الإنتاج الزراعي.. ركيزة الأمن الغذائي*د. ابراهيم بدران
الغد
فرضت موجة التغيرات المناخية التي تجتاح العالم وأبرز جوانبها وأخطرها في المنطقة العربية ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الامطار وبالتالي تعمق الجفاف في مساحات شاسعة من بلادنا وغيرها من البلدان. من جانب آخر، تتوالى تصريحات منظمة الأغذية الدولية (الفاو) حول تتابع ارتفاعات أسعار الأغذية على مستوى العالم. ولا شك أن الانتاج الزراعي والزراعة عموما في جوانبها الثلاثة النباتي والحيواني والمائي هي الأكثر تأثراً وأضعف مقاومة إذا تركت لتواجه التغيرات المناخية دون استعداد علمي وتكنولوجي وبشري ملائم، الامر الذي ينعكس على الأمن الغذائي بشكل سلبي خاصة وأن أسعار الغذاء على مستوى العالم ترتفع أيضا نتيجة للأزمات السياسية أو اللوجستية أو العسكرية أو المناخية التي تكاد لا تفارق المنطقة. ليعني ذلك عدم قدرة الكثيرين من الناس في الدول النامية ونحن منها على الحصول على الغذاء بأسعار مناسبة يكونون قادرين على تحملها. وبالنسبة لنا في الأردن، فإن مساحة الارض المزروعة تشكل 2.9 % من مجمل مساحة البلاد في حين يقدر الخبراء أن الأراضي الصالحة للزراعة لدينا ومن خلال تطوير التكنولوجيات الزراعية تقترب من 10 % من المساحة الكلية، بل ويمكن زيادتها. كل هذا يستلزم إعادة النظر والاعتبار الى القطاع الزراعي والذي يساهم بمقدار 7 % من الناتج المحلي الاجمالي، ويعمل فيه 160 ألف عامل أردني. ومع أن جهوداً كثيرة تبذل للنهوض بقطاع الزراعة، إلا أننا ما زلنا نعتمد بشكل أساسي على استيراد المواد الغذائية وبنسبة تصل الى 80 % تقريبا من إجمالي الاحتياجات الغذائية، وبكلفة سنوية تتجاوز 1.5 مليار دينار.
إن تأثير التغيرات المناخية والأزمات المتنوعة على مستوى العالم، وفي المنطقة بشكل خاص، وما أحرزته بعض الدول من تقدم في الزراعة والصناعات الزراعية، كل ذلك يستدعي النظر في عديد من المسائل وعلى النحو التالي:
أولاً: أن تتعامل الدولة بمؤسساتها المختلفة مع قطاع الزراعة من منظور مستقبلي والمدخل لذلك يبدأ بلتعامل مع أزمة المياه، وتواضع إنتاجية العامل الزراعي والتي لا تتعدى 15 ألف دينار سنوياً، وارتفاع كلفة الإنتاج والتخزين وتوالي ارتفاع الحرارة وبالتالي التأثير المحتمل على الأمن الغذائي.
ثانياً: إن قطاع الزراعة والذي يستهلك حالياً 52 % من مجمل المياه بحاجة الى تحديث شامل وتطوير التكنولوجيا الزراعية باتجاه تخفيض المياه المستهلكة من القطاع وتوفير الطاقة الشمسية على أوسع نطاق. ثالثاً: ليس من المفيد انتظار ما سوف ينتجه الآخرون ليتم استيراده وخاصة ما يتعلق بالسلالات النباتية والحيوانية عالية التحمل للحرارة والجفاف، وإن كانت الإفادة من تجارب الآخرين لها أهميتها الكبيرة، وإنما وضع وتنفيذ البرامج الوطنية لهذه الغاية والتوسع الأفقي في هذا المجال.
رابعاً: على الدولة أن توجه كليات الزراعة في الجامعات لتكون مسارات أبحاثها باتجاه حل المشكلات الفعلية التي تواجه قطاع الزراعة بمفرداته المختلفة، وحسب المناطق التي تنتشر فيها الزراعة، مثل الأغوار والمناطق الشفاغورية والمناطق الجبلية والبوادي.
خامساً: وضع برامج واسعة الانتشار وطويلة الاستدامة لتطوير امكانات المزراعين ومهاراتهم باتجاه تكنولوجيات الزراعات الحديثة، سواء كانت الزراعات الذكية أو الزراعات المائية أو الزراعات العمودية أو الزراعات المنزلية وغيرها، باعتبارها بمجملها تشكل الركن الأكثر موثوقية تجاه الأمن الغذائي.
سادساً: إن المكننة الزراعية ما زالت متواضعة لدينا ولا تتعدى 25 % من الأراضي المزروعة. يعود ذلك لارتفاع أسعار الآلات الزراعية ولعدم ملاءمة الآلات لكثير من المواقع ذات الطبيعة الخاصة. الأمر الذي يستدعى الإفادة من تجارب دولة شرق آسيا وخاصة الصين في الماكنات الصغيرة الملائمة للمساحات الصغيرة والمناطق الجبلية أو الرملية. كما يستدعي ان تتعاقد وزارة الزراعة مع عدد من كليات الهندسة في الجامعات الأردنية لتطوير آلات ومعدات زراعية مناسبة. سابعاً: إن أزمة المياه العامة لدينا يمكن التخفيف من ضغوطها جزئياً في قطاع الزراعة من خلال تطبيق التكنولوجيات المذكورة أعلاه وعدم الاستهانة بالتكنولوجيات البسيطة المولدّة للمياه، بما في ذلك تكثيف رطوبة الهواء والاستمطار واقتناص الضباب من خلال شبكات في المزارع والتي نجحت المغرب فيها بشكل لافت للنظر، وكذلك تعميم استخدام الصناديق المائية والشرنقات حيثما أمكن ذلك لتخفيض كميات المياه اللازمة لزراعة الاشجار.
ثامناً: التوسع في إنشاء السدود الترابية والحفائر وتخضير المساحات القريبة من الأراضي الزراعية للتأثير الإيجابي على درجات الحرارة والرطوبة.
تاسعاً: إنشاء معاهد زراعية تكنولوجية تطبيقية متخصصة تتداخل فيها الزراعة مع الهندسة مع الأحياء، وحسب المناطق وحسب المنتجات الزراعية النباتية والحيوانية المراد التركيز عليها، فالتكنولوجيا الزراعية المطلوبة في الاغوار تختلف في جوانب كثيرة عن تلك في المناطق الجبلية أو شبه الجبلية سواء من حيث أساليب الزراعة والتربية أو السلالات النباتية والحيوانية. والتكنولوجيات لأشجار الزيتون مثلا تختلف عن نظيرتها في الخضار وهكذا.
عاشراً: دعم وتعزيز الصناعات لمدخلات الزراعة مثل الأعلاف والمعدات والماكنات والأسمدة والكيماويات وشبكات الزراعات المائية، والصناعات المتعلقة بالمنتجات الزراعية مثل الصناعات الغذائية والتخزين والنقل والتبريد. كل ذلك في إطار مشاركة الدولة والشركات والبنوك والتعاونيات في المشاريع ذات العلاقة.
حادي عشر: التوسع في التعاونيات الزراعية وتقديم المساعدات لها، وخاصة تلك التي تجمع الملكيات الزراعية الصغيرة وتتيح الفرصة لاستغلالها بشكل جماعي.
وأخيراً، فإن المستقبل الذي قد تسيطر عليه التغيرات المناخية يتطلب الجهود العلمية والتكنولوجية والتأهيلية المتخصصة والقائمة على مستجدات العلم والتكنولوجيا والمهارات الحديثة، بما فيها المهارات الرقمية لتشمل القطاع أفقيا وعموديا، وليس مجرد مزارع قليلة هنا وهناك.
إن الأمن الغذائي على مستوى الدول النامية والمنطقة العربية خاصة يزداد تعقيداً على مدى السنوات، كما أن تواصل الازمات يتطلب الرؤية الوطنية التي تتعامل مع الأمر بحكمة وعلم والتزام باعتبار ذلك من ركائز الأمن الغذائي والأمن المجتمعي.