه، شدد على أن زيارة ولي العهد تمثل "فرصة حقيقية" ينبغي اغتنامها وترجمتها إلى واقع، بحيث تكون حماية واستعادة التنوع الحيوي الأساس الذي يُبنى عليه كل جهد سياحي، بما يعيد للسياحة البيئية دورها في حفظ الموروث الطبيعي وصونه للأجيال القادمة.
وصاغ عيد طريقا لتحقيق ذلك يبدأ "بالإدارة الواعية" التي توازن بين الإنسان والطبيعة، حيث تُصان الأنظمة البيئية، وتُصمَّم التجارب السياحية بما يضمن استدامتها دون استنزاف، ويُمنح المجتمع المحلي فيها دورا حقيقيا كشريك فاعل لا متلقٍ.
ويبرز هنا دور الناشطين والإعلام في نقل الصورة بمسؤولية تعكس القيمة الحقيقية لهذه المواقع وتحافظ على حساسيتها، بعيدا عن المعلومات غير الدقيقة التي قد تُلحق بها الضرر.
وفي ظل التحديات الراهنة، يرى عيد أن السياحة البيئية يمكن، إذا أُحسن توجيهها، أن تكون جسرا نحو اقتصاد أخضر أكثر استقرارا، غير أن ذلك يظل مرهونا بوعي صانع القرار والإنسان معا.
وتابع قائلا: "حماية الطبيعة لا تتحقق بالقوانين وحدها، بل بسلوك يؤمن بأنها أمانة وهبها الله للإنسان، وأن هذه الكائنات ليست هامشا في المشهد، بل هي جزء من توازن هذه الأرض وصحة مجتمعاتها".
وخلص إلى أن التراجع في منظومة التنوع الحيوي لم يعد "تفصيلا يمكن تجاوزه"، بل "نداء صامت" يستدعي استجابة جادة في ظل تدهور مكوناته، كما يضع أمام صانع القرار مسؤولية واضحة بأن هذا القطاع ليس ترفا، بل ركيزة أساسية لاقتصاد مزدهر ومجتمع متوازن.
تبنّي سياسات بيئية صارمة
وفي رأي الباحث والمستكشف في التاريخ الطبيعي والسردية الأردنية عمر فاشه، فإن تطوير السياحة البيئية يبدأ من بناء "ثقافة واعية" تجاه المكان، تبدأ من المنزل والمدرسة بهدف غرس قيمة الانتماء للطبيعة لدى الأجيال الناشئة.
والمطلوب اليوم، بحسب قوله لـ"الغد"، هو تبنّي سياسات بيئية صارمة وعالمية، مثل مبدأ "لا تترك أثرا"، لضمان استدامة المواقع، مع عقد دورات تدريبية متخصصة للممارسين والمستكشفين، تدمج بين مهارات التجوال والمسؤولية الأخلاقية والبيئية.
وتُعد المجتمعات المحلية "الحارس الأول" للطبيعة، وأي مشروع سياحي بيئي لا يُشرك السكان المحليين يُعد غير مكتمل؛ فالتمكين يبدأ بخلق فرص عمل حقيقية تحدّ من البطالة، وتحول الشباب في تلك المناطق إلى حماة للبيئة وأدلاء سياحيين محترفين.
ودعا إلى تكثيف ورش العمل التدريبية حول إجراءات السلامة في سياحة المغامرة، وأساليب الحفاظ على التنوع البيولوجي، خصوصا أن الأردن يقع في قلب التحديات المناخية، مثل الجفاف والاحتباس الحراري، ما يجعل حماية هذه النظم البيئية الفريدة أولوية قصوى.
واعتبر فاشه أن الناشطين والمؤثرين يمتلكون أقوى وسيلة إعلامية، تتمثل في قدرتهم على الوصول المباشر إلى كل منزل؛ إذ لم يعد دورهم محصورا في التقاط صور جميلة، بل في نشر رسالة توعوية هادفة.
ولعل الآلية الناجحة هي "أنسنة المحتوى"، أي نقل القصة التاريخية والطبيعية للمكان بأسلوب بسيط وشيّق يترك أثرا لدى المتابعين، ويحولهم من مجرد مشاهدين إلى زوار مسؤولين.
ورغم أن السياحة البيئية في الأردن ما تزال في طور النمو، فإنه يؤكد أنها شهدت في السنوات الأخيرة "قفزة نوعية" في مستوى الوعي، وازديادا ملحوظا في أعداد الممارسين والناشطين.
وفي ظل الأزمات الإقليمية التي أثّرت على السياحة الخارجية، أثبتت السياحة البيئية والداخلية أنها "طوق نجاة" و"صمام أمان" للقطاع السياحي في المملكة. وضرب مثالا على ذلك بإقبال المواطنين على استكشاف كنوز بلادهم الطبيعية، ما ساعد في الحفاظ على دوران العجلة الاقتصادية للمرافق السياحية والمجتمعات المحلية.
وشدد على أهمية التوعية بحماية الأماكن الطبيعية، في ظل أن كثيرا من الممارسات السلبية ناتج عن عدم إدراك حجم الضرر الذي قد تسببه المخلفات للتربة والكائنات الحية والتنوع الحيوي.
لذا، فإن تكامل الجهود بين الإعلام والناشطين والمؤسسات التربوية بات ضرورة ملحّة، لتوضيح أن حماية البيئة ليست ترفا، بل حماية للمنظومة الحيوية على المدى البعيد؛ فالموقع السياحي الذي يفقد تنوعه البيئي يفقد قيمته وجاذبيته للأبد.